الفن بين الأحساس والشكل والمهارة ج 1


 

باديء ذي بديء علينا هنا أن نشخص عوامل الأيصال الى مرحلة (الأستمتاع ) بالفن ويمكن أيجازها بثلاث مستويات: الأحساس.. التقنية.. الشكل.

الأحساس: بما ان الأحساس يرتبط بوسائل الأيصال الى الوعي الأدراكي عن طريق الحواس ومنها (البصر) فان الوعي الأدراكي، يمكن أن يسمى كذلك بالأدراك الحسي، حيث تأتي مرحلة الأدراك بعد أرسال الاشارات التكوينية من مصدرها (الباث) عن طريق وسائل الأيصال مع الفكر وهي (الحواس) (المرئية واللامرئية) عندئذ تغدو مرحلة الأحساس (المشاعر) والأدراك (الفكر) مرحلة لاحقة تنمي مرحلة التأهيل نحو مرحلة التذوق والأستمتاع (التمتع الفني بعد مراحل أخرى لاحقة أيضاً، وهي: القياس، والتقويم، والمقارنة، تقدير جمالي، تذوق، ثم الحكم الجمالي. وعلينا أن نفرق بين الحواس وبين الأحساس، فالحواس: هي وسائل لايصال مصادر الجمال الطبيعي والجمال الفني، بينما الأحساس: ارتباط بالمشاعر الوجدانية والنفسية الطريقة الأخرى للوصول والتعرف على الفن:

التقنية: التقنية هي المستوى الذي يتميز فيه العمل الفني عن معظم الاشياء او غالباً يتطلب الرسم الذي يعني التصميم، وهذا مايتضمنه المنتج او العمل الفني بداخله، كون الرسم هو قاسم مشترك في كافة الأعمال الفنية كالنحت والتصوير والبناء المعماري والفنون الاخرى ضمن مجموعة الفنون الجميلة. واحدى القواعد التي يجب اتباعها هنا واثناء تعلمنا بالممارسة فان المسار الطبيعي لذلك هو التحرك من المألوف الى غير المألوف مما نعرفه بشكل جيد الى ماتكون معرفتنا به قليلة، وهاتان القاعدتان متصلتان بعملية (الاستمتاع) الفني، كما انهما متصلتان بفن القراءة او تعلم امور اخرى مثل الادارة، والقاريء الذي يتابع ويقدر بما يتعلق بالفنون يرى الكلمات بتمعن فيها ويلتفظ معانيها، ثم يصر بعد ذلك على وضع الافكار التي حصل عليها موضع الممارسة بطريقته الخاصة التي تتناسب مع اتجاهه الذاتي والنفسي. ان متابعة كتاباً ثم تطبيقه عملياً، يقود الى (الاستمتاع بالفن) على عكس القراء، يتوقفون في الاستمرار بعدها، وعدم ممارسة المراحل اللاحقة لايقتصر التعلم بالممارسة التطبيقية بدون ارشاد العقل في حالة اليقضة والانتباه والاستفادة من خطة تحليل النتائج للاسباب التي ادت الى الفشل والنجاح.

ويرتبط (اللأستمتاع) بالفن من يحترفون مهناً وحرفاً أخرى، الأمر الذي يجعل الفنانين الذين أحبطت بعض أعمالهم في التلقي والأستمتاع مقارنة مع اعمال الفنانين الذين تقبل اعمالهم بالاستمتاع من فئات خارج الوسط الفني من الجمهور. أن مهنة الفنان نحو ايجاد وتنمية (الاستمتاع) بالمنتوج الفني تحتاج الى أهتمام وتشجيع وكسب الرؤى من قبل الجمهور أكثر من ما يحتاجه الفنان. لأن عوامل التشجيع للفنان تأتي أولاً من ذاته المرتبطة باختياره وسلوك موهبته التي لاتفارقه منذ حياته المبكرة، ولكن عملية التلقي والاستمتاع من المجتمع غير مجبرون على ذلك وبغير مجاملة، الا بفعل رقي الأداء والتقنية وقيمه الجمالية التي تكسب وتشد وتستوقف المقابل نحو التأمل والاستمتاع الفني.

الا ان هنالك رأي (فيليب مكماهون) (بان الاستمتاع بالفن لايقتضي مهارات احترافية، لأن بعض الممارسة اليدوية لتساعدنا كثيراً على فهم المنظر التقني للفن، وكمية الجمهور المطلوبة لمعرفة الحقائق الاولية بعيداً عما يمتلكه الفنان المحترف في ترتيبات متطورة) (فيليب مكماهون، ص22، 2001).

الشكل: يأتي التعامل مع الفن عند مستوى الشكل، وفكرة الشكل هي طريقة لتسمية الحقيقة في الخبرة العادية المألوفة. ان الشكل غالباً مايستحوذ اهتمام الاشخاص بفائدة من التعامل معه، وهوشيء واقعي وفريد ووحيد عند رؤيته او التركيزعليه والشكل متكامل متميز عن الاشياء التي قد تربك توحدها، كما ان اجزاء الشيء تتوحد في الشكل سواء كان كنموذج حسي او كتصميم تضمنته التقنية المستخدمة في انتاجه. والاستمتاع بالفن يصل لمرحلة التفاعل والتمتع بالفنون الى مرحلة التفاعل باللمس الى المنتوجات الفنية النحتية والتصميمية، اي تبادل الشعور النفسي والجسدي. بينما التذوق يتجسد في مكنونات الشعور بالادراك الحسي والتاملي داخل النفس والتامل الفكري.

يرتبط مفهوم الأحساس حسبما اراى: بجانبين هما (الحواس) (والشعورالادراكي والوجداني).

(والحواس) هي وسيط بين مصادر البث الذي يتكون من (الطبيعة) (والانتاج) الذي يتدخل به الأنسان، ومن اهم هذه الحواس السمع والبصر، ويشكل البصر نسبة استلام 80 بالمئة ومصادر البث يتم من جهتين هما: جهة الأشياء الطبيعية..والثانية التي يتم التدخل بها وتحويرها من قبل الأنسان، سواء كانت فنية أم صناعية أو هندسية. ومن العوامل التي تنشط عملية الأحساس هو الوعي الأدراكي العقلي، وقابلية التذوق والاستمتاع التي تتباين بين شخص وآخر. وبما أن الإنسان هو ظاهرة طبيعية من ظواهر هذا الوجود، فإن وسائله في التعبير وأدواته وعُدده وآلاته مستمدة مما يحيط به من ظواهر طبيعية أخرى، فإن حب الأستطلاع الذي يتميز به الإنسان يدفعه إلى أن يلاحظ ما يحيط به من ظواهر طبيعية، مستعملاً جميع حواسه، وبخاصة البصر والسمع واللمس، ومن ثَم يصبح كل ما يقوم به الإنسان من نشاط أبتكاري يسير على النسق نفسه الذي تسير عليه الطبيعة في نظامها الكوني.

ومن العوامل التي يستجيب لها الأحساس والأستمتاع التذوقي هو “الجمال” إن الجمال والخير والحق حقيقة واحدة العمل هـو الذي يـوصف بالخـير -والشكل هـو الذي يوصف بالجمال أتفق الناس على حب الجمال، ولكنهم أختلفوا في تعريفه. فيقول أفلاطون مثلاً: إن الجمال والخير والحق حقيقة واحدة، فليس بجميل ما يقوم على الباطل، وهنالك من يعترض على هذا الرأي لأفلاطون بالقول بأن الخير نافع، ولكن الجمال لا يشترط فيه المنفعة، والحق يقوم بالبرهان ولا حاجة بالجمال إلى برهان. ويفرق أرسطو بين العمل والشكل، فالعمل هو الذي يوصف بالخير، ولكن الشكل هو الذي يوصف بالجمال. عناصر المتعة الجمالية: “إن الفن طريق المعرفة، وعالم الفن نظام خاص ذو قيمة للإنسان، يضارع عالم الفلسفة والعلوم.

ونحن نرى أن أهمية وتقدير الفن في تاريخ البشرية بوصفه طريقا للمعرفة، مساوياً للطرق الأخرى التي يتوصل بها الإنسان لفهم ما يحيط به” ويرى – هريت ريد – الفن والمجتمع (من الملاحظ أن الإنسان يستجيب للأشكال الطبيعية الموجودة أمام حواسه من حيث شكلها العام ثم من حيث سطحها ولونها… كما يتحقق تناسق معين نتيجة تكامل هذه العناصر مع بعضها، ويؤدي هذا التناسق إلى الإحساس بالرضا: وهو ما يمكن أن نعبر عنه “بالإحساس الجمالي”. ومن ناحية أخرى، إذا لم يتحقق هذا التناسق في علاقات الأجزاء مع بعضها تولد لدينا إحساس بالنقيض وعدم الرضا وهو ما نسميه “الإحساس بالقب”.

ومن أجل هذا فإننا نقول: إن الإحساس بالجمال هو الأستجابة الطبيعية للعلاقات المتوافقة والمتوازنة بين الأجزاء التي يتكون منها الشيء الذي يقع أمام أبصارنا -ولما كانت أحاسيسنا وذكرياتنا مترابطة ومتداخلة على هذا النحو، فقد تُحْدِث الألوان التي نراها – في عمل فني – آثاراً نفسية من خلال هذه الترابطات التي لا نكاد نستبينها، “فاللون كما تراه العين وما يثيره من خيال، كلاهما سمات ضرورية في تأثيرها الجمالي.ويرى” إروين إدمان – أن الفنون والإنسان هي الإمدادات الرأسية في الفن القوطى، والخط الأفقي السائد في فنون البناء في عصر النهضة والمحاور الرأسية والأفقية في رسوم المقابر المقابر والكهوف والخطوط الراقصة في أوعية الزينة الإغريقية وانواع الخط الكثير الانحناءات في الأرابسك والخطوط الجافة الصلبة في التصوير القديم.. كل ذلك عناصر مباشرة وجوهرية في المتعة الجمالية.

الجمال الذاتي: ان القدرة على تأمل الطبيعة واستخلاص القيم الجمالية التي تغمرها، أمر بالغ الأهمية ليس في تكوين الذوق العام فقط، وإنما أيضاً: تسهم هذه المقدرة في فهم القوانين التي تحكم أشياء الطبيعة وتكسبها جمالها الذاتي. ولغة الفن التشكيلي مستعارة من الطبيعة، فالخط واللون والظل والنور وملامس السطوح (الملمس الناعم والخشن) والأحجام والسطوح والفراغات، كلها مستمدة من دراستنا التحليلية للطبيعة، وأصبحت هذه العناصر هي بمثابة حروف وكلمات الفنون التشكيلية تماماً مثل كلمات اللغة التي تصوغ منها الشعر والأدب، ومثل أصوات الطيور والرياح والمياه الجارية وهي العناصر الأولية التي نصوغ منها الموسيقى. وهكذا الخط: كلمة خط لها مدلول واسع، فيمكن أن يكون حافة أو مكان اتصال المساحات، ويمكن أن يكون محيطاً بالشكل كله لتعريفه. ويمكن أن يكون نحتياً في حالة ما إذا أوحى بالكتلة، أو لتجميل سطح. والخط يؤكد نفسه؛ ليحقق غرضاً ذاتيّاً للحركة أو لتأكيد عنصر معين، وتعتمد شخصية الخط – في جزء منها – على الأداة التي ينفذ بها كالفراشة أو الطباشير أو الآلة. وفى المباني يعتمد على شخصية الفنان نفسه، وللخطوط تأثيرها القوي، وهي تسهم في تحقيق التوازن والتناسق بين الأجزاء التي تتكون منها الصورة، فالخط المنحنى في سلاسة والمستقيم في حسم كلها تسهم في متعتنا الجمالية تؤدى إليها. ولا شك في أن الخطوط المختلفة: المنحنى – المستقيم – المتكسر – السميك – الرفيع…لها ما للنغمات العالية والمنخفضة من أثر جمالي.

المقال السابقأغتصبوا بيتي من الباب الخلفي
المقال التالىرحلة عشق عبر الوديان السبعة 7-1
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد