رموز مقدسة …. النحلة


 

كانت ممرضة كبير الآلهة الأغريقية (زيوس)، إنها النحلة التي ترمز للحيوية، اليقظة، والنقاء، تنتج العسل الذي كان قديما يعتبر الطعام المقدس، وصنع منه الأغريق شراب الميد المخمر(هيدروميل) الذي كانوا يعتبرونه شراب الآلهة، لأسباب عديدة إذن كان القدماء يرون النحلة حيوانا أسطوريا.. وقد عثر الأركيولوجيون على لوحة صخرية في إسبانيا تعود إلى ما بين سبعة وثمانية آلاف سنة، وتصور امرأة تجمع العسل ويحيط بها النحل، كما توجد رسوم أخرى في المقابر المصرية، وفي أحد المواقع الآثارية في القدس بفلسطين، عثر على ما يثبت أن القدماء كانوا يربون النحل، فالعلاقة وثيقة بين الإنسان والنحل منذ آلاف السنين، انتبه الإنسان إلى أن النحل كائن اجتماعي بامتياز، فليس ثمة فردانية في المجتمع النحلي، وحياة الفرد جزء من المجتمع الذي ينتمي إليه، ولعله كان عنصر ايحاء لتكوين المجتمعات البشرية الأولى، فالنحل حيوان محارب، لا يتورع في تقديم حياته ثمنا للدفاع عن خليته وموارده وصغاره، فقد عرف الإنسان منذ القدم بأن النحلة انتحارية، فهي تموت حين تلسع عدوها، ولكنها لا تتورع عن لسعه حين يهاجمها عدو، كما كان النظام الإجتماعي المدهش للنحل موحيا للإنسان الذي انتبه إلى انه مجتمع هرمي تتربع على قمته الملكة، وهي الأكبر والأكثر أهمية وتحتل مكانا مركزيا في تنظيم الحياة الاجتماعية، التي ينتظم فيها جيش العاملات والذكور لأداء مهمات محددة وفق نظام دقيق استلهم منه القادة العسكريون القدماء نظما إدارية وعسكرية مهمة، وفي نهاية القرن السادس عشر تمت الإشارة مرارا إلى أن خلية النحل هي منظمة ملكية، وأن البيولوجيا أكدت بأن رأس المجتمع أنثوي في الواقع، وصار مقبولا أن تتربع على العروش ملكات لا ملوك، من ناحية أخرى ملكة النحل لا تلدغ لأنها ليست مقاتلة، كما أن نحل المستعمرة التي تضم العديد من الخلايا لا تتقاتل مع بعضها البعض، فالخلية إذن نموذجا للحكومة الجيدة، ومن المعروف أن نابليون اختار شعار النحلة كعلامة على ارتباطها الوثيق بفكرة السلطة والسيادة…

انتبه الانسان القديم إلى أمرين أحاطهما الغموض، وهما الإخصاب، وأصل العسل، فالأول كان بالنسبة لهم معجزة حقيقية، فلم يلحظ أحد أي اتصال جسدي بين ذكور النحل وإناثها، لذا أصبح النحل رمزا اخلاقيا، فهو العفة والخصوبة في نفس الوقت، وفي اليونان القديمة ارتبطت النحلة بآلهة الخصوبة العذراء آرتيميس..

النحل حيوانات عفيفة وافرة الخصوبة، تتغذى على الزهور وتنتج غذاء الآلهة (العسل)، الذي ظل الاعتقاد سائدا لفترة طويلة بأنه من أصل سماوي، فهو غذاء جاهز ليس بحاجة مثل غيره من الأطعمة للطهي، ولا يترك سوى القليل من الرواسب، ويبدو أكثر روحانية من المواد الأخرى، وفي أغلب الديانات اعتبر العسل إلى جانب الحليب أغذية يتناولها الساكنون في الجنة.. ومن ناحية أخرى نرى النحل مهندس بارع، يصنع خلاياه بحرفية عالية وبقياسات تكاد أن تكون متطابقة، كما انه يحب الموسيقى والجمال ويتنقل من زهرة إلى أخرى ولم يحدث أن رأى أحدهم نحلا يستقر على روث أو جثث حيوانية أو أوساخ، لا يتغذى النحل على اللحم أو الدم وانتبه القدماء إلى أن النحل لا ينتج برازا، وان اعتبر العسل من مخلفات جوفه فهو انقلاب جذري على معنى مخلفات الجسد الانساني أو الحيواني على حد سواء، وهذه الصفة يختص بها النحل فقط..

في أسطورة أريستيا يروي مؤلفها الأغريقي فيرجيل كيف أعادت الآلهة الحياة لخلاياها الميتة بالتضحية بالثيران، النحل يولد من دخان أجساد الثيران الميتة، وهذا اعتقاد حظي بشعبية كبيرة لفترة طويلة، وتم تفسيره بمعنى أن الموت يجب أن يدب في أجساد الثيران القوية، الكبيرة، الفائقة الفحولة لتولد منها الروح النقية العفيفة (النحلة)، ولعل الثقافتين اليهودية والمسيحية قد استلهمتا هذه الدوافع الأغريقية، فرأينا القديسة ريتا وقد ولدت للتو بعد يوم من معموديتها، يغذيها العسل وسرب من النحل يرفرف حول مهدها، كما رأينا القديس لودفين المريض بالطاعون، وجسده المغطى بالقروح لكنها تتقيح عسلا، ولابد أن نشير هنا إلى أن مريم العذراء عرفت بأنها النحلة الطاهرة…

وتصل أصداء التمثلات الاسطورية للنحل إلى القرآن الذي كرس له سورة حملت اسم النحل، وعدة آيات متفرقات، نقرأ في الآية:(وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون* ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون)… ثمة علاقة مباشرة بين الله والنحل إذن من خلال وحيه للنحلة الطرق التي عليها أن تعيش وفقها، والوحي موجه عادة إلى الأنبياء والمرسلين، فهو تأكيد إلى ما تتمتع به النحلة من قداسة إذن..

وإذا تمخض عصرنا الراهن عن أسطورة تخص النحل فلعلها التي جاء بها اينشتاين حين قال: اذا اختفى النحل من كوكب الأرض فلن يبقى للانسان إلا سنوات قليلة ليختفي بعده).. ذلك أن نهاية النحل تعني نهاية تلقيح النباتات أي نهايتها ثم نهاية الحيوان فالانسان..

النحلة التي وصفت بأنها الروح ضد الجسد، والهندسة ضد المجهول، والنظام ضد الفوضى، أصبحت الآن الحارس للطبيعة في وجه الإنسان الذي يهددها، فالخطر الذي يتعرض له النحل مصدره الأول هو الإنسان، من خلال استخدامه الكثيف للمبيدات الحشرية التي قضت في أمريكا وحدها على ثلث العدد الإجمالي للنحل خلال سنوات قليلة.. الإنسان سيحطم الآصرة التي كانت منذ بدايات الحضارة قوية ومقدسة بينه وبين النحل، فهو امتلك بيده زمام الخطر الذي صار يتهدد النحل وبعده اذا صدقنا الافتراض الاينشتايني، التهديد الأكبر للأرض برمتها…

المصادر
L’abeille, de mythe en mythe / Janine Kievits
Dictionnaire des symboles ; des arts divinatoires et des supersitions/Gabriel Lechevallier

لا تعليقات

اترك رد