الأربيسك.. بين المهنة والامتهان


 

قد لا يغيب عن ذاكرتنا أن فن الزخرفة أو ما يعرف بالأربيسك (وهو الفن الأكثر تنظيما وعقلانية ) كان بديلاً عن الرسم والتشخيص الذي صنف ضمن دائرة المحرمات إثر الاجتهادات السابقة واللاحقة لرجال الدين .. فإن كان الفن مرآة للنظم ..للقيم والعادات لن يغيب عن مداركنا ما تعكسه تلك القواعد الصارمة للفن التي أفقدته التلقائية والعفوية وأبعدت الفنان عن ذاته وميزاته … تشابهت اللوحات وكثرت الاقتباسات وزاد عدد المشتغلين في هذا المجال طمعاً بمكافئة الخليفة وبما يغدقه من أموال ( بالتأكيد لن يفهم ما تقدمت به كشكل من أشكال الإساءة والاتهام أو الانتقاص من فن كان ولازال يعبر عن هويتنا ) إنما هو تحليل لا يبتعد عن المنطق فخضوع الفن للأنظمة الدينية والسياسية يخلق تشابهات ويعدم الخصوصية أما خضوعه للذات الإنسانية فيعكس تعبيرات أكثر غناً وحرية …ومن ناحية أخرى أستطيع أن أجد في نفسي تحليلا مغاير يأخذني إلى الوحدة الزخرفية المباحة والمتاحة وهي نتاج جماع مابين الشكل الأساسي الملهم الأولي من ناحية وأفكار الفنان القادرة على الاستنباط والتلخيص مع الحفاظ على الخصائص من ناحية أخرى وبتعبير آخر الوحدة الزخرفية هي أصغر مولود تحقق عبر عمليات التحليل والتبسيط والتحوير .. وفي عرف الإبداع المتعلق بالشكل يعتبر هذا الاتجاه مرحلة أكثر تطورا ًمن الخطاب المباشر أو الواقعية الكلاسيكية التي كانت سائدة في عصر النهضة الأوربية
أما أنا فكنت ولا زلت أشعر بالمسؤولية اتجاه فن يتسم بخصوصية المكان ويعكس ثقافته وحضارته المنبثقة من ذاك الزمان وكان السؤال الثاقب والنافذ والذي سأحاول الإجابة عنه هنا … إلى أي مجال ينتمي فن الزخرفة ..هل يندرج في أطر التشكيل ؟ .. أم أنه تابع للحرفة وللفنون التطبيقية ؟
لأخوض هنا أقدم مفهومي للفن عبر تماسي مع اللوحة


الفن نفحات آسرة تداعب المشاعر والأحاسيس عبر تعبيرات جمالية ذاتية أو خارجية أما الإبداع فهو القدرة على الاختلاف عبر أساليب أقدر على ملامسة الحالة التعبيرية أو الجمالية ومفهوم الجمال هنا مختلف فهو غير مرتبط بالنسب اليونانية وهو غير مستقل عن القيم التعبيرية
فإذا كانت الفنون التشكيل هو إعادة صياغة وإنتاج الطبيعة برؤى جديدة فإن هذا التعريف قد لامس الوحدة الزخرفية وهي ليست سوى اختزال وتبسيط مأخوذ من الطبيعة وقياسا بالتعريف السابق فإن أي خط يخطه الإنسان يندرج في إطار التشكيل إذا ليست المشكلة في الانتماء أنما في مقدار ما يحمله العمل من سمات فنية وإبداعية
أما تلك الأعمال المعاد تنظيمها عبر عدة قواعد عقلانية ( التناظر والتكرار) لغاية تلوين أو تزيين جدار تصير الوحدات فيها مباحة ومتاحة وفي متناول من يود تقليدها واستخدام النسخ منها لغايات تزيينية هي أعمال تجارية وحين تدخل في عدة مجالات تطبيقية كتصميم وتزيين الأثاث والأدوات والأغراض المنزلية وغيرها فهي أعمال تطبيقية .. أما النسخة الأولى والوحدة الأولى فيمكن فهي أن تندرج في إطار عمل فني وإبداعي إن استطاع الفنان توظيفها وتقديم رؤيا جديدة غير مسبوقة من خلالها من هذا المنطلق يمكن أن نفهم كيف يمكن للوحدة الزخرفية أن تكون مفتاحا لعمل تجريدي وحداثي .. وكيف يمكن أن نبني حججنا على هذا الأساس
وعلى هذا الاساس أستطيع أن أجد المبررات لزيادة الاهتمام بهذا الفن الذي يمثلنا عبر مبدعين قادرين على الإضافة وتضمين رؤى جديدة ومن أبرز الفنانين الخلاقين لرؤى جديدة في هذا المجال
الفنان حسان أبو عياش وهو من الفنانين الرواد امتاز وتميز برؤيا فراغية من الأعلى ومن زوايا متعددة ومن وحي العمارة والمدينة كان ولا زال حسان أبو عياش يقدم أعماله عبر ذاك المنظور الفراغي والرؤية الهندسية التي تحاكي العقل والخيال ، والدقة التي تتجلى في تقاطعات الخط المسطر والمستقيم و في عدم تجاوزه للحدود اللونية والتي تحاكي ماتتحلى به شخصية الفنان من هدوء وتنظيم وصبر .. عبر ما تقدم عن الفنان وعبر لوحاته نستطيع أن نلمس تلك الرؤيا الواضحة لخطه وخطته حين وضع نفسه ضمن إشكالية وترك لمخيلته فك الرموز و البحث عن حروفها الأبجدية
ومن جيل آخر سأتوقف معكم عند لوحة أخرى وفنان آخر وهو من القلة البارزين و الذين يمارسون عملهم مابين المهنة والامتهان انه الفنان فريد شانكان المتواجد مابين العمل التطبيقي والجداري ومابين العمل الفني التشكيلي من الناحية الأخرى وهنا تتشابك خيوط كثيرة .. يتتخلى عن واحدة ويمسك بالأخرى .. يمده عمله الجداري بالثقة والخبرة .. ويمده العمل على اللوحة القماشية بالعفوية والتلقائية ويكتشف بينهما أهم ما يميز لوحته الفرادة والخصوصية
وأنا هنا بصدد تلك النقلة لفن الأرابيسك من التطبيق إلى اللوحة من المسطرة والتخطيط إلى اليد الحرة و المباشرة وبالعودة إلى لوحاته القماشية نستطيع أن نتحدث في رحلة بحثه التي وإن بدت واضحة المعالم إلا أن مخاضه حين صار يوائم وأعتقد أن ملامسته للحالة الأكثر فنية كانت مع لوحات أحادية اللون قدمها عبر تكثيف متواصل للخط يستمر ويستمر معه ذلك الفعل المتلاشي للون الرمادي الممسوح ثم المشبع في جوانب أخرى .. تحرك العمل وتشدك إليها .. أسماك .. وجوه .. حروف متاهات خطية وزخرفية ثخينة ورفيعة قاتمة وأكثر فتاحة كما لو أنها مشغولة بأقلام خط عريضة ثم مغطاة و موشحة بأحبارها الشفافة
ويبقى المأخذ في البعض القليل من أعماله هو ذلك التحديد والذي يمكن أن ابرره كتصاميم تزيينة مطلوبة من الفنان فهو وإن كان صفة ملازمة لفن الزخرفة إلا أنه لم يخدمه عبر الرؤى التقليدية هنا … وهو الأدرى بتلك اللحظات التي يتحول معها عمله إلى عمل آلي تطبيقي حين التجاورات المنفصلة و التكرار الآلي .. وإلى عمل أكثر فنية حين تتوالد الألوان من قلب بعضها البعض


أخيرا لابد من المرور على الفنان ناجي عبيد الذي يستحق منا كل التقدير والاهتمام ليس لأنه المعمر إنما لأنه ملحمة شعرية عبر لوحاته وحياته ملحمة لا تقل بؤساً و إصراراً وعناداً ورباطة جأش عن حياة عنترة كما لا تقل لوحاته عذوبة وجمال كعشق فارس جمع النقيضين الرقة في الحب والصلابة في الحرب وأعتقد أن الحياة فرضت على ناجي عبيد كثيراً من الاهتمامات وبقي الفن شغله الشاغل وفي سوق المهن اليدوية كنت آراه يعرض لوحاته وتحفه الأثرية وقلما يجادل … مروري هنا لأقدم ذلك الإيضاح فأعمال ناجي عبيد لا تنتمي إلى الزخرفة أنما تستمد البساطة منها وتوظفها لأغراض تعبيرية وجمالية عبر لوحة أكثر بساطة وواقعية إذا هو لم يزخرف إنما رسم البساط المزخرف الذي يختصر الزمان والمكان كما خط بعض الرسوم والأشعار على خلفية وجه طالما عشقه وعشقناه هو وجه ليلى العامرية المكحلة والمطموسة بالسواد لتصير عيونها رمزاً للجمال العربي كما أكد على الحدود بخط أسود عريض ليوائم الوجه مع الحس الزخرفي في الخلفية فقدم لوحة أكثر ارتباطاً بالجذور والخصوصية
اختم مقالتي وقد قدمت المبررات بالقول : طالما كان الفن امتداداً للتراث .. وجب علينا زيادة الاهتمام بذلك الجانب وإشباعه عبر فنانين قادرين على تقديم رؤى جديدة من خلاله

لا تعليقات

اترك رد