اكاديميات عربية ضمن سياق بيئي تشكيلي


 
اعمال يوسف كامل
اعمال يوسف كامل

ان القيام بمحاولة تتبع حركة الريادة في الفن لابد وان تأخذ في الاعتبار مفهوم لغة الفن رافضين فكرة مجالات الابداع الفني العربي (الصناعات والحرفية) الى اعتبارها لغة مجردة يمكنها ان تخاطب الانسان في كل مكان مكملا التكوين العربي المعاصر من معرفة ، وثقافة ، وعلم واجدها اسبق من غيرها في الدخول في مجالات الفنون . إلا ان المقياس لدول الغرب وذلك كغيرها من الدول العربية حيث لم تتعد الاشكال المزدهرة حين ذلك حدود الصناعات الحرفية في صعيد مصر ودلتاها والموروثة عن الاجداد وذلك في النسيجات وصناعة الادوات المنزلية والفخارية والمعدنية ، وفنون العمارة الشعبية في الوجه القبلي والنوبة وتقاليدها وقواعدها المعمارية المرتبطة الى حد ما بدرجة من التقاء المتصل بنفس هذه الاصول في التاريخ القديم.

ومع انشاء مدرسة الفنون الجميلة عام 1908م بدأت انشطة الفنون التشكيلية بنتاجات طلاب المدرسة (1910م-1912م) وخريجيها والتي لم تعد في ملامحها الاساسية حدود المدارس الفنية الفرنسية والايطالية تأثرا بأساتذة هذه المدرسة وتوجيهاتهم ، وحتى برعاية جمعية محبي الفنون الجميلة ، والتي انشئت في هذه الفترة وقد كان من اهم فناني وخريجي هذه المرحلة الفنان النحات محمود مختار، والمصورون محمد حسن ، ويوسف كامل ، وراغب عياد ، وبالرغم من ان موضوعاتهم مأخوذة ومستلهمة من البيئة المصرية إلا انها كانت تؤدى بأساليب غريبة قد تستشعر في بعضها احساسا طبقيا في النهاية ذا مذاق جديد ، ورؤية متميزة اقرب الى المصرية من مثيلاتها من اعمال المستشرقين وغيرهم من الفنانين الاجانب والذين كانوا ينافسونهم في المعارض المختلفة.

ولم تُحرم الاسكندرية من حركة الريادة المصرية فقد تميز فنانوها بانتماء وأصالة اكثر وضوحا ونقاء ، وتمت تجاربهم في احضان هذه المدينة العريقة ذات الطبيعة المميزة والأحياء العتيقة ، والتاريخ القديم فكانت نتاجات فنانيها الرواد اكثر انتماءً ومن اهمهم محمود سعيد ، ومحمود ناجي ، وجورج صباغ وغيرهم…

ونقلت لنا اعمالهم عادات وتقاليد شعبية متنوعة بألوان بحرية دافئة فجمعت بين التسجيل الذكي والحس التشكيلي الخاص حتى اننا نستطيع ان نقول بوجود مدرسة اسكندرية مازالت مستمرة حتى اليوم.

لم يكن نصيب سوريا مختلفا عن مصر في حركة الريادة فقد بدأت ايضا متأثرة بالتيارات الغربية ، وان كانت غالبية مواضيعهم تميل الى تسجيل التاريخ العربي والتراث ، والبيئة العربية الاسلامية بمعالجات غريبة تنوعت اعمالهم ولكنها احتفظت بمذاق خاص يمكن تمييزه وان كانت اكثر قربا من زملائهم في لبنان وتركيا ومن اهم روادهم طارق وميشيل كرشه ، وعبد الوهاب ابو السعود ، وسعيد تحسين ثم تبعهم الجيل الثاني من الرواد اذ لو يكونوا قد خرجوا كثيرا عن مسار من سبقهم وأصبح طريق القدرة متصلا وحاملا لنفس صفات الرواد بايجابية وسلبية.

اما في العراق فقد استمرت موجة التأثر بالمدارس الغربية اذ اخذ يمنهج التبعية والافتنان بحركة تطور الفن في اوربا ، وان كانت اغلب مواضيعهم تتركز على البيئة وهو الامر الذي اشرنا الى اهميته لما يحتويه من حنين واضح للطبيعة والتراث الذي ادى بقدر الصدق فيه الى خصوصية تحمل قلبا عربيا له جذوره الحضارية . ومن اهم روادهم والذين يعتبرون روادا ايضا بالنسبة لبعض البلدان العربية والمجاورة لهم الفنان عبد القادر وسام ، والحاج الموصلي وابنه ، والفنان جواد سليم ، ثم فائق حسن الذي اعتبر رائد الفن الحديث في العراق بعد ذلك حيث كان اهم الفنانين العراقيين الناقلين لأساليب الفن في اوربا الى وطنه طبقا لدراسته بأكاديمياتها ، وقد نظم نشاط الحركة التشكيلية هناك من خلال التجمعات والجمعيات الفنية مثل جماعة الرواد وجمعية اصدقاء الفن عام 1941م.

لا تعليقات

اترك رد