البعد الادبي والتاريخي للرثاء في بلاد الرافدين

 

– يحتل رثاء المدن المدمرة مكاناً هاماً في الأدب السومري والأكدي، وتعد مناحات المدن واحدة من أقدم نصوص الرثاء التي وصلت إلينا، والتي اختصت بحادثة تأريخية محددة ألا وهي دمار تلك المدن وسقوطها، ولم يكن سقوط المدينة خسارة لتلك المدينة أو العاصمة فحسب، بل تعدى الأمر ذلك؛ لشدة هول الحدث الذي حل بتلك العاصمة أو المدينة، وكذلك الواقع الديني لها بوصفها مدينة الإله، وفيها معبده، وهو المكان المختار لإقامته. فكلما حُرِقَت مدينة، وهُدِمَ معبدها، وشُرِّدَ أهلها، غالباً ما فُسِّرَ بتخلي الآلهة عن أهلها إذ أبيحت مدينتهم بيد أعدائهم ولولا ذلك التخلي لما حدث ما حدث.
– إن أدب بلاد الرافدين المبكر يعكس حماسة الناس، وحذرهم من حوادث الانهيار في الواقع الاجتماعي، فهو يمثل حالة من التذكير بالمآسي التي تحدثها الكوارث السياسية من خلال رثاء المدن. وكذلك هي الحال عند التذكير بالكوارث البيئية (الطبيعية) من خلال قصة الطوفان التي تحكي القحط والجوع والتشرد، وينشأ من وراء ذلك إعطاء بعض التفاسير للقرارات المدمرة التي تصدرها الآلهة. إن هذا التعاقب للكوارث الطبيعية والسياسية يعني الموت والمجاعة، وهو يؤدي في واقع الأمر إلى تقليل عدد السكان، وهنا يكمن القرار الآلهي بتدمير الجنس البشري وهو عَتَب إلهي نتيجة الإزعاج الذي يحدثه الجنس البشري لتلك الآلهة من خلال الضجة الناجمة عن ضجيج الناس في المدن
– كما وتعد النتاجات الأدبية صورة واضحة لإبداعات الشعراء والأدباء عبر العصور، ويتوضح ذلك من خلال مدوناتهم التي تعبر عن واقع حياتهم ومعاناتهم، التي عكسوها بالتشبيهات والنعوت المختلفة ، والمستخلصة من تجربتهم الأدبية التي تعد حصيلة شعب بأكمله.
– لقد عرف الرثاء في الأدب كنمط إبداعي أدبي وفني عبر عنه الشاعر بعد أن هزته مأساة الدمار الذي لحق بالمدينة والمعبد، فركز عليهما وعلى من يعيش بهما، رابطاً بين مفاهيم الشرق القديم للمدينة كمركز قوة سياسية ودينية مما جعل ذكرى الدمار الذي لحق بالمدن تبقى في الملاحم والمناحات لأجيال عديدة.
– إن البلاغة في النصوص الأدبية المتمثلة بضروب المجاز والاستعارة نراها واضحة في مراثي المدن، وهي تبدو انعكاساً لتجربة قد مرت بها المدينة من كوارث حقيقية في أوقات معينة ، فهناك استعارة رمزية للطبيعة، مثل التحذير من إثارة العواصف المدمرة، ومن رؤية عواصف الغبار والحرارة، ومن العاصفة الممطرة الهوجاء لمناخ بلاد الرافدين، التي يعتقد أنها كارثة طبيعية أرسلها إله العواصف، وكان إله النار ظهيراً له في دفعها إلى أقصى مداها. كما وجدت تعابير تشبيهية للأسلحة (الساقطة مثل المطر)، والتي يصحب سقوطها على المهاجمين حدوث دوي وَجَلَبَةٍ، كل هذه الحوادث تشير إلى التخريب الذي انقض على بلاد سومر من قِبَلِ الغزاة ، كقوة جسدية، وعامل دمار وجهته الآلهة لتطبيق قرارها.
– كما أن هناك المجاز والاستعارة الحيوانية المشتقة من مختلف الحيوانات البرية والمائية التي أدخلت تشبيهات رائعة على أدب رثاء المدن.
– فكانت النعجة رمزاً للخضوع بوصفها من أخضع المواشي حين الذبح، كما تبين من خلال مرثية مدينة أور، وهي تشبه سكان أور بالنعاج المعدة للذبح. وفي مرثية أور وسومر نقرأ أن الإله (ننا) ساق بعيداً أعداداً من أناسه كالنعاج، كما تبعث صورة الماعز (الأم) التي هلك جديها بين المواشي تخيلاً ملائماً لحالة الحزن في المراثي.
أما الثور فإن ظهوره في التشبيهات البلاغية الأدبية السومرية حقق العديد من المعاني، فخُواره في مربطه مثلاً كان رمزاً للازدهار، كما جاء في مرثية أور وسومر. ولما كانت صورة امتلاء الحضائر بالمواشي والأغنام عنواناً للخصب والازدهار لذا فإن معكوس هذه الصورة كان عنوان جدب المدن وخرابها، كما ظهر في المرثية نفسها أن ثيران سومر لم تعد تقف في مربطها وحينما تصف المراثي جدب المدن المنكوبة تصور الثور الوحشي، وقد هجر مربطه، كما جاء في نص مرثية مدينة أور.
– وعُرِفَ العصفور في الأدبيات السومرية من خلال التشبيهات البلاغية رمزاً للانطلاق حيث وُصِفَ ملك أور (أبي-سين) في مرثية أور وسومر وهو يبعد عن وطنه بالعصفور الدوري، (الملك أبي-سين جُلِبَ إلى بلاد عيلام مثل عصفور قد طار من عشه ولم يرجع).
– وتُصور مرثية مدينة أور حالة توجع المدن المدمرة (ورجالها) كالغزالة التي قُضِيَ عليها بآلة صيد.
– كما أن الثعلب في مراثي المدن جاء رمزاً للدمار؛ وذلك لأن المدن المدمرة لا تصبح محط أنظار الثعالب فتهجرها كما جاء الثعبان في أدب رثاء المدن رمزاً للدمار والجدب، حينما تصور المدن المدمرة وهي مرتع الثعابين كما ورد في مرثية أور وسومر
– أما الأسماك فربما كانت في الأدب السومري رمزاً للحياة، ولذا فإن انتزاع الحياة منها عد رمزاً للفناء والدمار والجدب أيضاً، ونستطيع أن نلمح هذا الرمز في مرثية مدينة أور، (الشباب في أحضان أمهاتهم كانوا مثل السمك المبعد عن الماء)
– ويمكن تعقب الأصل الأدبي لمراثي المدن بعيداً إلى زمن الملك اورو-انمكينا في القرن 24ق.م حيث ذُكر ثبت من المعابد والمزارات الخاصة بمدينة لكش التي حُرقت أو سُلِبَت، وبعبارة أخرى دُنِّسَت من قِبَل الملك لوكال زاكيزي ، وهذا يعد الخطوة الأولى في خلق ميدان المرثية الأدبي. وقد ابتكرت مراثي المدن كاستجابة أدبية للكوارث والمصائب التي عانت منها سومر في بداية الألف الثاني ق.م مباشرة بعد سلب العاصمة أور في أيام آخر ملوكها (ابي-سين).
– وتظهر هذه المراثي من وجهة نظر أدبية إلى استعمال بارع للغة السومرية القديمة، مما أدى بالنتيجة إلى أن يصبح رثاء المدن (شعبياً) في الآداب السومرية، في أواخر الألف الثالث ق.م، وأصبح جزءاً من المنهاج الدراسي للنساخ في المدارس النسخية البابلية القديمة من خلال اختياره بكثرة وبصورة عامة لتمارين الطلاب في زمن حمورابي، وقد أخذ هذا يتلاشى في الألف الأول ق.
المصدر/ حكمـت بشير مجيد الأسـود ، أدب الرثاء في بلاد الرافدين في ضوء المصادر المسمارية.

المقال السابق(الزراعه بدون التربة) مشروع واعد لمبدعه عراقية
المقال التالىغرق الأحزان
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية الشهادات • بكالوريوس اداب / تاريخ / جامعة بغداد 2001-2002م • ماجستير تاريخ القديم /جامعة بغداد/كلية الاداب 2008م • دكتوراه فلسفة في التاريخ القديم/جامعة بغداد/كلية الاداب2014م. الخبرات • تدريسية في كلية الاداب / جامعة الامام جعفر الصادق(ع) مدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد