عندما كانت الانثى تأكل الذكر

 

في بداية تكوين الحياة على الأرض، لم تكن هناك انواع عديدة من الحيوانات، بل فقط أنواع بكتيريا بدائية متكونة من خلية واحدة، تعتاش على استثمار الطاقة الشمسية و الأملاح في الماء، لتحويلها إلى مركبات عضوية مفيدة لها. و في ذلك الوقت لم تكن عملية التكاثر عملية معقدة، بل فقط عملية تناسخ الخلية الواحدة إلى خليتان كما الحال في كثير من انواع البكتيريا الى يومنا هذا.
لكن مع مرور الوقت و تطور الحياة، ظهرت انواع اكبر من البكتيريا (بكتيريا ذات خلايا متعددة) و التي احتاجت إلى أن تأكل خلايا آخرى لكي تتغذى. و لكي تتكاثر كانت تلك البكتيريا تاكل بعضها البعض، و هنا نشأ التجنيس، حيث أن البكتيريا صارت متخصصة إما انثى أو ذكر، فالانثى كانت تأكل جزء من الذكر و ذلك لكي تستطيع أن تنقسم و تنجب بكتيريا جديدة.
و هنا نشأت أيضا التعددية البيولوجية، فليس من المهم أن تأكل الأنثى جزء من الذكر بل جاء التفضيل و التنافس، فالذكر الأفضل (بيولوجيا) كان يحضى بفرصة أن يعطي جزء من نفسه للأنثى و ليس اي جوء كان، بل جزء حيوي يحتوي على جينات وراثية فيها معلومات مفيدة للصنف بشكل عام. فهنا لا يكون للخلية الواحدة اهمية تذكر، بل المهم هو تطور الصنف، و الذي يتم عن طريق تبادل صفات التطور الموجودة في الجينات الوراثية. فعندما كانت الانثى تاكل الذكر، كانت في الواقع تطور الصنف كله. في ما بعد تعمق التصنيف و تعقدت عملية التفضيل و التزواج ما بين الانثى و الذكر و لكن المهمة ضلت كما هي، ألا و هي تطوير الصنف عن طريق تبادل الصفات الوراثية المفيدة و نبذ الغير مفيدة. هذه هي فقط نظرية في علم الاحياء تشرح عملية التصنيف الجنسي و هي فقط مقدمة للموضوع الذي أكتب عنه اليوم.
إن اصناف الحياة التي تفتقد للتزاوج بين الجنسين، تكون اصناف خاملة و غير متطورة و ذلك لأن التنوع الجيني مفقود، فالتكاثر يحدث من دون التنوع الذي يأتي مع عملية التزاوج. و لذا فإن تلك الاصناف تكون اكثر عرضة للأوبئة و اقل قدرة على التكيف مع المتغيرات.

موضوعي الذي اكتب عنه اليوم لا يتعلق بعلم الأحياء، بل إني احاول ان اكتب حول المجتمع و السياسة بالمقارنة مع البيولوجيا.
فلو قارنا معادلة تبادل الأفكار، تكاد تكون مطابقة للتبادل البيلوجي الذي يحدث في الطبيعة. فهنا لدينا بدل الأصناف المتعددة للحيوانات و النباتات، لدينا الثقافات السياسية في الإجتماعية المتعددة. فهناك ثقافات لا ترغب بتبادل او تطور الأفكار بل تعيش على طريقة تناسخ الفكر، تماما كما الحال في مجتمعاتنا العربية.

و في المقابل هناك مجتمعات تحث الأفراد و المجاميع لتبادل الافكار في ما بينهم، لتصنع نظام متزن من تبادل الأفكار (النظام الديموقراطي). و هنا يجب أن نركز على مسألة هامة جدا، الا و هي أن الأفراد و التيارات تبدي رأيها و تتصادم في ما بينها على الصعيد الفكري من دون الولوج إلى العنف او ما شابه، و من ذلك التصادم الفكري تننج احسن الأفكار لحل المشاكل. طبعا في هذه العملية يكون لدينا “خاسر” و “رابح”، و لكن كلاهما يخرج رابحا من التبادل الفكري.

بالعودة إلى مجتمعاتنا و انظمتنا العربية التي تتشابه مع انواع الحيوانات البدائية التي تتكاثر عن طريق التناسخ. فهنا نحن كمجتمعات نكون عرضة الى شتى أنواع التدهور و في كل الجوانب، فكل افكارنا و حلولنا ما هي إلا نسخة مطابقة للتي لدينا و التي و رثناها. و حتى و لو لم ننتقد انفسنا البتة، فالواقع هو من سوف يجبرنا الى الولوج في المشاكل التي ليس لدينا حل لها.

و يأتي السؤال المهم هنا، إلى متى سوف نصر على أن نكون احد أصناف الحيوانات البدائية التي تعيش على نمط التناسخ؟
في الواقع هذا السؤال نستطيع نحن (كل و احد منا) ان يجيب عليه، فنحن باستطاعتنا أن نغير من نمط عيشنا عن طريق انتهاج نمط آخر.
ما أود ان اقوله اليوم هو أننا يمكننا ان نتحول الى نظام متطور يقوم على الديموقراطية و ذلك عن طريق انتهاج المنهج الديموقراطي على الصعيد الفردي و الجمعي. فكل ما علينا فعله بشكل عملي هو الإدلاء بأرآنا و في نفس الوقت تقبل آراء الآخرين، فلا تزمت لأي رأي فالمهم هو الوصول إلى أحسن الحلول لنا كلنا.

طبعا هذا التغير لا يناسب كل الأطراف، فالطبقة الحاكمة في كل الدول العربية، تناهض هذا التغير فقط لانه يشكل تهديد حقيقي لمصاحها الفانية. فتلك الانظمة الحاكمة المتكونة من افراد معدودين، لا يريدون في الواقع الخير و النجاح لمجتمعاتهم، فكل ما هو مهم هو المنفعة الشخصية لهؤلاء الأفراد.

لا تعليقات

اترك رد