صباح الخير .. ايها الوطن الحزين

 
الصدى - صباح الخير ايها الوطن الحزين - ذكرى محمد نادر

“أنا المسكونة كما الطيور, بهاجس بناء عش وكلما بنيت لوطني عشا, فقست فيه بيوض الحرب : سرب طائرات ”

الضباب يلف مدينة جنييف, يوشحها بشال ابيض شفاف وندي, والحافلة تسير بهدوء يسمح لي بمراقبته متخلالا الاشجار العارية والشوارع المثقلة بزينة اعياد الميلاد .. والف خاطر في بالي يدور عن اختلافات الحياة بين شرق وغرب !

فتسلل لسمعي حوار من المقعد امامي ,وقد احتلته أم وأبنها وهو يعبر عن فرحه بتقليب صفحات كتاب “انسكلوبيديا الاطفال” .الذي يروي بطريقة مبسطة نشوء الحضارات المدنية وتطورها, ينسجها بقصص بسيطة مشوقة لتبقى راسخة في ذواكرهم الغضة, وقد سبق لي الاطلاع على محتواه في المكتبة التي اعمل فيها.

-أأعجبتك هديتك حبيبي؟

سألت الام وهي متوردة الخدين, فأجابها الصغير: نعم ماما, انه شيق ان نعرف كل هذه الحكايات.. والصور ايضا …انظري كم هي جميلة جدا . ثم اضاف متسائلا: هذه ليست هدية”بابا نويل, اليس كذلك؟

ضحكت الام الام برقة قبل أن تجيبه : لا يا “أرنبي” انها هديتنا لك , وستتلقى هدية بابا نويل في يوم العيد.

ورغم أن الحوار بيننا كان اليفا, الا انه حرك كوامن شجونا عميقة في نفسي . ففي حياة الغرب الطبيعية يتلقى الاطفال هداياهم كتبا وحلوى ودمى و قفازات ملونة ولعبا مسلية واقلام تلوين, بينما اطفال شرقنا الحزين, في هذه اللحظة , يتلقون هداياهم صواريخ, ويختبئون تحت الاسرة رعبا من  قصف الطائرات, ويرتعدون وهم يرون انفلاق القنابل, حيث تتطاير بيوتهم عاليا قبل ان تنهد شاهقة فوق رؤوسهم .. فبابا نويل الذي يزور قراهم ومدنهم , هو أخر مختلف , دموي , مفترس, قاتل, وهداياه من حمم ونار , لا يعتلي عربة يجرها وعل طائر , وقبعة حمراء , ووجنتان محمرتان فبابا نويل الشرق , قاسٍ , تحمر وجنتاه من دم الضحايا !

: انظري ماما.. هنا .. في هذه الصفحة, يشرح الكتاب عما هو قبل التاريخ ..ثم يقول بعد التاريخ !

أختلست النظر بدوري للصفحة التي اشار اليها الطفل السعيد, كانت الترويسة في اعلى الصفحة تشير الى زمن اختراع الكتابة

: نعم حبيبي.. لقد اخترع العراقيون القدماء الكتابة, ومن هنا بدأ التاريخ, فالعالم لم يكن محفوظا قبل اختراعها, ولا نعرف عنه شيئا الا بعدما اخترع العراقيون الكتابة فسجلوا بذلك احداثه. .

: اه, هذا شيق جدا, هل يعني هذا ان اطفالهم كانوا يذهبون مثلنا الى المدارس ؟

ضحكت الام مرة اخرى, وهي منتشية لسعادة صغيرها: يبدو انهم كانوا يذهبون اليها !

: هل العراقيون موجودين حتى الان ماما ؟

كنت ساخبره ان الزمن العراقي يجري عكس التاريخ المكتوب متراجعا الى الخلف, وأن 5 مليون طفل عراقي, هائمون في اميتهم رغم ان اسلافهم اخترعوا الكتابة, وان مستواهم التعليمي خرج عن دائرة التصنيف عالميا   لانعدام اية بنية تعليمية فيه.. هذا واقع “حداثة” بلد اخترع السابقون فيه الكتابة !

لكنهما كانا يهمان بالنزول من الحافلة, فلم يتح لي الوقت لاقول له ما في خاطري , او اعرف رد والدته على سؤاله.

سؤال الطفل , دفع موجة دافقة مريرة لوجداني ,فهل نحن موجودون حقا على هذه الحياة ؟ أن كتب التاريخ تحفظ قدمائنا , فهل حافظنا نحن عليهم ؟ اين ذهبت عبقرية الاسلاف , وماذا فعلنا نحن بارثهم ؟ ماذا قدمنا بعدهم ؟ ولماذا يكافيء ساسة ” العالم المتحضر ” ورثة العالم القديم , بخطط سياسية شائكة هدفها التهديم بدعوى محاربة الارهاب, بينما يفرخون اينما حلوا الف وجه للارهاب , ولماذا ساقوا اليه الحرب بالف كذبة مصادقة أمميا , يدعمون جيوشهم بسيل من القذائف, والخراب, تعقبها اناشيد الموت , دون ان يصغي احدهم ل “نعاوي” المثكولات, فالشباب الذين ذهبوا للحرب متحمسين عادوا منها باكفان مربوطة على اشلاء !

اغالب نفسي فيغلبني شعور الخيبة الذي يجتاحني, وانا ارى تهاوي الوطن حدا قد يبلغ به الى الفناء .. ينخره البؤس, ويلف ازقة مدنه يأس قاتم, يأس يتقاذف سكانه , فتدفعهم الرغبة بالخلاص لاختيار اسبابا صعبة للنجاة, فيركبون عباب البحر املا,   واحيانا لا يصلون في مسعاهم الا الى قعره غرقا .. تالله كم ازرَقّ لون البحر لكثرة أزرقاق وجوه الغرقى فيه .. فالوطن يصادر ابنائه الفزعين , والهاربين بعيدا عنه بحثا عن أمل بالحياة , وكأن أوطاننا التي تسيد فيها اللص والقاتل والفاسد , غدت انشوطة تتعلق بها ارواحنا موتا وحبا سواء بسواء !

فيا ايتها المدن الشرقية, ماذا فعلت بك الحياة ؟ وهل سيتبقى منك للتاريخ القادم اثرا بعد هذا المحو المركب والاحداث الفاجعة ؟:

انت لا تهرب بجلدك من وطنك , تلك خدعة .. فأنت تحمل همومك الوطنية والانسانية, انى ذهبت, فالاوطان أكبر من جغرافيتها, انها معنى, وذكرى, وأحضان أهل , وعاطفة, واصدقاء, واناشيد طفولة, وحكايات وداد, فاولاطان أمومة لذا فأن فراقها   احزان.. وموتها احزان .

مرة كتبت الشاعرة لميعة عباس عمارة : بغداد يا امي , اجيبي دمعتي , كيف الامومة بُدلت غدرا ؟

فالاوغاد الذين تسببوا بذبح البلاد , ما زالوا احياء , بينما الوطن في النزع الاخير ..

بغداد ام العراقيين, هل ستبقى موجودة بعد سنوات قليلة من يومنا هذا بعدما نخرها الفساد وسرقها اللصوص وشرد ابنائها القتلة ؟ وهل سيبقى العراق.. عراق .. ام ان المحو سيطاله والخاتمة حتف ؟

في بغداد : حيث كنا ذات عمر فيها, بغداد التي لم نعد نأوي بعد الحروب والفجائع اليها.. هربنا منها , حاملين متاعنا ذكريات ثقيلة في النفس, تخز الروح كالمدي, تثقب القلب وتدميه,يكبلنا عجزنا لانقاذها رغم كل نوايانا الطيبة , لكنها لاتفلح البتة ازاء مشروع تدميري هائل لمحوها !

بغداد شارع المتنبي حيث الكتب مسجاة على جانبيه , قد بحثت في العواصم التي زرتها عن شارع يشبهه ولم اجد له شبيها .. بغداد ساعة القشلة وقد رأيتها اخر مرة مثقوبة الصدر بقذيفة مدفع.

الاعظمية حيث يمر عليها النهر رخيا مغناجا يعانقها بكتف الكاظمية .. فكيف انفصل القلب عن بعضه ؟ المنصور ودلع البنات وبيوتا يكبر في حدائقها نخيل كثير واشجار رارنج وبرتقال وضحكات اطفال.

بغداد , الكاظمية, والمنائر الاربعة, حيث تلهث القباب الذهب تحت ضياء الشمس, فتتوهج شموسا فوق شموس, ويحط الحمام بين زوار حضرتها امنا , وتذوب بصمت شموع النذور.

الصدرية حيث كنا نتبضع قوت عيالنا يبرع فيها الباعة بالثناء على بضائعهم باصوات جهورية تدفعنا للضحك.

شارع الرشيد العتيد سليل اسم صاحب العصر الذهبي تاريخيا , الذي يحاول الاوغاد طمسه لانه يذكرهم , بامجادها القديمة, باعمدته الضخمة التي بلغتها الرثاثة في حاضرها المزري , حد ان العين تعافها !

المتحف المنهوب الارث والمثقوب الجبين بقذيفة مدفع.. شارع النهر وهو يفتقد هويته واصوات الحلوات من بنات بغداد وهن يتبضعن فيه.. دار الحكمة, والمستنصرية, قبل أن يسرقها الغوغاء.
بغداد التي كانت ….   او ما ابقينا منها في الذكريات.
سؤال الطفل السعيد بكتابه : هل ما يزال العراقيين موجودين؟

كان اشبه بسيخ من نار جرح فؤادي.. فيا بلادي, هل ستكونين موجودة بعد ان تلم الحرب اوزارها, وتغلق المقابر ابوابها لعدم اتساع مكان لقادمين جدد.. أم انك “وحسب مخطط الحرب سترحلين طي النسيان ؟

فالوطن الذي كان مولود الماء من عطش يموت, فانهاره مخنوقة الرئة, واهواره تجف فتلوذ فيه الاسماك نحو الطين فاغورة الافواه.. اواااه يا وطني كيف تموت من عطش, وأنت من ماء ولدت؟

فصباح الخير يا وطني الحزين, وانت تصحو على قرع طبول الحرب, في نينوى, والانبار, وحديثة حيث تعشش داعش, مطلقة رعبها في نحور اهلها الابرياء, تدمر هوية تاريخا الطويل , فتخسف مدينة الحضر”مدينة الشمس” ومراقد الاولياء ومقامات الانبياء .. انه المحو المنظم للهوية , بينما العالم لا يمنعه ” قلقه” على الارث الحضاري الانساني المدمر , من النوم بيسر متمنيا لنفسه احلاما سعيدة !

صباح الخير , ايها الوطن الحزين, وانت ترتعش بين حراب القتلة, فتنولد بك من رحم المليشيات مليشيات أخرى , لتقضي على الدولة.

صباح الخير , ايها الوطن النازح, واللاجيء, والهارب ,الموزع بين مغانم السراق ومطامع المتربصين.

من نافذة الحافلة, تابعت منظر الطفل السعيد وامه,   يمشيان امنين في شوارع مدينة مبتهجة بسلامها ,وفي نفسي اردد: نعم , رغم كل الاسى صباح الخير لك ايها الوطن الحزين وطن النازح بلا ملجأ, والهارب بدون ماوى, والخائف بغير ملاذ, صباح الخير على وجوه صغارك وهم بدون هدايا ولعب, ولكنهم حتى وهم في تشردهم يبقون ” حلوين”   وأن لم يقرأؤا في الانسكلوبيديا, انهم ابناء سلالة اهدت البشرية نور المعرفة وضياء العلم, فيما هو غارق الان في حلكة ظلامه, وانهم ابناء سلالة كتبوا اول القوانين والشرائع, دقوها بمسامير الكلام كي لا يمحوها الزمان .. حتى وان عمت بك اليوم الفوضى, وصار القانون بدون قانون, واحتكم زمنك الحالي لنوازع الشطار وجنون العيارين!

صباح الخير ايها الطفل الجميل المحبوب , رغم كل خطوب الحروب.

جنييف 28.12.2015

 

المقال السابقسبع خطوات لكتابة التقرير الصحفي..
المقال التالىالى متى هذه الفضيحة؟
ذكرى محمد نادر .. صحفية, اعلامية, اديبة عراقية.. حازت على عدة جوائز عراقيا وعربيا.. حازت على المرتية الاولى عربيا عن روايتها "قبل اكتمال القرن",عام 2000..حازت على لقب افضل صحفية عراقية, عام 1994.. حازت على لقب افضل مقدمة برامج, عام 2006.. تقيم حاليا في جنيف/سويسرا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. صباح الخير ايها الوطن الحززين .
    واقع مرير نعيشة .فقدنا متعة الحياة نحن نعيش في دواامة الحروب وصف ججميل لواقع حزين

اترك رد