” اللوحة الأولى “


 

7
في اللوحة الأولى عن الطبيعة للفنانة عالمة نرى مشهدا لغابة من الأشجار التي تتشح باللون البرتقالي بصفة عامة متمازجاً مع ألوان فرحة أخرى مثل الأصفر والأخضر والأبيض، تحيط بتجمع مائي مياهه هادئة ساكنة، تنعكس عليها ألوان الشجر الملونة، والتي تبعث الفرح في نفس المتأمل وتمنحه هدوءاً وسكينة، وفي أعلى اللوحة نرى أطراف السماء مع توشيحات بيضاء للغيوم، وفي وسط اللوحة تلجأ الفنانة لزيادة اللون الأبيض محدثة نوعاً من الانفراج بين شجرتين والكثافة خلفها، فتظهر وكأنها طريق تصعد للسماء معتمدة بشكل جميل على انعكاسات الضوء بدون ظهور الشمس بوضوح، ويلاحظ أنها لجأت، أيضاً، لإيجاد بؤرتي رؤية في اللوحة الأولى في الوسط، وانطلقت منها لباقي اللوحة بشكل حلزوني، والثانية في أسفل السماء فوق أعالي الأشجار، ومنها تحركت بريشتها نحو الأسفل، وهذا الأسلوب في استخدام انعكاسات الشمس نجدها تحرص عليه في العديد من اللوحات الانطباعية المرتبطة بالطبيعة، وفي معظم اللوحات نجد أن المياه على شكل مسطحات أو جداول موجودة ومتمازجة مع الطبيعة وكثافة الأشجار، ما يمنح اللوحات جماليات خاصة وشكلاً تأثرياً بالطبيعة ما بين غابات حرجية وأشجار ملونة ومسطحات الماء الهادئة دوماً في لوحاتها.
يلاحظ في هذه اللوحة استخدام الفنانة للألوان الحارة في غالبية مساحات اللوحة، وهذه مسألة من الجدير الإشارة إليها في أعمال الفنانة، فالألوان انعكاس لجانب نفسي في التركيبة النفسية المتمردة والمراحل التي تمر بها، واللوحات التي استخدمت بها الألوان الحارة كانت تشهد مراحل من ثورة وتمرد مرتفع في حياتها، فالفنانة لجأت للرمز اللوني للتعبير عما يجول في روحها، ولذا نجد الفنانة تلجأ لاستخدام الألوان المختلفة في لوحاتها العديدة وكل مرحلة فنية تمثل مرحلة في حياتها.
فضاء اللوحة الممتد من أعلى الأشجار جرى استغلاله بشكل جيد ومتميز، فهي لم تترك المجال لفضاءات غير مستغلة، لذا اعتمدت الأشجار الحرجية السامقة الارتفاع، وقللت من مساحة السماء واستخدمت الغيوم لتغطية المساحة واستغلال الفراغ، فالمكان هنا بكل مكوناته ماء وشجر وسماء وغيوم، تراه الفنانة اختزال للوجود ويمثل انعكاسا لرغبتها النفسية بالتحليق في الجمال وفلسفتها بالتصالح مع الذات ومع الآخر، فهذه اللوحة رغم الألوان الحارة الثائرة والمتمردة فيها، والتي تعكس كما أشرت مرحلة تكون قد مرت بها الفنانة، فلجأت للتعبير من خلال وحشية اللون، للطبيعة بوحشيتها وثورتها وسلامها، إلاّ أنّها عبّرت عنها بقوّة. فخلال تجوالي بين اللوحات كنت أشعر بحجم كبير من مشاعر متناقضة تنتابني: كالإحساس بأنّ الفنانة تستدعي روحها ونفسيّتها وتوثّق اللحظة لتعيد تشكيلها في لوحاتها وهي في عالمها الخاصّ، بحيث تنعكس الطّبيعة والظّروف النفسيّة التي تمرّ بها الفنّانة من خلال لوحاتها والألوان التي تستخدمها ولمسات فرشاتها.

*من كتاب: عالمة العبدلات مسيرة فن وابداع .

لا تعليقات

اترك رد