اللغة بوصفها وطنا


 
الصدى - اللغة بوصفها وطنا - رشا فاضل
لوحة للفنان ناصر ثامر

عند اعتابها الخضراء اقاوم ارتباكي وانا احاول ان ارسم خرائطها السرية واتحدث عنها بالمشرط والنظريات اللغوية وربما حتى المعادلات الحسابية .. فأجدني اعترف بزهو كبير واقول بصوت اللغة لابصوتي ..

لا التراكيب اللغوية ..

لا الجار ولا المجرور عنوة تحت امرة القواعد وسلطة القائمين الناطقين باسم اللغة والمصادرين حقها بالبوح الشفيف .. والحارسين لحروفها ووصلها والمراقبين للموصول بها .. يقدرون ان يصفوا علاقتنا المتجذرة بها .. ويفهموا سرانية التشبث بحروفها الشاخصة امامنا كلما داهمتنا لغة اخرى ناعمة ماطرة ترفة من البلدان الباردة ..

وحده الوطن المعفّر برائحة امومة بعيدة قادر على ان يقصّ علينا حكاية اللغة ويروي لنا سيرتها الذاتية الغائرة في مسامات جلدنا..
اذ يحدث ان تكون اللغة بيتا يداهم صقيع ايامك الشاخصة نحو صورتك البعيدة وانت تلثغ حروفها مع رغيفك الاول المخبوز بحنان الامهات .. ويحدث ايضا فيما يحدث من معجزات فاتنة ان تستدرجك وأنت على منصّة القول تقول مالاتعنيه..وتصمت عما تود ان تقوله حقا .. فتستسلم بهزيمة لها طعم النصر لاستدراجها لك لاقبيتها السرية حيث صوتك يتهجا اولى الحروف .. واولى الكلمات على سلّم الطفولة .. حيث لا لغة سواها رقصت على لسانك ولا اغنية غيرها ترددت في حنجرتك البيضاء التي لم تكن تعرف الطريق الى شجن المواويل بعد.. حتى خلت اللغة امّ اخرى تحنو على ليلك بالدعاء وتحتفي بنهارك وتعبّد خطاك بماتيسر من حنان عظيم ….

وقد تكون اللغة ايضا مفتاحا لاكتشاف وجهك الذي ضاع بين الاقنعة واللغات الهجينة فتتلفت وسط ضجيج الاخرين الى قلبك …وصوت من اعماق الروح يهمس (تحسس قلبك .. تحسس وجهك ) فتتكيء على اغنياتك القديمة المودعة في ادراج ذاكرة الابيض والاسود .. تغسل اعتابها بالاعتذارات لانك نسيت او كدت تنسى ان الراء على سبيل الحنين قد التبس مع الغين .. وان ذلك المد اللغوي الجديد قد اطاح بنصف مملكتها العريقة الغائرة في جسد التاريخ لاكثر من 6000 عام ونيف ..

فيرق قلبك .. بل يتهدج اعتذارا على اعتابها .. ولانها ام رؤوم ستغفر لك خطاياك البيضاء وتبارك خطاك وان كانت في الجهة السائرة نحو النسيان .. لانها اي اللغة تعرف تماما انك اذا مانسيتها يوما فانك لن تفلت من قبضتها الاسرة .. من اسرارها ومكنوناتها الفاتنة .. من التطابق والتماثل والتجاور والصرف والعطف الذي يرسم اختلاف المعنى بذات المبنى ..وستدرك وندرك ان اللغة ..مهما انعطف بها الوقت ستكون ماكثة في تفاصيل المعنى لانها غوايته الاجمل بوصفها جسدا لايشيخ ولايذبل .. كما القصيدة التي تزهر فوق خرابنا كل يوم وردة حمراء النزف .. متجذرة في البيادر والرايات واصوات الفقراء اذا ما ركبوا سواعدهم وهموا بالنداء وحولوها من ترف الغزل الى بيان ثوري مدوٍ في صمتنا العربي الخجول .. منذ فلسطين والى الجنوب حتى اخر عراق واخر وطن مشتعل ..

