مابعد الانطباعية ج4 الانطباعية الجديدة وإرث دولاكروا – التركيب والبناء


 

“لا تنطوي حركة ما بعد الانطباعية على قطيعة مع الماضي. فهي لا تعدو أن تكون رفضا متعمدا لتقاليد معينة تعيق نمو الفن الحديث”. كلايف بل

لا أحد ينكر أن الانطباعية الجديدة جاءت نتيجة للانطباعية، وبما أنها كذلك، فلا يجب أن ننسى أنها تدين كثيرا إلى أوجين دولا كروا وما دوَّنه في مذكراته من أفكار حول اللون والتركيب، كما رأينا في مقال سابق، وليس اللون وحده بل أيضا طرق التعامل مع الفضاء التشكيلي l’espace plastique، ومن تم تعتبر ما بعد الانطباعية بمثابة دمج وتطوير مذهب دولا كروا، دون اقتفاء خطى رومنسيته التي عرف بها. هذا، إضافة إلى ما استقاه فنانو هذا التيار من زملائهم الانطباعيين.
باتباعه نصائح دولا كروا، لا يشرع فنان الانطباعية الجديدة في الاشتغال على قماشته دون البدء قبلا في وضع خطوط التركيب الرئيسية وتحديد مساراتها، مسترشدا بالتقاليد والعلم (أبحاث شوفرول الفيزيائية حول اللون والضوء)، فيحاول تنسيق التركيب بتكييفه للخطوط (الاتجاهات والزوايا) والألوان (المضيء-المعتم) و (النغمات) مع الشخصية التي يريد تسييدها داخل عمله، إضافة إلى جميع الخطوط الوسيطة المساعدة على تشخيص باقي الأحاسيس، في تنوعها اللانهائي. تنتج عن هذا كله لعبة متعددة الألوان، حاملة لتعابير متنوعة، تتزاوج مع لعبة الخطوط، بحيث سوف تتوافق الألوان الدافئة والنغمات الخفيفة، ومع الخطوط الهابطة، سوف تسود ظلال باردة ونغمات مُعْتَمة. إنه توازن مثالي، إلى حد ما، من اللوينات الباردة والحارة، والنغمات الشاحبة والمكثفة يضاف إلى هدوء الخطوط الأفقية.
تنضاف إذن، إلى اللون سمة أخرى تعد أساسية في أعمال فناني الانطباعية الجديدة، وبها، وأخرى غيرها يختلفون عن الانطباعية، وأقصد هنا التكوين أو التركيب la composition. فعنصر التكوين هذا جعل فناني هذا التيار يعيدون الاعتبار إلى الشكل موازاة مع اشتغالهم على اللون، عكس الانطباعيين الذين عملوا على تغييب الأول والرفع من قيمة الثاني. ف”الشكل هو كل شيء في العمل الفني، الشكل هو المضمون في حضوره الاستطيقي. والشكل الدال هو الشكل الصائب الذي تطابق مع انفعال مبدعه تجاه الواقع النهائي، والذي وجد فيه هذا المضمون الانفعالي جسدا للمثول الموضوعي ومنفذا إلى الذوات الأخرى”. فهل تعكس أعمال فناني ما بعد الانطباعية دلالة الشكل، رغم إعادتهم، نسبيا، للشكل قيمته؟ نجد الجواب واضحا عند كلايف بل نفسه:” إن هذا يصبح واضحا للمرء عندما يزور معرضا من قبيل Salon d’Automne أو Les Indépendants٭٭ حيث مئات اللوحات المرسومة على طريقة ما بعد الانطباعية كثير منها غاية في التفاهة. ويدرك المرء أن هذه اللوحات هي رديئة بنفس الطريقة التي تكون بها أي لوحة أخرى رديئة: أي أن أشكالها غير دالة ولا تثير أي استجابة إستطيقية. وفي الحق أنها ضرورة تعسة تلك التي ألجأتنا إلى الحديث عن “لوحة بعد انطباعية”، وأرى أن الوقت قد آذن لكي نعود إلى المصطلح القديم والأوفى بالقصد ونتحدث عن لوحات جيدة ولوحات رديئة”. (كلايف بل ص. 89)
وكم نحن في المغرب خاصة والعالم العربي عامة، في حاجة إلى مثل هذه العودة، العودة إلى تدقيق المصطلح والابتعاد عن النظرات القاصرة والبطاقات المجانية. لكن تبقى العيون الفاحصة للرديء من الجيد والصالح من الطالح في حاجة إلى تطبيب من داء “الرمد الحبيبي”.

ربما بدأت تتضح لنا بعض معالم الجواب عن التساؤلات التي طرحناها منذ بداية هذه الدراسة، والتي تتأسس عليها إشكالية البحث. كانت التساؤلات تدور حول اهتمام الناقد كلايف بل بما بعد الانطباعية دون غيرها من حركات الفن الحديث التي شهدها العقد الأخير من القرن التاسع عشر؟ قد نجد بعض الإجابات لدى الكاتب نفسه مبررا اختياراته، فهو يرى أن لا أحدا من جيله سيضع كتابا عن الفن دون التطرق إلى “تلك الحركة التي يطلق عليها في هذا البلد “ما بعد الانطباعية” Postimpressionnisme، وإلا كان فعله محض تصنع”. وتجب الإشارة إلى أن الناقد اختزل ما بعد الانطباعية في حركة (فنية)، ظاهريا فقط وليس ضمنيا، إذ أن حسب قوله، “مجرد الحديث عن “ما بعد الانطباعية” بوصفها حركة من شأنه ان يؤدي الى ضرب من سوء الفهم.”
لكن يجب التأكيد، وتفاديا لسوء الفهم، كما وضحنا ذلك آنفا، أن ما بعد الانطباعية حقبة من تاريخ الفن الحديث، تقع بين نهاية 1880 و1910، وأنها ليست تيارا موحد الرؤى الجمالية والبحوث التشكيلية، بل مجموعة من الأساليب والحركات الفنية الجديدة مثل الانطباعية الجديدة Néo Impressionnisme، المعروفة بتقنيتي التنقيطية Pointillisme والتجزيئية Divisionnisme. ومجموعة بونت آفن Pont-Aven والتركيبية Synthétisme، والرمزية وأبحاث مجموعة الأنبياء Les Nabis…
إن أعمال الانطباعيين الجدد متقنة للغاية، فهي تتويج لعمل طويل من التخطيط والرسم. فالتكوين غالبا ينتظم حول سلسلة من الإيقاعات الهادئة، التي أخذت وقتا كبيرا من الاشتغال داخل الورشة، عكس الانطباعيين الذين كانوا ينصبون مساندهم في الهواء الطلق ليقتنصوا كل ما هو لحظي وعابر. وطريقة الاشتغال هذه انعكست على الإنجاز وأثرت فيه، وهو بدوره عَكَسها. فجاءت التركيبات لدى الانطباعيين متقلبة، كثيرة الحركة، يمكن القبض عليها عبر منحنيات وخطوط لولبية، تعد خطوطا ناظمة للوحة. بينما تتسم تراكيب مجموعة الانطباعيين الجدد بالهدوء والسكينة والطمأنينة. ومن تم اعتبر النقاد أن الانطباعية الجديدة دحضت الانطباع المثالي لكل موضوعية غير بنائية. ونتمثل لهذ التكوين البنيوي بلوحة الفنان جورج سورا، Un Dimanche à la Grande Jatte (1884-1886). التي كانت عامل الجذب الرئيسي في المعرض الانطباعي الأخير في باريس عام 1886. يعطي هذا العمل انطباع صورة ثابتة ومستقرة، حيث تثير الخطوط التي انبى عليها تركيب اللوحة عواطف المشاهد ومشاعره. فاللوحة تمثل مشهدًا من الاسترخاء والترفيه، يؤكده التكوين المبني على خطوط عمودية (الأشجار والشخوص)، ومن تم يتميز تأثير الخطوط الرئيسية بقوته في تكوين العمل الفني، كما صرح بذلك دولاكروا.
حاول الفنان سورا كسر نمطية الخطوط العمودية بخط الأفق الفاصل بين الماء والسماء. ” فأول شيء يجب إدراكه مع الرسم هو تباين الخطوط الرئيسية (…) فخط واحد قائم بذاته، لا معنى له، إذ يحتاج إلى خط ثان، معاكس الاتجاه لتقوية التعبير”. (دولا كروا). يلاحظ أن حضور المنحنيات (حافة الشاطئ والظلال المنكسرة والمائلة قطريا)، يبقى ثانويا مقارنة مع العموديات. فالفنان أسس تكوينه بذكاء وتأن معتمدا على مبدأ التباين والمفارقة (الإنسان/الحيوان والشمس/الظل والجالس/الواقف والماء/التربة والصغير/الكبير…)، كي يضفي على عمله قوة تعبيرية تخرجه من عالم الجمال لترفعه إلى منتهى السمو. لكن الأسلوب الاختزالي قوض دلالة الأشكال وقلص من وضوح المعالم مما جعل التوليف يميل نحو أسلوب التزيين.

هوامش:
٭ جورج بيير سورا رسام ومصور فرنسي من كبار الفنانين المبدعين، ولد في 2 ديسمبر 1859 وتوفي في 29 مارس 1891 في باريس التي عاش فيها مع والدته وأخيه وأخته. وهو من مؤسسي الحركة الانطباعية الجديدة (: Néo-Impressionniste) ) في أواخر القرن التاسع عشر، إذ استطاع بتقنيته وأسلوبه المعروف بالتنقيطية ( Pointillism) تصوير الضوء وانعكاساته باستعمال لطخات صغيرة متضادة الألوان، فأبدع في استعمال هذه التقانة بتوليفاتها الضخمة ولطخات الألوان الصافية المنفصلة عن بعضها، والتي يصعب على المشاهد تمييزها إن لم ينظر عن بعد إلى كامل العمل الفني نظرة شاملة.
٭٭ تم إنشاء الصالون في عام 1884 في باريس من قبل فنانين يرغبون في عرض أعمالهم بحرية وتحرير أنفسهم من تأثير أي هيئة محلفين. ومن بين الأعضاء المؤسسين جورج سورا، بول سيناتك، هنري إدموند كروس، ألبرت دوبوا-بيليه وتشارلز أنجراند.

كلايف بل، الفن، ترجمة د. عادل مصطفى، رؤية للنشر القاهرة 2013
Paul Signac – D’Eugène Delacroix au néo-impressionnisme”, Henry Floury, Paris 1911
Félix Fénéon, Les impressionniste en 1886, Publications de la Vogue, paris 1886

لا تعليقات

اترك رد