التنوير يقتضي اهتماماً بالمعلم وإعداده وحمايته

 

نافذة 3: التعليم وآفاق متغيراته

م البشرية مذ أنشأت مجتمع دولة المدينة، وفصول العلم فيها، أهمية المحافظة على المنجز الإنساني من معارف وعلوم ونقلها من جيل إلى آخر.. وبهذاأدركت، الدور المميز والعظيم الذي ينهض به المعلم في حركة الحياة ومسيرة البشرية؛ تحديداً بشأن استنبات العلوم وجاهزية العقل ومستوى ما امتلكه من قدرات في ضوء مهمة كبرى هي مهمة التدريسية والتدريسي مع ما يضيفه التقدم العلمي مما دفع به باتجاه متغيرات عميقة في شخصية المعلم ووظيفته..

ومن هنا تنادت الأمم المتحدة عبر منظمتي العمل الدولية واليونسكو لتوصيف المهمة المسندة للمعلم وطابع ممارستها والتقدم بها في ضوء المتغيرات المعاصرة العاصفة، أقول تنادت، منذ 1966، لتخصيص يوم دولي عالمي تحتفل به الأمم والشعوب بالمعلم. وكان أول احتفال قد جرى في العام 1994. غير أننا ندرك أن الاهتمام بالتعليم والمعلم لم يأتِ مؤخراً وهو ليس محصوراً بقرار على أهميته، ولكنه (اهتمام) شامل البشرية بشعوبها كافة. وعلى أقل تقدير بمكننا القول إنه ليس بين من ارتاد المدرسة الحديثة من لم يقرأ بيت الشعر ويردده:

قم للمعلم وفِّه البتجيلا    كاد المعلم أن يكون رسولا

وإشارة مقصدها (تنوير) الحقائق الراسخة في الوعي الجمعي واستعادة تثبيتها والسعي من أجل الإيجابي فيها ومنها.

وبقصد التنبيه على ظروف التعليم والمعلم تحديداً بوصفه العمود الرئيس في توجيه حركة التعليم بمجملها، تأتي الاحتفالات الوطنية والقومية والأممية بمختلف مواعيدها المنتخبة كل في إطاره مثلما يجري عالميا دولياً في الخامس من أكتوبر تشرين أول من كل عام؛ ليسجل اهتمام الدول والشعوب بالتدريسية والتدريسي ويلتفت لما يتطلب الالتزام به تجاههم على مدار العام.. ولعل رسم برامج الاهتمام ونقلها إلى واقع الحال ميدانياً تظل إشكالية مضنية إن لم تتكامل مع منظومة قيمية مجتمعية ورسمية تعنى بها.

ولعلنا بهذه المناسبة، نتوافر على فرصة لمعالجة إشكالية وجود المعلم وحقوقه وواجبات المجتمع والدولة تجاه حمايته وتوفير أجواء إعداده، بمعنى عرض حال المعلم أو التدريسي بدءاً من مراحل التعليم المبكرة الأولية حتى تخريج الطلبة بأعلى المستويات العلمية الأكاديمية.

ومن المفيد في التناول مجتمعياً لهذه الإشكالية أن نشير هنا إلى متغيرات قيمية في الشارع العام؛ تسببت بها ظروف أو طابع المجتمعات وثقافتها الاستهلاكية المادية البحتة في منظورها وهي من إفرازات علاقات إنتاج اقتصا اجتماعية بعينها نتركها لبحث بمجال الاقتصاد السياسي. وونحن هنا نركز على ما أفرزته تلك الفضاءات من خذلان لبعض القيم السامية التي تغيرت شكلاً وهو ما لا يمثل عندنا العثرة الأهم ولكن الأبرز والأهم يكمن في انتفاء تلك القيم النبيلة بالعلاقة مع المعلم. على أساس إلغاء طابع الخشية وتصويره وكأنه سمة تناقض وعداء وكراهية أو سمة استبداد من طرف المعلوم وفوقية منه! بينما حتى لو كانت صورة العلاقة كذلك كان أولى أن يتم استبدالها بسمات الاحترام لكن بوجود التقدير السمة التي سنّتها البشرية للعلاقات السليمة بين الأفراد والجماعات..

وبالتفاتة مناسبة إلى تلك السمة الخاصة بالعلاقة بين طرفي التعليم وبين المدتمع أو البيئة والمعلم، نتابع الاشتغال على القيم التنويرية للمعلم بدوره المميز في العملية التعليمية وفي التأسيس للتنمية البشرية وبناء العقل ومن ثم الإنسان المعاصبر..

ومتابعتنا هذه تأتي في ضوء تجاريب وطنية مخصوصة كما بالنموذج العراقي وبعض دول المنطقة إلى جانب مفاعلتها مع الوضع العالمي المخصوص بالتدريسية والتدريسي. وسنتابع بمحاور ندرك أن كل محور يحتاج وقفات مفصلة لكن هوية الإطلالة تتحدد بالمعلم حصراً. ولنتاول محاور الإشكالية واحدة فأخرى كما يورده هذي المحاور:

إنّ جاهزية (المعلم) تظل بحاجة إلى توفير التدريس المتقدم وهو ما انتفى في ظل أوضاع البلاد والانهيار الشامل بالعملية التعليمية ومخرجاتها. وإشارة هذا المحور لا تقف عند حدود الإمكانات المالية المادية ولكنها تؤشر ضعف اهتمام عام بالمعلم الي بات حاله حال أي امرئ آخر الميزة بينهما ليس سوى ما في جيبه أو محفظته من أموال، بخلاف ما تقتضي توجهات أنسنة وجودنا والاهتمام بالعقل وبناء الإنسان الأمر الذي يُلزمنا منح المعلم مكانه ومكانته للأنه هو وجه المجتمع والأجيال والأساس في نجاح العملية التعليمية… إن قنديل الضوء الآتي من المعلم هو الأول بين مَن يوقدون القناديل والأضواء لتوضيح معالم الطريق لسالكيه بخلاف أية إضاءات أخرى تظل تالية وفرعية على أهميتها…
ومن أسس جاهزية التدريسية والتدريسي (المعلم)، ينبغي أن يتم توفير تدريب ملائم يمكنه أن يعدّ المعلم لممارسة مهنته بصورة أكثر نضجا وسلامة بنقل النظري إلى العملي.. ولكن هذا هو الآخر مما بات الخريجون يفتقدونه بخلفية طابع برامج التعليم ونهجها أو أساليب أدائها. تذكروا معي ذاك التراجع باتجاه المدرسة الدينية وطريقة الكتاتيب الملائية وروزخونيات تحشو سلبيا منطق الخرافة بدل العلوم والمعارف! هنا من سيأتي للنهوض بمهمة التدريسي؟ وما جاهزيته بنظريات بين الجمود وبين الترهات الخرافية!؟ إن افتقاد الدربة والاجتهاد العملي يضخ لنا مخرجات تدريسية ليست أكثر من أداة تنسخ ما حفظت لتحشوه فتجمّد العقول وتشوهها!!
وبكلتا الحالين السابقتين، سنرصد دوماً خذلانا بالموازنات المالية الأمر الذي يقطع الطريق على فرص التنمية البشرية (المهنية) بعدم تغطية الكلف المطلوبة بما تقتضيه الأولويات؛ إذ أن التدريسي سيكون مجرد مخرجات عزيلة ضعيفة في الإعداد الأول بمرحلة دراسته هو وضعيف بمتابعة تنميته وتطوير أدواته بالتدريب وبالتعليم المستمر لاحقا.
وبقراءة الوضع الرسمي العام فإنَّ الأنظمة المتحكمة ببلدان المنطقة ليس يعنيها التعليم، ولا مهنةً رئيسةً، تديره بالإشارة للتدريسي \ المعلم. ومن هنا فإنه (أي التدريسي) يصادف إهمالا له وحقوقه ويفتقد الحماية بظروف تهديدات ابتزازه واستغلاله وانعكاس ذلك بتشويه مسار العملية التعليمية في ضوء تلك الوقائع. وبين الاهتمام بمعنى الارتقاء بالتنوير وبين الإهمال بمعنى التجهيل وإفشاء الظلام وادٍ سحيق بحاجة لاجتيازه، بقصد إعلاء قيم التنوير وبناء عقل علمي مضيء..
إن تلك النظم السياسية لا تقف عند الإهمال ولكنها ترتكب جرائم عن سبق إصرار وتعمد، فمنهجها الذي تتبناه وتعمل به يصطنع على سبيل المثال: الرقيب ويدسُّه بمختلف المؤسسات وهنا بالمؤسسة التعليمية، يتم تكليف طلبة وغيرهم في رصد التدريسية والتدريسي واشتغالاتهما وكتابة التقارير بما قد يوقعهما في مآس وكوارث بلا نهاية. هذه القضية تؤثر على إعداد المعلم من جهة وعلى أدائه واشتغاله من جهة أخرى وما ينشأ من رقيب داخلي بخاصة في مجال (التعليم) ومايحمل معه من تأويلات بمخاطرها.. والمشكلة هنا منهجية في سياسات عامة وفي السياسات المخصوصة أي التعليمية التي تشوه (المعلم) أؤكد مجددا في إعداده وفي أدائه… والخطورة التي أشرنا إليها للتو تكمن بمنطقتي وجود المعلم القبلية بمنطقة الإعداد والتدريب والبعدية بمنطقة الاشتغال والأداء ونشهد نكبة تأثير المعلم السلبي حامل منطق الخرافة في أجيال ستخضع منهجيا لظلاميات التخلف والجهل ومن ثم خطابات خطيرة من بينها سيادة التشدد، التطرف الكراهية والعداء ومعهما خطاب الثأر والانتقام وتخريب كل ماهو إنساني بعكس المؤمل أن يكون المعلم شمعة تحترق لتضيء وتنير…
دعونا بهذي المعالجة نشدد على التوكيد بأن حديث المعلمة أو المعلم عن قضية أو مادة علمية معرفية بخاصة في العلوم الإنسانية، سيظل بحاجة لمقص الرقباء فهو يخشى تفسيره طائفياً أو ايديولوجياً ومن ثم إرساله إلى غياهب المعتقلات أو حتى تصفيته جسدياً أو معنويا بطرده من مهنته أو بمصادرته بشكل من الأشكال! ولطالب جاء من مدارس دينية طائفية المنحى فكثير عليها أن نقول أن لها منهجا، لطالب جاء من مدرسة بمنحة طائفي ستتملكه الخرافة ولن يصدق معلما \ مدرسا لعلم البيولوجيا وعن تراتبية الكائنات وسلّمها الوراثي.. إنها تشوهات فكرية ذهنية والأدق حساسية أن تتخذ منحى ارتكاب العنف والمصادرة…
إن الكارثة الجديدة المضافة مما يقع على كاهل التدريسي في ظل الفوضى وسلطة مفتوحة على العامة حيث الميليشيات والمافيات وألاعيبهما وحيث سلطة أخرى للسلاح المتفشي ولتوزيع غير منصف وغير عادل للثروة وحيث زعماء البلطجة والعصابات المنظمة ورؤساء قبائل مستحدثين فيما تبوَّؤا بلا مكانة اجتماعية يعني مجموع ذلك تهديدا من كل هؤلاء للمعلم و\أو التدريسي والأسوأ والأكثر في التهديدات ما يوجه إلى التدريسية بمجتمعات ذكورية…
لكن بمستوى آخر وفي إشكالية مهنية بحتة دعونا نشير إلى أنَّ التنامي السكاني بصورة انفجارية غير مخططة وغير محسوبة فضلا عن نسبة الأطفال في المجتمع تطلبت جميعها مزيدا من الكادر التعليمي التدريسي ولكن الأمر ليس كذلك، إذ لا زيادة متوازنة مع زيادة أعداد الطلبة. والمعنى يتجسد في مزيد ضغوط مضاعفة إضافية على الفرد من التدريسيات والتدريسيين وانعكاس هذا على الأداء وعلى سسلامته ومخرجاته…
إن جودة وسلامة للتعليم لا تأتي من دون معلمين أكفاء ولكن الظروف الضاغطة مازالت تتدهور أكثر سواء بمخرجات التعليم أم بقدرات التدريب وفرصه أم بالتعليم المستمر أم برعاية مناسبة بمعنى متكرر من إهمال تكوين المعلم؛ بينما يقتضي الأمر دراسة أوضاع التدريسيين، بمحاور رسم السياسات التربوية بمنطق العصر والحداثة لا منطق الخرافة والدجل والأضاليل، والبرامج التعليمية ومنهجيتها، بما يفضي إلى إعداد الكفاءات، وتوظيفها، ورعاية ظروف عملها، إلى جانب ضرورة إشراك المعلم في إعداد القرارات ورسمها واستصدارها بكل ما يتعلق بشؤون التعليم.
ضمن خطط العملية التعليمية يلزمنا التفكر والتدبر بإحصاء حجم الطلبة بمختلف المراحل وقراءة واقع المعلم من جهة نسبة توظيفه تجاه عدد الطلبة لغرض توفير بدلاء عمن غير مهنته أو تركها أو سيتقاعد لأية اسباب وظروف وإعداد جدد يحل مشكلات الضغط على التدريسي الواحد.. إننا حين نقدر الظرف الإنساني للتدريسي ومحدودية الطاقة تجاه عدد الطلبة سنستطيع توفير فرص إنضاج جدي واف للعملية التعليمية الأنجع مساراً ومخرجات…

إنّ هذه الإطلالة عالجت ركنا من أركان العملية التعليمية في العراق والمنطقة بإطار ذات المهمة عالميا.. وإذا كان تطلب على وفق الأمم المتحدة ملايين المعلمين لسد الحاجة بخاصة في أفريقيا وآسيا فكم كان يتطلب الأمر عند تناول النموذج العراقي؟

تذكر الأرقام الإحصائية أنه في العام الدراسي 2000ـ 2001 تم قيد 4.031.346 تلميذ، كانت نسبة الذكور فيهم 56% تقريبا، فيما نسبة الإناث حوالي 44%. وفي 11709 مدرسة عمل 190650 معلم. ولكن هذه الأرقام يتركز أكثر من ربعها في العاصمة وأن مراكز المحافظات التي تتضاءل نسبتها أمام العاصمة هي الأخرى تحظى بنسب أكبر من الأرياف بشكل ملحوظ.. وتختلف المستويات بين تدريسيي المحافظات والاهتمام بدرجة الإعداد وبدرجة المتابعة وبدرجة الاشتغال والأداء على وفق الثقافة المنتشرة بكل وضع بعينه… ولربما كان الاضطرار لفلسفة التدريس الخصوصي أو آليته قضية أخرى تسحب من التدريسي طاقة الأداء أو تضع معايير للأداء بين موضعين… لكن الضغوط المعيشية من جهة والأخرى المجتمعية وتخاريف الدجل وما يفرضه على المعلم والرسمية السياسية القمعية وما تفرضه من مطاردة.. كلها محاور تتطلب وقفات مفصلة ولعل اغتيال مئات الأساتذة والعلماء والتدريسيين وتهجير آلاف منهم قضية مازالت حية بيننا ودارت رحى معاركها منذ 2003 وحتى يومنا مع التهابها بوضوح في 2006-2007…واليوم هناك قضية قطع الرواتب ومصادر العيش! كيف يمكن التفكير بعمل ومنجز دقيق مميز بظلال تلك الحال؟

إنّ استنتاج معالجتنا يرى أنَّ مكان المعلم ومكانته قد تغير في ضوء سطوة منظومة قيمية استهلاكية بائسة، فهو يتعرض لنظرة دونية من فئات واسعة عددياً باتساع وجود الحثالة وبتفشي قيم مرضية كما يجابه ابتزازاً يصل حد التصفيتين الجسدية والمعنوية الأدبية؛ ولكن دوره سيظل مهماً وذا أولوية عليا، ليس انتظاراً لوظيفة تلقين المعارف والعلوم بصيغة (معلومات جامدة)، وإنما بدوره الأساس الرئيس في تمكين الجيل الجديد من (مناهج العمل) لحل المشاكل والقضايا التي تجابه الإنسان، تعم التمكين من المنهج وآلية الاشتغال بدل تلقين الجيل بصيغة كتاتيبية ملائية معلومات سرعان ما تتقادم وتموت كما أن البشرية باتت تجد وسائل الوصول إلى المعلومة وحفظها (آليا) بوسائل تكنولوجية لكنها لن تجد بديلا للعقل الإنساني الخلاق بوظائفيته الإبداعية وبطابع منجزه الذي يؤنسن وجودنا..

طوبى لكم أيتها التدريسيات، ايها التدريسيون بأعيادكم تحتفي بثيمة الأنسنة جوهرا للاحتفال وجوهرا لتكريم المعلم باستحقاق..

وفي إطلالات جديدة نتابع حلقات العملية التعليمية بالشواهد والأرقام والحوارات وطبعاً وضمناً سنتحدث عن مناهج إعداد المعلم وزوايا وإشكالات مهنية أخرى للضرورة.. مقدماً للجميع نسوة ورجالا شكري وامتناني لكل التفاعلات والتساؤلات والتعليقات.

لا تعليقات

اترك رد