سيكولوجيا التضخيم.


 

البالون بلا هواء لا يمكنه أن ينتفخ، الإنسان هو من يملأه بالهواء فينتفخ وكلما ضاعف الإنسان به كمية الهواء صار أكبر وأضخم وما أن نبعد عنه أفواهنا أو خرطوم الهواء يضمحل ويتقلص إلى أن يعود إلى حجمه الطبيعي صغيراً، مجعداً، رخواً بلا معنى وبلا ملامح.

النفخ والحقن والتضخيم لا يقتصر على العضلات والشفاه والأرداف والنهود بل يشمل الديكتاتوريات واشخاص ودول وأحزاب ومذاهب ومشاهير إلى أن يتحول التضخيم والنفخ من وهم إلى حقيقة تدفع ثمنها الجيوب والشعوب والعقول.

وعلى سبيل النفخ والتضخيم:

تبدأ النزعة الديكتاتورية في الزعيم والقائد المنتخب كبذرة صغيرة بالكاد تراها الأبصار فيأتي الشعب بملء الرغبة والهوس فيسقيها بماء التهويل والترهيب واختلاق الصفات والمواصفات كالغطرسة والجبروت والوحشية ويؤمن لها الضوء والمناخ فتنمو بذرة الديكتاتورية في جذور الزعيم الغر إلى أن يصدق ما ألصقه الشعب عليه من صفات. نفخوا فيه الغطرسة فتغطرس، ضخموا شكل جبروته فصار جباراً يقول الملأ من حوله أنت كالوحش الكاسر فيصير الوحش الكاسر، يهتفون له بالخلود فيصدق أنه الخالد الباقي إلى الأبد والعرش من تحته لن يزول. ومن ثم يأتي الإعلام ليزيد في تضخيم النزعة الديكتاتورية والزعيم يتابع الأخبار والصحف والمجلات فيغتر بصوره التي رسمها الإعلام العالمي والمحلي فيعشق صورته المتوحشة بشكل نرجسي وكلما وصفه الإعلام بصفة فعل ما هو أدهى منها، تتضخم صورة الزعيم ويصبح بالوناً عملاقاً يصعب على النافخين ومن ضخموا صورته أن يثقبوه ليعود إلى حجمه الطبيعي هيهات، هيهات وقد امتلأت نفسه بجنون العظمة.

لم يُخلق الخلق كله ذكورياً، ولم يكن أصل المجتمع في بدء الخليقة ذكورياً؛ لكن العشيرة الأولى والقبيلة الحجرية هي من ضخمت صورة الذكورة ونفخت فيها من روحها الذكورية إلى أن امتلأت وطفحت ومن ثم حجبوا الضوء عن ملامح الأنوثة ليكلا يقع الضوء في عشقها فينثر على الكون صورتها. وجاءت معاشر النساء بصورة الذكورة المضخمة يحملهن من زمن إلى زمن ومن عصر إلى عصر؛ هنَّ يحسبن أنهن بحملهن الصورة سوف يتحررن منها ولم يعلمن بأنهن رسخن الذكورة أكثر وضخمنها على مر العصور أكثر.

عهد التميمي أسيرة فلسطينية واحدة من آلاف الأسيرات في البدء كانت قصة بطولية ومن ثم ضخموا قضيتها ورشوا البهارات وسلطوا الأضواء ومنهم من تسول باسمها وتسوق باسمها وهي تغرد وتغرد فجعلوها اليوم اشهر من جميلة بوحيرد وأعظم مروءة من الخنساء وأجسر من خولة بنت الأزور، من بلد إلى آخر، ومن منصة إلى أخرى، وعهد التميمي صدقت نفسها فضج فيها الغرور والجنون وتحولت من بطلة إلى ثرثارة تتاجر بالكلمات وتغرد إنه التضخيم الإعلامي وهوس الناس بالتهليل والتطبيل وكأن عهد التميمي هي آخر أسيرة خرجت من المعتقلات الإسرائيلية.. هكذا هي الناس نصنع من الحبّة قبّة…!!!

نادية مراد الايزيدية العراقية بعد أن حصلت على جائزة نوبل للسلام كبطلة من البطلات التي قاومت وناضلت واستطاعت الفرار لتروي قصتها ومن بعد أن ضخم الناس أولاً ومن ثم الإعلام العالمي والمحلي بطولاتها على الفور تنصلت من هويتها العراقية وراحت تترنح طرباً وفخراً بإسرائيل. وكما قصة عهد التميمي نادية ليست الأولى وليست الأخيرة ولكن الفراغ الذي يملأ الكون العربي هو ما يدفع الناس للنفخ والتضخيم يبحث عن حدث يشغله إلى أن يأتي الحدث الآخر وهكذا دواليك من نفخ إلى نفخ ومن بالون إلى أخر والأفواه وخراطيم الهواء دائما متأهبة لنفخ الفراغ بالفراغ. من كثرة النفخ والتهويل تتحول البطولة إلى وقاحة والقضية إلى مهزلة والثورة إلى ثرثرة.

إذن، الناس، الشعب، الإعلام، الصحافة، الأبواق الصداحة الأفواه والأقلام المأجورة والحناجر ذات البحة المزورة، هي من تنفخ الأشخاص الفارغة بالهراء كالبالونات، وهي من تضخم صورهم وأشكالهم، وهي التي تصنع لهم مجسمات وتماثيل من الذهب والفضة ويرصعونها بحبّات الألماس حين تسرف الناس بالثناء والمديح والتمجيد والتهليل والتطبيل وتلصق لهم صفات عظيمة هم في الحقيقة لا يملكونها؛ فمن الطبيعي بعد هذا النفخ والتضخيم أن تنتفخ أوداج عقولهم، وتتورم شرايين غرورهم؛ وكلما زادوا الناس فيهم النفخ يتكبرون ويتمادون ويتعالون وينظرون إلى كل من حولهم أقزاما متناسين وضاربين بكعب النكران فضل الأقزام الذين نفخوهم وجعلوهم بهذه الضخامة؛ وهذا هو حال بعض المشاهير والفنانين بالأصل كانوا بالونات صغيرة فجاء الجمهور المسلوب ونفخههم وضخمهم، يذبون بهم كقطعة آيس كريم هياماً وعشقاً، وينتحرون لأجلهم، ويقضون الجيوب ويغمى عليهم لو لمسوا طرف ثيابهم. فمن الطبيعي أن يصابوا بالهوس والغرور..!

سيكولوجيا التضخيم اللاواعي وهوس الإنسان بنفخ الفارغ لينشغل عن واقعه وقضاياه الأساسية وهذا ما يسعى ويعمل عليه المخرج الخارجي والإعلام المبرمج على توزيع البالونات ليشغل الجميع بنفخها والمبالغة بنفخها إلى أن تتضخم وتحجب عنه الحقيقة وتغطي ذهنه بالهراء والهواء والثرثرة والجدال العقيم.

المقال السابقهل كان على ناديه مراد رفض نوبل من اجل اخفاء عورتنا
المقال التالىالدول الأكثر أمانا في العالم
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد