جنازة الماء


 

واختلفوا في جنازته بعدما اتفقوا في أمر قتله. أوقفوه عند حافة الدّهر ورموه في هوة الوقت ثم أخرجوه وقد أدماه الدّوران مع الأفلاك. حينما فرغوا من إزهاق روحه الذي استعصى على الموت وضعوه بينهم وبكوه بكاء مرّا سالت معه الدموع حتى بللت لحاهم والجثة الهامدة فشرق بها المكان . ثمّ جعلوا يقترعون على ثوبه وعصاه وخاتمه وسيفه الخشبيّ واقترعوا علىزوجته وبناته وفتياته اللائي كان يتسرّى بهنّ. واقتسموا ما ترك من المواعين ومن متاع الدنيا. ولما فرغوا من القسمة ابتسموا ا في وجوه بعضهم فكانت ابتساماتهم صدقات جارية جرى بها تيار النهر إلى القرى الاخرى البعيدة وكانت صدقاتهم مجرّدة من كلّ شوائب الدّنيا.

وحينما أيقنوا بفساد الجثة وتأكدوا أن الجسد آيل إلى الخراب وقال عرّافهم إن دودا تحت الجلد يهدّد كلّ ما قاموا به من عمل ويجعل القرية على كفّ الصّدف. ولذلك شكلوا لجنة الجنازة وجمعوا أفرادها في خيمة قرب النهر. و مع الأيام تسربت مداولاتهم كلها إلى العامة وتداولت الدّهماء ما كان الحكماء يخوضون فيه سرّا. وقد فسر رجال اللجنة ذلك بوجود ثقوب في الخيمة يتسرب منها الصوت وفسر آخرون ذلك بقرب المجلس من النّهر.

قال نفر منهم :”لا يجب أن يلوث جسده ذو الدّود هذه الأرض المباركة ” وقال رجل عرف بأنه شريب:” نقطّعه إربا إربا ونرسله في الآفاق فلا يكون له قبر يعبد من دون الله” وقال شيخ ذو وقار:” الرأي عندي أن يصلب على قمة ذلك الجبل فيأكل الطيرُ لحمه كله ويرحل بعظمه فيكون جسده نهبا لا يقف الباحث على شيء منه ولا يكون الحديث عنه إلاّ لغوا من اللغو.” ونجم من بينهم شاب وقال: “اتركوه لأصحابه وليهنؤوا بصديده ودوده ونتونةرائحته. “وقال غير هؤلاء أقوالا كثيرة ومنها اقتراح أن تقام له جنازة مهيبة تبرز غيرتهم على دمائهم وأرحامهم. ويجعلون قبره مثابة ينحرون عنده كلّ ربيع ويأكلون مما ينحرون ويحرقون الشحم والبخور.”

واشتد خلافهم وتشنجت الخطابات واتلأبت رايات وسقطت أخرى. وكلماجدّوا في الحديث في أمر الجنازة والدّفن اشتدت فرقتهم وخرجوا من الخيمة التي ازدادت ثقوبها اتساعا. ولكن الجثة كانت تزداد انتفاخا ومسام الجلد تزداد اتساعا. ومن خلالها يطل الموت الحقيقي بخرطومه ويغمز من قناته. ونظرا لتشعب الأمر وتفاقم الخطر قررت اللجنة المجتمعة تحت الخيمة ذات الثقوب في صبيحة يوم شتويّ ندف فيه الثلج على الصحراء أن تضاعف عدد اللجان فكانت لجنة جلب الماء لتطهير الجثة يوميا ولجنة الحفاظ على الثلج لاستثماره في الصيف ولجنة ملاحقة الإشاعات التي يتحدث بها السوقة في مسألة الجنازة واللجان ولجنة الهواء الداخل من الثقوب والخارج من الخيمة لمعالجة ما يحمل من جراثيم ومن تسريبات سردية مشبوهة ولجنة الصلاة على الجنازة ولجنة اللغة ولجنة ولجنة ولجنة…ولجنة التوقي من عبادة القبور والطاغوت على ألاّ تشتغل هذه اللجنة فعليا إلاّ بعد دفن الجثة.

ولعلّ اللجنة الأكثر شهرة والتي دأبت على تسريب مداولاته عبر ثقوب الخيمة هي لجنة حكاية القتل. وهي لجنة تسهر على تدوين عملية الاغتيال من بداية التفكير فيها إلى إتمامها على الوجه الذي انتهت إليه. ولأسباب بيداغوجية كانت هذه اللجنة تمنع أعضائها من التداول في النهار وتمنعهم الكلام بصوت مسموع ولكنها لم تر فائدة في خياطة الثقوب التي يحرسها الجنّ ليلا والملائكة نهارا وسلّحوها بألوان من التعاويذ والأدعية لا تسمح لإنسي ولا جنيّ بالاقتراب واستراق السمع. وقررت اللجنة الموقرة أن يكون مصير كل مكذّب بهذه العملية المقدسة القتل, ولذلك أمسك الناس عن الخوض في الحكاية وقبلوها كما رويت.

ذهب ماء النهر بعد سبع عجاف. وجفت العيون في الجبال والوهاد. ولتبق إلا حفر بسيطة في النهر المتشقق من العطش تنق فيها بضع ضفادع رضيت بالهلاك. وكانت العامة تقصد تلك الحفر لسحب بعض نزحهاالاسود القذر تطهر به الجثة المتحللة.

بعد ألاف السنين الضوئية التي مرّت في لمح البصر واللجان تعقد اجتماعها المفتوح, نظر ترسياس من ثقب أسود في جدار الخيمة لم يتحقق بعد وأعلمهم أنّ السبع العجاف ستنتهي في تلك الليلة عند الفجر وأنه يسمع النهر يقبل هدّارا وأنه يتحسس بمقلتيه انكسار الموج في الأقاصيوأنه يكاد يذوق طعم الماء العذب الذي لم تذقه القرية منذ سبعة أعوام. قال لهم تريسياس :”إياكم أن تتركوا جثتكم وتنشغلوا عنها بتأمل النهر وشرب الماء. وقال لهم أدبرت سبع وأقبلت سبع فلا تجعلوها تمر في لمح البصر. وقال لهم حينما يقبل النهر صلوا كما لم تصلوا قطّ وقوموا الليل وصلوا بالنهار وصوموا سبعا وجهزوا جنازتكم ليأخذها النهر إلى حيث الآفاق…إلى حيث يموت التاريخ …إلى حيث تستدير الجغرافيا فيكون المدبر منها مقبلا…إلى حيث يضيع الوعي…

وأقبل النّهر هادرا وأقبل النهر بسيوله وتياره العنيف يهدد الخيمة التي لم يبق منها إلاّ الحبال تصفر في الريح واللجان تحت الحبال تصلي وتقوم الليل وتصوم عن التفكير والشغب وتتداول في أمر الجنازة والصلب وربما حرق الجثة.

لمّا أقبل النهر يهدر وأقبل مصفرا مترنما وأقبل الماء مختالا فخورا يكاد يخرق الوجود. وأقبل ترسياس خارج من الخيمة التي لم يبق منها إلاّالحبال تغازل الأوتاد. خرج ترسياس من ستر العراء وجعل يعلمهم فنون تقديس الماء:

– اصنعوا لي تابوتا من الخشب الذي حمله إليكم النهر.
– اطلوا التابوت بالقار وضعوا فيه ماء من عيون الضفادع وليكن ماؤها أسود,
– ضعوا في التابوت من كل زوج نصفه العقيم حتى لا تكون الفتنة فالأجساد خراب,
– ضعوا رضاعة وشيئا من شعير يكون قوت المتصوف ,
– ضعوا شيئا من عسل وبعض حلوى ليعلم الميت يوم يقوم أنّ اللهو حرام. وأن النفس أمارة بالفحش.
– ضعوا في التابوت قصة القتل واقتراح الصلب ووثيقة تشكيل اللجان وتاريخ الخيمة من يوم نصبها إلى يوم أن أخذتها الريح.
– ضعوا في التابوت ثوبين ثوبا للصيف وثوبا للشتاء وعمامة وعصا وصورة لسيف خشبي ووثيقة تحمل أسماء الأهل والفتيات والخصيان وكل ما كان له علاقة بالقتيل.
ثمّ صفّر تريسياس كما يصفر الشيطان تماما, وجعل النهر يصفر كما القطار يدخل المحطة. ثم ارتمى الشيخ الضرير في الماء وغاص فيه ولم يسمع منه إلاّ قوله:”وجدتها وجدتها” وردّد النهر والتيار والأخشاب المهاجرة والأعواد والضفادع السعيدة “وجدتها..وجدتها…وجدتها” وجعلت الكائنات تردد وجدتها وجدتها ثم ترتمي في النهر تتبع مسار الجثة المتعفنة. ثم لما كانت آخر العربات تغادر المحطة انطوت المدينة كلها كما يطوى السجل وذهبت تصفر مع الماء وتصفر مع القطار وتصفر مع تريسياس …

لا تعليقات

اترك رد