الدول الأكثر أمانا في العالم


 

” معظم الدول العربية من بين الأقل أمانا حول العالم “

لم يخيب العرب الكثير من الآمال في أن يحققوا العديد من المراكز في آخر ترتيب دول العالم في التقرير السنوي للأمان العالمي لعام ٢٠١٨ الذي نشره المعهد الدولي للأمن و الإقتصاد قبل فترة قصيرة، و هو التقرير السنوي الثاني عشر الذي يصدره المعهد في هذا المجال، و الذي ركز على دراسة أوضاع و تقييم ١٦٣ دولة حول العالم تعادل حوالي ٩٩،٧ ٪ من عدد سكان العالم، لإختيار الدول الأكثر أمانا و تلك الأقل، و كالعادة كان للعرب حصة الأسد من بين الدول الأقل أمانا، و أحرزت سوريا الترتيب ١٦٣ من بين ١٦٣، في حين لا زال العراق يتنافس بشدة للحفاظ على مقعده في المراتب الأخيرة في الكثير من التقارير و الدراسات و الإحصائيات من هذه الشاكلة، فجاء ترتيبه هذا العام ١٦٠ من أصل ١٦٣ كما بينا ..

كما يقول البعض، فأن الأمان يبدأ عند البعض بإبتسامة، تعطي الأمل و الأمان للآخرين، لكن في عالم اليوم الأكثر تعقيدا ، و حيث أمور الحياة باتت أكثر تشعبا، فأن الإبتسامة لا تكفي لوحدها لتعطينا الأمن و الأمان، ففي الدول التي تقلدت المراتب العليا المتقدمة في هذا التقرير، لو سألنا أي مواطن فيها عن العوامل الأهم لتحقيق المراتب العلى في الأمان هناك، لوجدناه يذكر أمور كثيرة غير الإبتسامة، منها تمتع تلك الدول بإقتصاد يميل إلى نسب و أسعار فائدة منخفضة، عملة قوية، و إستثمارات أجنبية عالية و كبيرة، إضافة طبعا إلى الإستقرار السياسي، و إرتباط و توازي مع إرتفاع عامل السعادة الشخصية لدى المواطنين هناك ..

مما يؤسف له، كان التأثير الإقتصادي لحالات العنف و الإضطرابات و عدم الإستقرار حول العالم، كان تأثيره ضخما جدا، ففي عام ٢٠١٧ كان هذا التأثير يقدر ماديا ب ١٤،٧٦ تريليون دولار من حيث التأثير على القوة الشرائية، أو ما يعادل ١٢،٤ ٪ من مجمل الناتج المحلي الإجمالي للعالم، أي ما يعادل حوالي ٢٠٠٠ دولار تقريبا لكل شخص على سطح الأرض ..

أنجزت هذه الدراسة من خلال تقييم و مراجعة ٢٣ مؤشر و عنصر تقع بشكل عام تحت ثلاثة معايير رئيسية هي : الأمن و الأمان و السلام الإجتماعي، تأثيرات الصراعات و النزاعات الدولية و المحلية، و درجة أو نسبة العسكرة في ذلك البلد أو المجتمع ..

و يشير التقرير إلى أن مستوى الأمان العالمي العام قد إنخفض هذا العام عن العام السابق بنسبة

٠،٢٧ ٪، و هذا هو الإنخفاض الرابع على التوالي لحد الآن، و هذا يعني أن العالم بات اليوم أقل أمانا من أي وقت آخر خلال العشر سنوات الأخيرة، و من ضمن مؤشرات هذا التدهور، أن أعداد المهاجرين و المهجرين و المشردين حول العالم قد إرتفع بشكل خيالي ليبلغ عددهم ما يعادل ١ ٪ من عدد سكان العالم، أي ما يعادل ٧٠ مليون شخص تقريبا، و هو أعلى مستوى يصله في التاريخ الحديث ..

مما لا نستغربه أن يكون الوضع بهذه الدرجة من السوء حول العالم، خاصة و إننا نشعر و نرى و نتابع إستمرار الصراعات و النزاعات الأمنية و العسكرية و السياسية في مناطق عديدة حول العالم، أهمها الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، لكن في نفس الوقت فأن المناطق الأخرى الأفضل نسبيا حول العالم قد شهدت إنخفاضا و تراجعا في درجات و مستويات و معدلات الأمان و السلامة، بما في ذلك أوربا، منطقة الباسفيك، و بشكل أوضح و أخص أميركا اللاتينية ..

