الرغبة و العنف

 

حينما يطرح العنف كإشكال جوهري في الفلسفة فإن ذلك يعد أمرا بديهيا خاصة وأن الفلسفة منذ نشأتها كانت رفضا للعنف و إدانة له في مختلف أشكاله و ممارساته فليس هناك ما يبرره _ ذلك هوشعار الفلسفة منذ نشأتها.
ولكن أن نتساءل اليوم عن علاقة الرغبة بالعنف فهذا أمر آخر يقتضي منا إعادة النظر في هذه المسألة لمراجعة جملة تصوراتنا عن العنف و مشروعيته و مقتضياته وطبيعة علاقته بالرغبة .
فإذا كان العنف موضوع إدانة فهل من المشروع أن تدان الر غبة ؟؟
وكيف لنا أن ندينها وهي التعبير الأمثل عن ما هوانساني فينا ،إن لم نقل تعببرا عن أعماق ذواتنا؟ ألم يعلن سببنوزا في مساءلته عن حقيقة الإنسان أن الرغبة هي عين ماهيته ؟؟
فما طبيعة العلاقة الرابطة بين العنف_ وهو المدان كالعدو المطارد _بالرغبة وهي التي تثمن قيميا و معرفيا وانطولوجيا ؟
لعل كل هذه الاحراجات التي تستوقفنا منذ البدء نجعلنا نتساءل على نحو آخر : هل أن طرح مسألة الرغبة وعلاقتها بالعنف هو سعي من أجل تبرير العنف أم لاستبعاده؟ وهل أن العنف قدرنا الإنساني إذا ما سلمنا أن الرغبة هي قدرنا الطفولي؟؟
سعيا لتوضيح هذه المسألة سنعتمد منهجا ديكارتيا ينطلق من البسيط الى المعقد. أي من تحديد دلالي للمفاهيم مرورا لتشخيص طبيعة العلاقة بين العنف والرغبة .
حينما نقف على دلالة الرغبة فإننا نجد أنفسنا ضمن سياقات مختلفة ومتباينة بين من يحددها قيميا ليجعلها موضوع إزدراء تحيل الى الأهواء والانفعالات والنوا زع وهو ما يفضي الى إستبعادها أو ” التدرب على الموت”بلغة افلاطون للقطع مع ما يعد حقير ووضيع .
هكذا تستبعد الرغبة ويمارس عنفاضدها هو عنف العقل تجاه اللاعقل ،أو عنف النفس على الجسد.
ولكن أليس من المفارقات أن نسقط في التناقض منذ البداية .ألم نقل أن الفلسفة رفض للعنف؟ كيف يبرر إذن عنف العقل على الرغبة؟!
وهل تعد الرغبة حقا شرا يجب استبعاده مثلما يعد العنف شرا يجب نبذه؟ ألا يمكن أن نتحدث عن رغبة مشروعة مثلما أن هناك عنف مشروع و آخر لا مشروع؟ هل هناك فعلا حرب عادلة تشرع للحق وأخرى غير عادلة تتناقض مع الحق والرغبة وقوة كل فرد؟
وهل أن اكتساب المرء لإنسانيته يقتضي التخلي عن قوته و رغبته بما هي حق طبيعي ومشروع؟؟؟
ألا يبدو أن الفلسفة مطالبة بضرورة الإصغاء لدرس التحليل النفسي في تناولها لمسألة الرغبة مثلما نبهنا الى ذلك بول ريكور.ألم يكشف الدرس الفرويدي أن الرغبة طاقة مبدعة وخلاقة حينما يتم تحويلها بشكل إيجابي فلماذا هذا التنكر ولماذا هذا التهميش للرغبة …؟؟؟
إن الواقع الإنساني اليوم الذي إستحال إلى فضاء للممارسة العنف بأشكاله المشروعة واللامشروعة يشهد أفول القيم الإنسانية الحق التي من شأنها أن تبدع الإنسان الأرقى الذي لا يتدرب على الموت بل الذي يقبل على الحياة ليجعل من مسار فعله جدل يتمسك بما هو حيوي بالأرض والجسد والرغبة وهو ما يغنينا عن” الجدل الصاعد “الذي يبعدنا عن “الكهف “وعن الحقيقة التي تسكن أعماقنا ألا وهي حقيقة الرغبة ..
فإذا سلمنا أن الرغبة قيمة وطاقة حيوية وحق وهي أيضا الطبيعي الذي يولد معنا وحقيقتنا المحددة لماهيتنا فما علاقتها بالعنف؟ هل هي علاقة تضاد وتنافر أم هي علاقة تلازم وتكامل ؟
حينما تتناول الرغبة ضمن سياق موضوعي وذلك بالقطع مع كل حكم أخلاقي فإن الرغبة تتماهى مع القوة بل تتحدد كقوة حيوية تصنع الوجود وتحدد الكائن أنطولوجيا وهي على هذا النحو لا تحتاج للعنف ولا تتخذه كأداة أو وساطة تحقق لأن العنف هو الاستعمال اللامشروع للقوة في حين أن الرغبة هي القوة المشروعة سواء استمدت مشروعيتها من الطبيعة( طبيعة الكائن). أو من الحق الكسمولوجي وهو حق كل كائن فى الوجود أي رغبته في الإستمرارية( الرغبة في البقاء ).
وهكذا حينما لا تتعارض الرغبة مع الحق بل حينما يصبر الحق هو الرغبة لا مجال لممارسة للعنف لأن العلاقات بين الأفراد لن تكون علاقات ميكانيكية علاقات قوى متصارعة ( ردود أفعال ). بل هي علاقات يحددها الحق المشروع .
أن الرغبة كما تفهم ضمن هذا السياق ليست قوة عمياء أو ممارسة للعنف بل هي رغبة واعية ،مبدعة،منتجة، خلاقة ،فهل ثمة إذن ما يبرر أن نضعها موضع إدانة؟!

لا تعليقات

اترك رد