رحلة عشق عبر الوديان السبعة 7-1


 

الحمد للّه الّذى اظهر الوجود من العدم و رقم علی لوح الانسان من اسرار القدم و علّمه من البيان ما لا يعلم و جعله کتابا مبيناً لمن آمن و استسلم و اشهد خلق کلّ شيىء فى هذا الزّمان المظلم الصّيلم و انطقه فى قطب البقاء علی اللّحن البديع فى الهيکل المکرّم ليشهد الکلّ فى نفسه بنفسه فى مقام تجلّى ربّه بانّه لا اله الّا هو و ليصل الکل بذلک الی ذروة الحقائق حتى لا يشاهد احد شيئاً الّا و قد يرى اللّه فيه و اصلىّ و اسلّم علی اوّل بحر تشعّب من بحر الهويّة و اوّل صبح لاح عن افق الاحديّة و اوّل شمس اشرقت فى سماء الازليّة و اوّل نار اوقدت من مصباح القدميّة فى مشکوة الواحديّة الّذى کان احمد فى ملکوت العالمين و محمّداً فى ملاء المقرّبين و محموداً فى جبروت المخلصين و ايّاً ما تدعو فله الاسماء الحسنى فى قلوب العارفين و علی آله و صحبه تسليماً کثيراً داَئماً ابداً و بعد قد سمعت ما غنّت ورقاً العرفان علی افنان سدرة فوادک و عرفت ما غرّدت حمامة الايقان علی اغصان شجرة قلبک کانّى وجدت روائح الطيّب من قميص حبّک و ادرکت تمام لقائک فى ملاحظة کتابک و لمّا بلغت اشاراتک فى فنائک فى اللّه و بقائک به و حبّک احباء اللّه و مظاهر اسمائه و مطالع صفاته لذا اذکر لک اشارات قدسيّة شعشعانيّة من مراتب الجّلال لتجذبک الی ساحته القدس و القرب و الجمال و توصلک الی مقام لا ترى فى الوجود الّا طلعة حضرة محبوبک و لن ترى الخلق الّا کيوم لم يکن احد مذکوراً و هى ما غنّ بلبل الاحديّة فى الرياض الغوثيه ” قوله و تظهر علی لوح قلبک رقوم لطائف اسرارُ ” اتّقوا اللّه يعلمکم اللّه ” و يتذکّر طائر روحک خطائر القدم و يطير فى فضاء ” فاسلکى سبل ربّک ” ذللاً بجناح الشّوق و تجتنى من اثمار الانس فى بساتين ” کلی من کلّ الثّمرات ” انتهى.
و عمرى يا حبيب لو تذوق هذه الثّمرات من خضر هذه السّنبلات التى نبتت فى اراضى المعرفه عند تجلّى انوار الذّات فى مرايا الاسماء و الصّفات لياخذ الشّوق زمام الصّبر و الاصطبار عن کفّک و يهتز روحک من بوارق الانوار و تجذبک من الوطن الترابى الی الوطن الاصلی الالهى فى قطب المعانى و تصعدک الی مقام تطير فى الهواء کما تمشى علی التّراب و ترکض علی الماء کما ترکض علی الارض فهنيئاً لی و لک و لمن سما الی سماء العرفان و صبا قلبه بما هبّ علی رياض سرّه صباء الايقان من سباء الرّحمن و السّلام علی من اتّبع الهدى.
وبعد – فان للسالكين إلى الوطن الالهي من المسكن الترابي مراتب سبعا معلومه يسميها البعض ” الوديان السبعة” ويدعوها آخرون المدن السبع ، وقيل إن السالك لن يرد بحر قرب الوصال، ولن يرشف من خمر لا مثال الا اذا هجر نفسه وهواها، وبلغ هذه الاسفار اقصاها ومداها.

من آثار حضرة بهاء الله التي نزلت بعد رجوعه من السليمانية كتاب الوديان السبعة؛ ويُعدّ هذا الكتاب تحفة من الآثار العرفانية الرائعة وقد نزل رداً على أسئلة الشيخ الصوفي محيي الدين قاضي مدينة خانقين. ورغم أن الشيخ لم يكن من اتباع حضرة الباب كان من المعجبين بحضرة بهاء الله وكتب إليه رسالة ضمّنها أفكارا وقضايا رمزية باطنية.

يدور موضوع الوديان السبعة حول رحلة الروح من عالم الوجود إلى عوالم القرب لله المعبود. والمراحل السبعة لهذه الرحلة معروفة عند المتصوفين، وَصَفَها في وقت مبكر من تاريخهم أحد أقطابهم البارزين وهو الشيخ فريد الدين العطّار. إلا أن حضرة بهاء الله هو الذي أسهب في شرح هذه المراحل السبعة فكشف عمق معانيها وأسرار مغازيها.

أول هذه المراحل (أو الوديان) السبعة وادي الطلب وفيه وصف لطريق الباحث الجاد في سبيله إلى مبتغاه وهو عرفان المظهر الإلهي في عصره، ففي البدء وقبل كل شئ عليه أن يُطهّر قلبه منبع الكنوز السماوية من كل وشم ويُعْرض عن اقتفاء “آثار الآباء والأجداد” ويسد أبواب الصداقة والعداوة مع ملل الأرض، ويترك وراءه ما شاهد وسمع وأدرك. زاده في رحلته: الغيرة والحماس والصبر.

1-وادي الطلب :
اما الوادي الأول فوادي الطلب، ومركب هذا الوادي الصبر، بحيث أن السالك عن سلوكه في هذا السفر لن يبلغ غايته اويصل إلى بغيته، او يشفى ابدا غلته، بل على الساعي فيه الا ييأس ولو سعى مائة الف عام دون أن يرى جمال محبوبه. ذلك بأن المجاهدين لبلوغ كعبة (فينا) يجزون ببشارة ( لنهدينهم سبلنا ) اذا قاموا على خدمة هذا المطلب فأحسنوا القيام. وعلى المسافرين أن يرحلوا في كل آن من مكان الغفلة إلى مكان الطلب لا يقعد بهم قيد ولا يثبتهم لوم وشرط هؤلاء العباد إن يطهروا قلوبهم وهي منابع الخزائن الإلهية من كل عرض وأن يعرضوا عما ورثوه عن آبائهم واجدادهم من كل تقليد ، وأن يغلقوا ابواب الود والبغضاء دون اهل الأرض اجمعين. يصل الطالب في هذا السفر إلى مقام يرى فيه كل الكائنات حيرى تبحث عن المحبوب. فكم من يعقوب اجهده البحث عن يوسف بل انه ليرى العالم حبيبا يجد في طلب محبوبه والكون عاشقا يشتد في اثر معشوقه في كل آن يشاهد امرا. وفي كل ساعه يكشف سرا.لانه خلص قلبه من شئون الدارين، وتوجه إلى كعبة الارواح تشمله عناية الغيب في كل خطوة وتتلظى نيران طلبه في كل لحظة فلربما بلغ به الطلب ما يبلغ الجنون بالعاشق. كالذي روت الناس انها رأت مجنونا ينخل التراب يوما وهو يذرف الدمع فسألوه ” ماذا تفعل ” قال ” ابحث عن ليلى” فقيل له ويحك يا مجنون، ليلى روح طاهر فكيف بك تطلبها في التراب قال :” فاني التمسها في كل مكان عساي إن اجدها”.
نعم إن البحث في التراب عن رب الارباب دليل على كمال الجد في الطلب، وان استهجنه العاقل. اذ إن ” من طلب شيئا وجّد وجده” وما للطالب الصادق من طلبه سوى وصال مطلوبه، وما للحبيب المخلص من مبتغى غير وصال محبوبه ولن يحصل هذا الطلب عند طالبه الا بالتضحية بكل ما لديه يعني كل ما سمع وما رأى وما فهم وينفى كل شئ بنفي ” لا ” حتى يبلغ مدينة الروح وهي مدينة ” إلا ” ، فينبغي لنا إن نشحذ في طلب الهمة ، وان نجهد النفس حتى نرتشف من شهد وصاله، فانا لو ارتشفنا من هذه الكأس لننسى العالم جميعا”
والسالك في هذا السفر يفترش كل تراب ويسكن كل بلد ويتوسم جمال المحبوب في كل وجه ويطلب الصديق بكل دار، ويجالس إي جماعة في مجمع، ويرافق كل شخص عساه إن يلمح فيه سر محبوبه او يشاهد في وجه ما جمال معشوقه”.

ونتابع الوادي الثاني….. وادي العشق ومركبه الالم

لا تعليقات

اترك رد