صورة و صوت


 

كان لا بدّ للأيّام أن تنقضي و أن يسكت الجوع…
تمتمت بذات الجملة مرّة تلو مرّة و أعادت تحريك الموقد السّاخن بلا جمر، عدّلت القِدر و أحضرت مرّة أخرى صحنين صغيرين اعتادت -فيما مضى- ملأهما كلما زغردت رغوة أو فاح قدر.
تضع الملعقة الصّدئة بالقرب منها و تعيد تربيع رجليها النّحيفتين، و تقويس ظهرها بمهارة لم يذهب بها الزّمان و لم يزدها التّكرار إلاّ دقّة.
تقترب السّيّدة منها قليلا:
-(مستعدّة؟)
يقول الرّجل الواقف غير بعيد يداعب لحيته المشذّبة و بطنه المنتفخ من تحت قميصه الفضفاض :
-(نعم…)
تجيبه السّيّدة:
-(هذا جيّد!)
تحتفظ حليمة برشاقة حركاتها و هي صبيّة و تزيدها خطوط السّنوات شيئا كثيرا من الوسامة و هي تعيد رسم ابتساماتها الميّتة تحت العينين الغائرتين المحاطتين بالسّواد، و على حواف الشّفتين تنهيدات محتشمة لا تكاد ترتسم حتّى تنتفي، الأمر الذي سهّل على الرّجل اختيارها من بين الآلاف الموزّعين بين بقايا المدن و الأرياف التي أتلفت الحرب معالمها.
يصلب اللّيل ما تبقى من انتظاراتها الصغيرة و هو يقدم واثق الخطو مملوء بعويل البطون و القلوب .
كم راودها هذا الخاطر في هذه الآونة الأخيرة و هي ترى جسدها يذوي و يستحيل عدما: أن تمتدّ يوما يد غريب ينتشلها من بركة أفكارها الآسنة، أو أن تقتل الحاكم و تصلب المحكوم أو أن تقدّم جثّة زوجها التي لم تستلمها من أيّ جهة رسميّة و لا معارضة شواء يكرم جوع أطفالها الذين ضيّعت في زحمة المواجع عددهم و صارت تخطئ كثيرا و هي تنادي هذا و ذاك قبل أن تنتبه إلى كونها تنادي الغائبين و تغيّب الحاضرين، تحلم أيضا بأشياء أخرى ممنوعة هي لا تريد أن تبوح بها لنفسها و لا أن تعرفها حتّى، فقد باتت المعرفة بالشّيء خطيئة لا تؤدي لغير خطيئة الكلام المودي إلى الموت لا محالة.
ظلّت تحرّك جوف القدر و تشرد بذهنها بعيدا جدّا، تستدرّ عينيها عساها تسيل دمعة محتبسة بالجمجمة، و ترفع من حين لآخر رأسها محدّقة في الرّجل الواقف أمامها و هي سافرة و في السّيّدة ذات البنطال الجينز و القميص الأبيض المكويّ بعناية. كالغائبة عن المشهد تستمرّ بفعل تكرّره حسب الحاجة، تبتسم في سرّها للخاطر المشاغب الذي يعرّش كلّ يوم قليلا في رأسها فتستعيد به توازنا مفقودا.
عدّلت للمرّة الX جلستها دون أن ينهرها الرّجل و يأمرها بالحشمة و هو يفرك يديه انتظارا.
كلاك…
كلاك…
كلاك…
– شكرا جزيلا سيّدي، تفضّل!
تنقده السّيّدة و يمدّ يديه مبتسما راضيا، يقبض الثّمن، يدسّه في جيبه و يلتفت إليها آمرا بضرب الخمور على الجيب فقد التُقِطتْ الصّورة و انتهت مهمّتها و لابدّ من الحشمة و الامتثال، فيما تنصرف السيدة التي أخفت شعرها الأشقر تحت غطاء أسود و عينيها تحت نظّارات شمسيّة.
لم تملأ حليمة تلك الأواني الصّغيرة بالعشب الذي انتهت من إعداده وجبة أخرى ليوم يَمَنيّ آخر يشبه الأيّام الافريقية، فقد ثقلت الملعقة الفارغة علي يديها اليابسة فسقطت منها أن تقع هي إلى جوار صغارها الممدّدين بلا حراك بينما القِدْر -بعدُ- فارغة على جمر بارد و القَدَر -بعد- يكتب للصّورة النّجاح و عبور الحدود.
…..

لا تعليقات

اترك رد