و بالنسبة للبعض الذي يهتم و يتابع إن كانت شعارات الرئيس الأمريكي ترامب في جعل أميركا الأفضل و الأول ، فأن مستوى الولايات المتحدة الأمريكية قد تدهور كثيرا في هذا التقرير السنوي لتحل في المرتبة ١٢١، و كانت في موقع متخلف كثيرا عن كوبا التي حلت في المستوى ٨١، و الصين التي حلت في الترتيب ١١٤، و ليس بعيدا جدا عن ترتيب أسوأ البلدان حول العالم في هذا التقرير، سوريا الذي جاء و كما أشرنا في الترتيب ١٦٣ من أصل ١٦٣ دولة ، فهنيئا لأميركا التي يرى البعض أنها باتت عاملا محركا أو مساعدا أو محفزا لكثير من الصراعات و النزاعات و عدم الإستقرار حول العالم، سواء أكان عسكريا أم إقتصاديا أم أمنيا أم غير ذلك ..

بمراجعة سريعة لترتيب دول العالم، نجد أن آيسلند حلت في الترتيب الأول تليها نيوزيلاند و هما بلدين صغيرين أو جزيرتين إحدهما في أقصى الشمال و الآخر في أقصى الجنوب من الكرة الأرضية، و من ثم النمسا و البرتغال، و الدانيمارك و بعدها كندا في الترتيب السادس عالميا، و جاءت جمهورية التشيك في المرتبة السابعة و من ثم سنغافورا و اليابان، و بعدها أيرلندا في الترتيب العاشر، و كانت هذه هي الدول العشر التي تربعت على قمة الترتيب العالمي في الدول الأفضل و الأكثر أمانا حول العالم لعام ٢٠١٨ ..

في الجانب الآخر من الترتيب جاءت السودان في الترتيب ١٥٣، تليها روسيا في الترتيب ١٥٤، بعدها جمهورية أفريقيا الوسطى، و بعدها جمهورية الكونغو الديموقراطية، و من ثم ليبيا و اليمن و بعدها الصومال، و جاء العراق في الترتيب ١٦٠، بعده دولة جنوب السودان، و من ثم أفغانستان ، و أخيرا سوريا في الترتيب ١٦٣ عالميا، و هو الأسوأ ..

بقية الدول العربية، جاءت دولة الكويت في مرتبة متقدمة عالميا و الأولى عربيا و في الترتيب ٤٢، تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة في الترتيب ٤٥، و قطر في الترتيب ٥٦، و المغرب ٧١، عمان ٧٣، تونس ٧٨، و كان ترتيب الأردن ٩٨ و هو متأخر بوضوح عن عدد من الدول العربية و عالميا، و الجزائر في الترتيب ١٠٩، جيبوتي ١١٥، المملكة العربية السعودية ١٢٩، البحرين ١٣٠، فلسطين ١٤١، مصر ١٤٢، لبنان ١٤٧، و هكذا وصولا إلى السودان و العراق و سوريا ..

بقية دول العالم، جاء أهمها كما يلي، سويسرا في الترتيب ١٢، السويد ١٤، ألمانيا ١٧، هولندا ٢٣، أندونيسيا ٥٥، بريطانيا ٥٧، فرنسا ٦١، الصين ١١٢، أميركا ١٢١، إريران ١٣١، الهند ١٣٦، إسرائيل ١٤٦، تركيا ١٤٩، و كوريا الشمالية ١٥٠ ..

الحقيقة أرى هذا التقرير منصفا و متوازنا جدا خلافا للعديد من التقارير المشابهة، خاصة عندما يتعامل مع دول كبيرة و عظمى، لكنها كونها أقل أمنا و أمانا و مشاركة في فعاليات و أنشطة و حروب و معارك و نزاعات حول العالم، تم منحها ترتيب منخفض كما هو الحال مع أميركا و بريطانيا على سبيل المثال ..

كما نلاحظ أن الدولتين الأولى و الثانية الأفضل كانتا أيسلند و نيوزيلاند، و هما جزيرتين نائيتي كما ذكرنان، إحداهما في أقصى شمال الكرة الأرضية، و الثانية في أقصى الجنوب، و هما دولتين صغيرتين نسبيا من حيث المساحة و عدد السكان و حجم الإقتصاد، و هذا ربما ما ساعد و شارك في كونهما الأفضل و الأكثر أمانا حول العالم، و ربما البعد الجغرافي و الإنعزال فرض عليها البعد عن مشاكل العالم و الإنشغال بمشاكلهم الخاصة و الإهتمام بتنمية البلد و تطوير الإقتصاد و السكان ..

يذكر التقرير على سبيل المثال، أن في آيسلند، السكان هناك يتمكنون من النوم بهدوء و أمان ليلا، و ربما هذه الحاجة الإنسانية الأساسية و البسيطة أصبحت من ضمن الأمنيات في كثير من دول العالم الأخرى، علما أن هذا البلد يحتل المرتبة الأولى عالميا منذ عشر سنوات و بشكل متتابع ..

من مزاياه الأخرى التي جعلته يحتل هذا الترتيب، عدد سكان محدود يبلغ حوالي ٣٥٠٠٠٠ نسمة، بدون وجود قوات مسلحة أو قوة جوية أو بحرية، و هو يعتبر من أصغر دول حلف الناتو و أقلهم سكانا، و كما أتوقع فأن عضويته في الناتو رمزية و شرفية أكثر من أي شئ آخر، كذلك يتمتع البلد بواحد من أفضل النسب حول العالم في إنخفاض مستويات الجرائم ..

و تتميز آيسلند كذلك بتوفير أنظمة ضمان و رعاية إجتماعية و تعليم و صحة متميزة، و تتميز عالميا بكونها من بين الأفضل من حيث نسب تشغيل العمالة و مستويات الدخل، كما يتميز هذا البلد بشئ مهم جدا قد لا نجده في كثير من دول العالم، و هو أن غالبية سكانه، ما يقدر ب ٩٧ ٪ من عدد السكان يصفون أنفسهم كونهم من الطبقة العاملة متوسطة المستوى و الدخل، و هذا ما يوفر كثير من الإنسجام بينهم، و يقلل الصراع و الخلافات و التنافس الشديد بين المستويات الإقتصادية و الإجتماعية، و هذا بالتحديد ما يجعل هذا البلد الأكثر أمانا وسعادة حول العالم ..

في نيوزيلاند، و التي جاءت في الترتيب الثاني عالميا، فقد حافظت على ترتيب متقدم خلال العشر سنوات الماضية بما لا يقل عن الترتيب الرابع، و تمكنت من تحقيق معدلات عالية جدا و أقرب إلى الكمال في مجالات الصراعات العالمية و المحلية، عسكرة المجتمع و البلد، و الأمن و الأمان و السلام الإجتماعي، و نيوزيلاند معروفا عالميا بأنها تعتبر بلدا رائعا للعيش و الحياة، و تربية الأطفال و تعليمهم، و رعاية كبار السن و العجزة بشكل خاص ..

تعادل مساحة نيوزيلاند الجغرافية مساحة بريطانيا تقريبا، بالمقابل مع عدد سكان يقل عن ٥

ملايين نسمة، و هو يحتل المراتب الأولى بين دول العالم الأول المتقدمة في مجالات الرعاية الصحية، و فوق المتوسط في مجالات التعليم و الدراسة و مستوى الدخل و نسب التشغيل و العمالة، إلا أنه يعاني في السنوات الأخيرة من صعوبات في تمكن نسبة تعادل الخمس تقريب من سكانه في إمتلاك بيت و سكن مناسب، و ذلك نتيجة إرتفاع مفاجئ في الأسعار و إنخفاض العرض من المساكن المعروضة للبيع، و إرتفاع نسبة المهاجرين للبلد و المستثمرين من خارج البلد في مجالات السكن و البيوت ..

ما يؤسف له أن تقع دول عربية غنية عديدة في الربع الأخير من ترتيب دول العالم في مجالات الأمن و الأمان و السلامة، و بشكل خاص نذكر العراق و السعودية، كذلك دولة مصر الغنية من حيث عدد السكان و الحضارة المدنية، و السودان الذي كان يعتبر في يوم ما كونه سلة العرب الغذائية نظرا لغنى أرضه و خصوبتها و وسعها، هذا عدا العامل الجغرافي الذي جعل بلادنا العربية في موقع القلب من العالم، و قريبة لدول العالم الأخرى و مصادر المياه و البحار و المحيطات ..

ما نتأمله أن تعم صحوة كبرى لهذه الدول لتلحق بركب الحضارة و التطور، و تسعى لأن يعيش سكانها حياة كريمة آمنة سالمة، حالهم كحال دول العالم المتقدمة الأخرى، آخذين بنظر الإعتبار أن دولتين عربيتين فقط، هما سوريا و العراق يعتبران مصدرا أساسيا للمهجرين و المشردين و المهاجرين عالميا خلال العقد أو العقدين الأخيرين، و ربما يصل عددهم لعشر أو عشرين مليون شخص، بحيث بات من النادر أن نجد دولة حول العالم خالية من مهاجرين أو لاجئين من هاتين الدولتين ..

المقال السابقسيكولوجيا التضخيم.
المقال التالىشعوبنا الحرة تنتفض على ميليشيات قوى الظلام ومن وراءها؟
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد