تأملات في سينما بازوليني ومفهومه للسينما ج 4


 

فيلم ميديا
الحديث عن الواقع وليس عن الماضي البعيد، هكذا استغل بير باولو بازوليني المناخ التراجيدي الاسطوري لكشف الصراع الحضاري والعمق الروحي بين ثقافتين ، الأولى ثقافة وحضارة زراعية بدائية هي حضارة ميديا، حيث الطقوس الخرافية والإيمان بالعالم الميتافيزيقي ووجود آلهة والثانية مدنية حديثة هي حضارة جاسون، حيث السيف والدرع والقوة ولا مكان للمشاعر والخرافات فهذا مجتمع استعماري مادي وميكافيلي لا يؤمن بمعتقدات الضعفاء.
في بداية الفيلم نشاهد مشاهد طويلة تقترب من الاسلوب الوثائقي حيث يسيطر الصمت، لا يوجد اي تعليق مكتوب أو مسموع ليتم الزج بنا في عالم غرائبي تسوده الدهشة فنعيش لحظات تقديم قربان بشري إلى الشمس كي تمنح المطر والحياة لهذه الأرض الجرداء، نرى ميديا هذه المراة الجميلة الساحرة والكاهنة تشرف على هذه الطقوس الدينية.

هنا يشارك الجميع في هذه الطقوس نساء وأطفال وكذلك الطبيعة، حيث يتم تلطيخ النبتات الجافة والهزيلة بدم القربان، العيون تنظر إلى السماء وتصلي للشمس صاحبة القوة والقدرة، هنا لا فخامة ولا تهويل فقط محاولة تصوير الحقيقة لذلك يركز بازوليني على الأجساد والوجوه وهذه الطبيعة القاسية، الجسد الإنساني هي مادة بازوليني لينحت منه الفجيعة والتراجيديا ويحفر في ذاكرتنا رؤيته الخاصة، هنا النظرات وعكس وجهات نظر هؤلاء البسطاء وليس فقط وجهة نظر البطلة، السينما تعبر عن هؤلاء وتمنحهم القداسة والعظمة فهي تصور وتعكس رؤيتهم للعالم حتى لو كانت ساذجة فهم هنا يهللون ويتضرعون من أجل أن تمنحهم السماء الحياة والمطر.
هذا الفيلم يعطي انطباعا سياسيا واضحا حين يعرض ثقافة الهمجية والبدائية، يمكن القول أنها ثقافة الطبقة الفقيرة البروليتاريا والتي تنشأ في تناقض قوي مع الثقافة الحديثة أي البرجوازية والتي يمثلها جاسون.
بازوليني في أحدى حواراته اعترف بذلك بقوله أن ميديا هو المواجهة بين الكون القديم الهيروطيقية ورجال الدين مع العالم العقلاني البرجماتي المادي .
نحن مع قراءة ماركسية لهذه الأسطورة وليس لسرد يسلينا تسلية لحظية، هنا متعة روحية عميقة ودائمة ستظل محفورة بوجداننا بشعريتها وقسوتها الكارثية فهي إرث إنساني وذكرى من طفولة البشرية.
الكاميرا في هذا الفيلم ليست مجرد شاهد عيان بل جزء من الحدث فهي حاضرة بشكل حساس، تعرض تفاصيل دقيقة وتحلق حول الوجوه وتتأمل الموقف من بعيد لترسم لوحات فنية مدهشة ثم تقترب لتصور الوجوه والابتسامات وتتيح للبعض النظر إليها، ثم تعكس قلقهم وهواجسهم، الكاميرا نجدها ديناميكية، لا تظل كسولة وثابتة، تتحرك مع تحرك الجموع، أحيانا تتوقف في بعض المواقف وتتخذ عدة مواضع وزوايا لتعطي للمشهد روحا ديناميكية ومعاني متعددة، تفوح رائحة الشعر الساحر.
جاسون هنا هو البطل الحالي الواقع السياسي الحاضر، أي العصري الذي يكفر بالمعاني والقيم والاحساس بالعالم الميتافيزيقي بل اكثر من ذلك كونه لا يكلف نفسه حتى مجرد طرح تساؤلات حول هذا العالم الروحي الخيالي .
ميديا هنا لديها نظرة العالم الثالث، نظرة عقائدية بالمقدسات وحياة مليئة بالخرافات، من أجل هذه المقدسات من الممكن التضحية وتقديم قربان بشري، يتم تقديمه في شكل احتفالي فرائحي بهيج وليس في صورة حزائنية جنائزية.
جاسون وجيشه القادم من عالم آخر متحضر مدني طغت عليه روح المادة، كان كل همهم الاستيلاء على الذهب وتدنيس المقدسات، بعد رحلة طويلة مليئة بالأحداث وصلوا إلى كولخيس، لم يصور بازوليني هذه الرحلة ولكنه صور المعبد حيث يوجد الصوف الذهبي الذي تحرسه أفعى وكانت ميديا هي الوسيلة حيثوقعت في حب جاسون وساعدته في سرقة الصوف، وقتلت أخاها ونثرت أشلاءه لكي تشتت أباها في مطاردته لهم.

بازوليني يعيد هنا كتابة التاريخ الحديث او يقدم شهادة صادقة بصورة اكثر واقعية وتعبير شعري مدهش، فالاستعمار الغربي زحف على دول عديدة في المشرق وافريقيا وكان كل همه نهب الذهب والثروات المعدنية ولم يتورع في استخدم أبشع الوسائل والخدع ويشوه المقدسات أو يستميل بعضها لخدمته.
يعرض بازوليني وجهة نظره هنا بشجاعة منتقدا العالم الراسمالي والخطط الاستعمارية المدمرة ، فهنا قد تقسو الطبيعة ليحل الموت بسب الجفاف أو أي كارثة طبيعية، يمكن للإنسان الاستنجاد بالآلهة، ثم التعايش مع الموت وانتظار الفرج ولكن عندما يأتي المستعمر فهو أكثر وحشية من الموت نفسه.
في هذا الفيلم تكون ميديا هي البطلة التراجيدية الماسوية وهي روح هذه التراجيديا بل الضحية والمجني عليها، فهي امرأة امتلكت عناصر الجمال والفتنة والقوة والسحر والشرف والقداسة، وهي امرأة في مجتمع أبوي سلطوي، لكنها ثارت ضد سلطة الاب، استخدمت كل الوسائل والامكانيات من أجل الحبيب، من أجل الحب الجنوني تخلت عن الدين والأرض والوطن وذبحت شقيقها بشكل بشع، لكن عندما خانها الحبيب انتقمت أيضا منه بوحشية بحرق أطفالها كي تلقن الرجال درسا قاسيا ومرعبا.
عندما تغادر ميديا وطنها، أثناء هروبها مع حبيبها إلى العالم المادي نلاحظ تحول في الألوان لتسود ا الرمادية الداكنة وغياب اللون الأخضر من ناحية الشكل، وكذا غياب الأغاني والأهازيج، فيسود الصمت، نراها وحيده في القارب، في مشهد أخر نرى الجيش يخيم في أرض قاحلة وصلبة، ينشغل الجميع باعداد الطعام، وحدها ميديا تحاول التعرف على الأرض ومناداة أرضها التي هجرتها، تشعر بالحنين لكل ما هو طبييعي، حنين إلى تلك القداسة المفقودة، تركض في كل الاتجاهات كحيوان جريح، تشعر بأنها فقدت روحها، يأتي بعدها حاسون ليمارس معها الجنس، نرى أن مشهد الحب جاء بعد مشهد اعداد وأكل الطعام، كعادته بازوليني يرى أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة نوع من الاستهلاك المادي التافه ويعكس هويته وميولاته المثّلية ليعطيها قداسة خاصة.
نلاحظ أن الأغاني والأهازيج الشعبية بسيطة ومعبرة وشعبية جدا، لعل هذا الاجراء خلق الروح الحية والمعبرة ليخرجها من اطار الحكاية إلى اسطورة حية تعاش لحظة بلحظة.
في الغربة، موطن جاسون نحن مع مجتمع استهلاكي حيث لا أهازيج ولا وجود للآلهة ولا صلوات ولا أرض تزرع، فالرقص مثلا في احد المشاهد ليس فن أو صلاة بل نوع من الاستهلاك، كذلك نرى مثلا في أحدى اللقطات مجموعة من الأطفال ياكلون بطيخا أحمر، كذلك طقوس زواج جاسون من ابنة الملك هو نوع من الاستهلاك، أي زواج مصلحة، فجاسون هنا يبحث عن السلطة ويريد العرش، يتنكر لتضحيات ميديا.

هذه المحنة تعيد ميديا إلى الشمس، تبحث وتستحضر القداسة والروح، في نهاية الفيلم تقوم بحرق بيتها وأطفالها، تدفع ضريبة البعد عن أمها الشمس، لاتريد ان تجعلهم يكبرون ويعيشون في عالم ابوهم المادي، لقد غسلت اجسامهم وطهرتهم وعطرتهم لتخلد أرواحهم، لتكون ابناء الآلهة ، وليس لقائد عسكري مادي ومتوحش يركض وراء المال والشهوة والسلطة.
قتل الابناء ربما يفهم البعض أنهم قربان أو ضريبة، بازوليني قدم وختم فيلمة بصرخة احتجاج ضد الحروب الوحشية الحديثة التي تم ارتكابها دون وازع إنساني ولاغراض مادية بحتة، أي أنه استخدم الخرافة لتقديم صورة الواقع الدموي المتوحش، هو أيضا اراد توثيق جريمة القنابل الذرية وضحايها، فالفيلم شهادة عصرية ووثيقة احتجاجية منسوج بلغة سينمائية شعرية مدهشة وبليغة.

لا تعليقات

اترك رد