وأخيرا تمخض العراق لينتج الحكومة الرابعة

 

بعد صراع وجدال ومناقشات واتصالات واختلافات في وجهات النظر وتجاذبات وتحالفات رافقها تسقيط سياسي لشخصيات معروفة ومد وجزر وتدخلات من كثير من الأطراف الدولية والإقليمية التي لها مصالح ترعاها في العراق وترى حتمية تدخلها في شؤونه منذ ما قبل موعد الانتخابات في الثاني عشر من أيار إلى حيث نقترب من نهاية شهرنا الخامس له بدأت ملامح ولادة الحكومة العراقية الجديدة تظهر إلى الوجود فمنا وحسب قناعاته من يتأمل فيها خيرا ومنا من أصابته خيبة الأمل وحسب الدستور العراقي المعمول به تم تحديد السادة أعضاء مجلس النواب كممثلين للشعب العراقي وانتخبوا من بينهم هيئة رئاسة وانتخبوا بفضل الله السيد رئيس جمهورية العراق التاسع منذ تأسيس جمهورية العراق وخلال ساعتين تم تسمية وتكليف السيد رئيس مجلس الوزراء الجديد في الدورة الانتخابية المقبلة ليشكل الحكومة التي يعول اغلب العراقيين عليها إن تكون مختلفة.

انتخب الشاب السيد محمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب مع لغط وطعون في شرعيته والية انتخابه والسيد برهم صالح رئيس للجمهورية من قبل النواب ربما دون ارادة رؤساء الكتل خلافا لما جرت عليه العادة وتكليف السيد عادل عبد المهدي رئيس للوزراء كشخصية مستقلة بعيدا عن خلفيته السياسية السابقة وجميعهم شخصيات محترمة وكل واحد منهم يتميز بخصوصية معينة من المؤكد أنها كانت السبب في أن ينال الثقة المطلقة ليشغل المنصب الذي يشغله ونحن ننتظر خلال الشهر المقبل من الآن تشكيل الكابينة الوزارية التي يجب عليها قيادة البلد بالشكل الذي يامله كل مواطن وليس في ذلك إشكال إنما الأشكال في الظروف التي يمر بها العراق كنتاج لما بعد عام 2003 حيث خلقت حالات متشابكة جعلت من الشعب العراقي يقف على بركان هائج نتج عن عوامل كثيرة من بين أهمها التدخلات الخارجية في شؤونه جعلته من الوهن والضعف لتنال منه أطماع كل دول العالم وهو الآن بحاجة إلى التقاط أنفاسه من جديد والى وقت مناسب لاستعادة عافيته لا ليكون دولة قوية تعتدي على غيرها بل لحفظ نفسه من الأطماع الخارجية وتأثيراتها على شعبه في الداخل فخلال السنوات الخمس عشرة الماضية تعرض الشعب العراقي إلى ويلات من الحروب الداخلية بصيغة الطائفية أو العرقية وحملات منظمة من التصفيات الجسدية لكل الانتماءات تحت مختلف التسميات وتعرضت ثرواته إلى النهب وكانت حياة الناس شبه معطلة وشعب تشغله دوامة الأزمات السياسية التي لا ناقة له بها ولا جمل .

إن الدولة أي دولة ليست جرم سماوي يدور في الفلك ضمن مجموعة أقمار يرعاها رب العالمين لا يخرج عن مداره أبدا كما هو حال الشمس مثلا اعتدنا عليها تشرق في الصباح لتغيب في المساء وهذا ديدنها منذ الأزل إلى الأزل بل هي عبارة عن تفاعلات حياتية يومية لا تعمل بحركة آلية قابلة للتأثير والتأثر بعوامل كثيرة تحتاج وفق القانون إلى من يراقب حركتها ويتابع سيرها ويصحح مسارها فيمنع العاملين فيها من الانحراف أو التقصير في أداء الواجبات وهذا ما لم يحصل خلال السنوات الماضية فوهن الحكومات العراقية سمح لضعاف النفوس بسرقة ثروات الشعب لحسابه الخاص فانفجرت كروش السراق من مال السحت الحرام وربط المواطن البسيط حزامه على بطنه بقوة من جوعه وانتشرت البطالة وتوقفت الخدمات وتدهورت الصحة وهجرت العقول المبدعة وفقد الأمن وانتشرت عصابات الجريمة وانتشرت الأمية بين الناس وانشغل بعض الشباب بالتسكع وظهرت بينهم حالات متخلفة كان العراقي يستهجنها وترفضها الأعراف والعادات الاجتماعية العراقية .

إن من ابرز المظاهر التي يمكن تأشيرها كنتاج لهذه الدورة الانتخابية لأول مرة أنها استطاعت أن تنفلت من طوق الطائفية والقومية الخانق فاغلب التحالفات التي تقدمت إلى البرلمان كانت تضم بين جنباتها (واعتذر لهذه التسمية) الشيعي والسني والكردي وغيره من باقي مكونات الشعب العراقي وهذه خطوة جيدة بل عظيمة كنا نتمناها منذ البداية في تخطي القيود التي كانت مفروضة في الدورات السابقة لكنها فشلت في تجاوز تقسيم مناصب الرئاسات الثلاث فبقيت مقسمة على المقاسات القديمة وهذا بطبيعة الحال ناتج عن عدم ثقة السياسيين ببعضهم لا الشعب لأنه لا زال إلى هذه اللحظة لا يعبأ بما يقوله رواد السياسة من مفتعلي الفتن بينما في مقابل ذلك ظهرت الاختلافات البينية تكاد تصل إلى الانشقاقات كما حصل في حزب الدعوة وإصرار قادته على النزول بقائمتين بزعامتين وبالتالي خسر الحزب منصب رئيس الوزراء الذي ضل متمسكا فيه طيلة الدورات الانتخابية الماضية ومن ثم الانخراط بتحالفين ونفس الشئ مع الإخوان الكرد وإصرارهم على الاختلاف في الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية رغم التصريحات بغير هذا على خلاف ما اعتدنا عليه سابقا في الاتفاق على شخصية واحدة يدعمها الجميع.

رئيس الوزراء الذي وقع عليه اتفاق كل الأطراف السيد عادل عبد المهدي كمرشح مستقل سيتحمل أعباء فشل الحكومات السابقة وانعدام ثقة الشعب الذي لا يستمع إلى صوته احد وعليه ترميم ما أتلفه الآخرون وعليه إعادة بناء الأواصر الاجتماعية التي قطعها غيره فهو استنادا إلى خلفيته السياسية مع شروطه التي سمعنا انه وضعها وما أملي عليه من شروط يتوجب عليه انجاز الكثير من المطالب الشعبية وأولها مكافحة أس الخراب وافته وعنوانه الفساد المالي والإداري وطبعا هو لا يملك العصا السحرية إنما البداية في المطالب الآنية السهل والمستعجلة وعليه أن يثبت من خلالها على انجاز ما ينجز على مراحل وبخلافه فان تنحيه عن منصبه منذ البداية أفضل له ولغيره وان غدا لناظره قريب.

لا تعليقات

اترك رد