وستلوح لك في الافق البعيد كلما هممت بالغياب كفا بيضاء تحمل لك بين اصابعها المنّ والسلوى والبالونات الملونة وعند اعتاب حزنك ستجدها تحمل لك مناديلها البيضاء لترتق بها جراحك المشرعة على باحات الوطن لتلوذ بحبالها وتبوح بوجعك النبيل.. وحدها اللغة قادرة على ان تشفيك وتمنحك حنجرتها وبقجة مواويل وحزمة قصائد ترمم بها شرخ الغياب .. وحدها اللغة ستبقى حاضرة بقيافتها ودهشتها وسحرها .. ولهذا ظلت اللغة مشاكلة للدم لصيقة بالوجود مشعلة للحرائق ومطفئة لها مريقة لدمنا الذي حدث وان كان بهيئة حبر قاتم مسفوح على صقالة الورق وصفحات الوطن .. نشيد به ما انكسر في طريقنا للحياة .. لنعاود الدخول الى الحياة من فضاءات شتى ومن كل الاتجاهات .. من الشعر والنثر والقصة والرواية وحكايا الجدات الطيبات وظفائر النهر وخضرة الارز المعتق في القمم الشاهقة بالجمال .. من الجبل والبحر .. من اللامكان تخرج اللغة محملة بعطايا الرب .. وفي البدء كانت الكلمة .. اول الخلق .. واخره .. اول الحرث واخر الثمار .. وهيهات ندركها .. هيهات نلامس ضميرها الغائب الحاضر فينا ولنا ومنا وبنا .. سمكة تلبط بين اصابعنا تمنحنا الدهشة وتمضي مزدانة بفضول الاسئلة .. هي اللغة اذن .. هي المكان والبيت والوطن البديل اذا ماتحولت الاوطان الى حقائب سفر وتذاكر وصالات ترانزيت .. هي الهوية التي تستوقفنا كلما سمعنا شجنا عربيا يترنم بجراحنا التي تحولها بفعل سحرها العجائبي الى اغنيات واناشيد تذرو الفرح بوجوه ايامنا الذاهلة ..

واني اذ اتحدث اليوم عن اللغة فاني اتحدث عن الذين حملوا لواءها وظلوا حتى اخر شهقة يمتهنونها وسط الضجيج .. منذ الانبياء ..

منذ الشعراء منذ مالك ابن الريب وحتى محمود درويش والماغوط ومحمد علي شمس الدين والشعراء المتدثرين بالنسيان ..

واتحدث عنا .. شعوبا وقبائل تكبر وتقتات على مساحة الوطن المتبقي فينا .. لأشهد لها بالقدرة على جمعنا وظمنا تحت سعفها وظلالها الوارفة كعباءة ام .. متجاوزة اوهام التاريخ والجغرافية .. مصرة على اجلاسنا عند اعتابها نرتشف جرعة شعر .. بلا جواز ولاتأشيرات … ذلك لانها حريتنا الوحيدة .. وهويتنا الاجمل والانقى ..

حتما انها اللغة .. حبلنا السري الموصل للحياة وللاخر الذي يشبهنا ويفهم سر البوح ووجع الحروف .. وهي الوحيدة القادرة على شحن ارواحنا بمفردات الحياة والجمال الذي يغسل القيح عن ارواحنا ..

فبالكلمة كنا .. وبها نبتديء ..
وسنبتديء كل يوم ..من جديد .

 

 

 

شارك
المقال السابقجدران
المقال التالىالجزء الأول (نص مفتوح)
من مواليد العراق –1975 حاصلة على بكالوريوس في اللغة الإنكليزية من العراق / جامعة تكريت. عضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين قامت بتمثيل للعراق بالعديد من المؤتمرات والمحافل الدولية. حصلت على جوائز عده من اهمها جائزة دبي الثقافية للإبداع العربي في مجال الرواية و الجائزة الأولى في مسابقة و....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد