عندما يصير الاغتصاب سلاحا

 

الاغتصاب أحد أنواع العنف الجنسي الذي تمارسه بعض المجموعات المسلحة الشاذة ضد المرأة بغض النظر عن لونها أو عرقها أو شكلها في كل المجتمعات وعلى مر التاريخ. والاغتصاب من أسوأ المخاطر التي تهدد المرأة في فترات الحروب والنزاعات المسلحة ومناطق غياب سيطرة الدولة . وهو أحد الأسلحة الخطيرة التي تلجأ إليها الميليشيات والعصابات المسلحة كوسيلة للتعذيب والاهانة ليس فقط للمرأة بل وللرجل أيضا . وحيث أن المرأة في معظم المجتمعات تعتبر رمزا للشرف والهوية والكرامة فهي عرضة أكثر من الرجل للعنف الجنسي إذ يصبح جسدها اللين هدية ومكافأة للمقاتلين وخاصة المرتزقة .

لا يمكن لجيش نظامي أن يمارس جريمة الاغتصاب لأنها أصلا تنافي الأخلاق العسكرية ويعاقب عليها القانون العسكري . وفي حال ممارسة جريمة الاغتصاب من أحد أفراد القوات المسلحة يعتبر نوعا من الشذوذ الفردي ويعاقب الفاعل وفق القانون العسكري ويصل الأمر حد التسريح والاحالة إلى قانون الجنايات المدني.

وقد أخذت القوانين الدولية على عاتقها حماية المرأة زمن الحروب والنزاعات المسلحة . وهناك حوالي /20/ اتفاقية دولية ترعى حقوق المرأة يأتي في طليعتها تشريع روما الذي صادقت عليه أكثر من /60/ دولة في العالم والقاضي بإنشاء محكمة الجنايات الدولية في مدينة لاهاي الهولندية التي تنظر في أشكال العنف المختلفة ومن ضمنها الاغتصاب وتمنح الضحايا الحق في مباشرة الاجراءات القضائية من أجل الحصول على تعويضات مادية ومعنوية عن الأذى الذي لحق بالضحايا. كما أكدت اتفاقية جنيف الرابعة الموقعة في عام 1949على معاقبة الفاعلين خاصة في حال الاعتداء على الشرف والاغتصاب والاكراه على الدعارة وهتك الحرمات .كما دعا البروتوكول الإضافي لاتفاقية جنيف إلى ضرورة أن تكون النساء موضع احترام خاص وأنهنيتمتعن بالحماية ولاسيما ضد الاغتصاب وقد أقرت لجنة الأمم المتحدة للمرأة في عام 2013 اعلانا هاما يدعو لإنهاء العنف ضد النساء وحمايتهن من التحرش الجنسي والاغتصاب ولاسيما أثناء الحروب والنزاعات المسلحة .

للأسف تعرضت المرأة للكثير من الاعتداءات في العديد من الدول ومن بين الدول التي تعرضت فيها المرأة للعدوان بشكل سافر يمكن أن نذكر :

أفغانستان : تعرضت المرأة الأفغانية إلى كل أشكال الاهانات والاغتصاب والرجم في الشوارع والساحات والاعتداء على الحريات والتكفير والاذلال على يد المجموعات المسلحة على الأرض وعلى يد القوات المسلحة الأمريكية التي مارست ارهاب الدولة على المواطنين والحالات كثيرة ومعظمها موثق على الانترنت ويوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

رواندا: تعرضت المرأة الرواندية أثناء الحرب الأهلية الرواندية للقتل والتقصيب والذبح والاغتصاب وكل أشكال العنف ومن كل أطراف الحرب الأهلية الرواندية وقد يكون الفيلم الوثائقي التي أعدته هيئة الاذاعة البريطانية أفضل توثيق للاعتداء على حرية المرأة وكرامتها أثناء الحرب الأهلية الرواندية .

البوسنة والهرسك: مارس المتقاتلون في البوسنة والهرسك أبشع أنواع العدوان على المرأة حيث كانت المرأة ضحية النزاعات المسلحة والميليشيات المتقاتلة ولم تسلم من الاعتداء عليها وتعنيفها واغتصابها وتقديمها هدية للمقاتلين بالإضافة إلى بيعها في سوق النخاسة واجبارها على العمل في الدعارة في الأسواق الأوروبية الحمراء.

العراق: تعرضت المرأة العراقية أثناء الاحتلال الامريكي لكل أشكال الاعتداء والاهانات والاغتصاب والتحرش من قبل الجنود الأمريكيين المرتزقة ولم تنتهي القصة هنا بل استمر الاعتداء على المرأة قتلا وذبحا واغتصابا على يد المجموعات المسلحة التي انتشرت أثناء الاحتلال حيث مارست المجموعات المسلحة في ظل غياب سلطة القانون الخطف والسبي وذبح الصحفيات والطبيبات واغتصابهن بتهم شتى أقلها الشأن الديني كما تعرضت المرأة العراقية للعدوان والاغتصاب والبيع والسبي على يد مقاتلي الدولة الاسلامية في العراق والشام وخاصة النساء اللواتي ينتمين للأقليات الدينية في العراق قصد الاهانة والتشتيت والإبادة والتطهير العرقي.

سورية : خلال سنوات الحرب على سورية تعرضت المرأة السورية لما لم تتعرض له امرأة أخرى من اعتداء على حريتها وكرامتها وتعريضها للظلم والقهر الاجتماعي والأخلاقي والاعتداء عليها قتلا وذبحا واغتصابا واهانة من كل الألوان والأشكال . بدأت اهانة المرأة في مدينة حمص السورية وكان هدفها الخفي تأجيج الاقتتال وتحويله إلى طائفي فقد مارست مجموعات ارهابية أعمال خطف بحق فتيات ونساء في مقتبل العمر واغتصابهن ووضعهن في سيارات سوزوكي عاريات والنداء على المكروفونات ” الضرب بـ 100 ل س” كما مارست المجموعات الإرهابية بقر البطون وقتل الحوامل بالمناشير وكل هذه الأعمال المهولة موثقة على شبكة الانترنت ويوتيوب وقنوات أخرى . وقد وثقت العديد من الشبكات الحقوقية أعمالا ارهابية خطيرة بحق المرأة السورية كان آخرها ما حدث في مدينة عدرا العمالية في منطقة قريبة من دمشق حيث قتل الرجال بطرق مشينة وخطفت النساء وأخذت سبايا لاغتصابهن من مقاتلي المجموعات المسلحة وقيل في وقت لاحق أنهن حبيسات في سجن أسطوري اسمه سجن التوبة ليكتشف المواطن السوري أن هذا السجن مجرد أسطورة إعلامية لا أساس لها من الصحة وهناك حكاية مؤلمة لرب أسرة قرر تفجير نفسه وزوجته واطفاله حتى لا يصل الارهاب إليهم أحياء . أما القصص التي تأتي من مناطق سيطرة المجموعات المسلحة وتنظيم داعش فكثيرة يصعب حصرها في سطور قليلة . الطريف أن الحرب على سورية شهدت بدعة جديدة لم تكن موجودة من قبل وهي الترويج لجهاد غريب من نوعه وهو ” جهاد النكاح “: وقد لاقى رواجا لدى الكثير من النساء في أوروبا وأسيا وشمال أفريقية وجنوب شرق أسيا في نوع فريد من الاجتهاد الفقهي الشاذ.

أضف إلى ذلك ، القصص والقضايا التي تأتي من مخيمات النزوح السوري في دول الجوار وحكايات الاعتداء على النساء وعقود الزواج من صغيرات السن والدعارة المقنعة والاغتصاب الذي لا يرضي رب العالمين وقد وثقت المنظمات الحقوقية حوالي8000 حالة اغتصاب منهن حوالي 3000 حالة اغتصاب لصغيرات السن .

ومن المؤسف أن هذه الجرائم بالذات يصعب توثيقها وتوصيفها في اطار مرجعي وقانوني سليم نظرا للظروف الاجتماعية والأخلاقية التي تعيشها الضحايا ولأسباب سلوكية قد تلحق العار بأصحابها لأجيال قادمة .

جريمة الاغتصاب إحدى أكثر جرائم الاعتداء وحشية وأذى لما لها من آثار قريبة وبعيدة من شأنها الحاق الأذى والضرر بالصحة النفسية والجسدية والعقلية للضحية كما تمس الحق العام الاجتماعي وتؤثر سلبيا فيه.

الآثار الجسدية لجريمة الاغتصاب:
• فقدان العذرية
• الحمل
• الاجهاض
• قتل المواليد أو تشريدهم
• نزوف داخلية
• أمراض منقولة جنسيا كالزهري والإيدز.
• الاكتئاب والتوحد القسري
• الادمان على المهدئات وتناول المخدرات

الآثار النفسية لجريمة الاغتصاب :
• فقدان الثقة بالنفس
• الكراهية الشديدة للرجال
• الاحباط والكآبة
• الاحساس الدائم بالعجز
• الشعور الدائم بالمهانة والذل والشعور بالذنب
• الاضطرابات النفسية الدائمة .
وهناك آثار أخرى تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومظاهر سلوكية أخرى يصعب حصرها في سطور قليلة .

المقال السابقاختيار
المقال التالى” بلاع الموس “!!
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. كا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد