مرة اضطرارية أخرى حول خيار تغيير أم إصلاح ؟

 

لستُ بصدد بطيئي الفهم من مستجدِّي العمل السياسي أو ممن ينتمي إلى الضفة الأخرى حيث قوى الدجل ومن يمثل منطقها. إذ مع الآخرين نتمترس (سوياً) ها هنا في ضفة الشعب، متمسكين بفلسفة حركة التنوير ودمقرطة الحياة، محافظين عليها مدافعين عنها.. وهنا فإنَّ قوى يسارية وليبرالية قد اختارت منطق (التغيير) وقوانين الاشتغال باتجاهه؛ بعد أن أكدت الأوضاع العامة انحدارها لمستوى استفحلت فيه المعضلات حداً بات عصيا التعامل معه بمنطق (إصلاحـ)ـي إلا لمن يمد جسوراً مع قوى الإسلام السياسي التي كانت بطائفيتها وظلاميات جرائمها مافيوياً ميليشياوياً قد كرّست نظامها الذي خرّب البلاد كلياً واستعبد الناس وحولهم إلى أضحيات وقرابين لمقدساته المزيفة فوجب تغيير ذاك النظام الفاسد كلياً، لا ترقيعه (إصلاحه) بمعنى إعادة إنتاجه….!!

إنَّ معاودة التحدث عن (مثلث التغيير والإصلاح والتجديد) بديلاً يؤكد حال الإصرار على تكرار السذاجة الفكرية السياسية عندما يجري الخلط بين (تغيير وإصلاح)؛ فالطريقان لا يلتقيان بمنطقة نظام (الطائفية المافيوي – الكليبتوقراطي).. فهذا النظام لم يترك فرصة لمنطق (إصلاح) إلا عندما يوقع الناس بأوهام مخادعاته وأضاليله لإعادة إنتاج وجوده. وأيُّ مدِّ جسورٍ معه، لا يعني غير الانزلاق إلى فخاخه وشراكه المنصوبة، فمرة يُلقي بطُعمٍ أو جزرة بائسة لا تغني ولا تسمن وأخرى عندما يُخمِد أصوات الحركة الاحتجاجية يعاود رفع هراوته عقيرته عاليا حيث منطق الجزرة والعصا…!

التغيير طريقه مختلف تماماً وواضح الخطى، وهو إذ يتقدم فإن ذلك يأتي من تراكم منجزات الكفاح في سبيله ومن ضغط الحركة الشعبية (الموحدة)، يكسب منجزات متوالية، تتراكم من دون خنوع الاستجداء للصدقات بل من إرعاب قوى الاستغلال المافيوية وإجبارها على الخضوع لمطالب الشعب..

وفرق كبير بين أن تأتي الأمور بصيغة صدقات كجزرة يرمونها طُعماً لعبور ضائقة الضغط الشعبي عليهم وإسكات صوت الضغط لحظة اشتداده وهنا يعيد النظام التمترس بمنطقته وخندقه ويعيد سطوته بقوة أكبر.. نعم فرق كبير بين ذلك وبين أن يكسب الشعب بحراكه مطالبه وحاجاته من دون أن يتراجع.. وحينها يسجل لحراكه نقاطاً تتراكم ليتقدم إلى أمام.. فرق بين المنهجين، وهو فرق نوعي بين أن تكون حراً لمتابعة العمل يتنامى وبين أن تخضع وتصير تابعا ذيلياً مجيَّراً لمصلحة النظام.. ذلك الفرق النوعي هو ما بين التغيير والإصلاح…

إنَّ مدَّ الجسور مع جناحٍ من أجنحة النظام، يبدأ بتبرير لا يرقى لمنهج صحيح صائب ولا إلى حلول وبدائل فكرية تستقيم ميدانيا في الصراع بين الشعب ومستغليه. ذلك أن تلك الجسور (التحالفات) قد يبررها بعض المخدوعين ويصر عليها لكنها تتكشف تدريجا وتنفضح مع الاضطرار لمجابهة الأمر الواقع بتوسيع التحالف حيث الجناح الإسلاموي (المهيمن) يوسع (التحالف) باتجاه بيئته؛ باستقطاب أجنحة إسلاموية أخرى ادعى لوهلةٍ، أنه لن يتحالف معها كونها قوى فساد والأنكى أنه ادعى تبني (الوطنية) باصطلاح تضليلي، هو (العابر للطائفية)؛ لكنه يعيد الكشف عن أوراقه بعد أن استفاد مما فعله بلعبة تحالف (تنويري ظلامي) القائم على شرط قبول (الوطني) ومغادرة (الطائفي) فيما جوهر الحقيقة أنه يعاود (نهجه) ذاته؛ وها هو يعود ليعقد تحالفات ما يسمونه (الكتلة الأكبر) وربما (كتلة الفضاء الوطني) أو أي مصطلح مما يضحكون به على الذقون؛ مستفيدين من وجود (قوى) التغطية على مشروع إعادة إنتاج النظام وتكريسه (الأبدي)، كما يتوهمون وعلى الطريقة اللبنانية أو حتى اصطناع طريقة (عراقية) إن توافرت ظروف ذلك بإصرار (بعض تنويريين) على الاشتراك باللعبة العبثية التي ترتكب أفدح أخطاء الفكر السياسي على حساب مصالح الشعب..

إن تلك القوى مفيدة بإعادة إنتاج النظام وهي فاعلة بهذا الاتجاه بجرّها قوى شعبية لاستسلام لأضاليل المخادعة الطائفية ومنطق خرافتها وبذات الوقت باغتيالها قدرات الفعل إيجاباً حيث تتحول هي أولا لمجرد ظاهرة صوتية تطبل لغايات شعبوية من قبيل إدخال مصطلحات مثل التغيير بين مصطلحات أخرى بخلطة العطار الدجال؛ كما في استخدام عبارة ((مثلث التغيير والإصلاح والتجديد)) وتستكمل دورها السلبي إياه بتعطيل الحراك عن فرص تناميه بل حتى عن فرص النهوض بقيادة الجماهير وانتفاضاتها بتمزيق الوحدة وإثارة الاحباط والتناحر والصراع بين أجنحة قوى التنوير والديموقراطية! فتحيل الانتفاضات إلى مجرد ردود فعل يسهل على نظام الطائفية مصادرتها وقمعها بسبب افتقادها لآليات محسوبة في لحظات احتدام الصراع ووصوله لمناطق تظل دوما بحاجة للعقل الوطني الأنضج بخبراته كي يديرها ويوجهها…

أما التجديد فهو مصطلح بوجهين، وجه يلبس ما يقدمه من ولج السياسة مؤخرا وصار ينظّر فيها وهو لا يدرك الفرق بين (تغيير وإصلاح) ويخلط المناهج بطريقة تخدم أعداء التحرر والانعتاق، إنه وجه يغطي على خطيئة كارثية دمرت ما توصلت إليه القوى التنويرية من منجز اليوم وربما لردح آخر من الزمن ووجه لا يستقيم مع اللعبة التي جرّت أبرز القوى الإيجابية لمنطقة المخادعة وفخاخ النظام إذ لا يكون الوجه الحقيقي للتجديد إلا حيث قررت قوى اليسار وايضا القوى الليبرالية وقف التعامل مع نظام كرس الخراب والدمار والعمل على تغييره لبناء نظام بديل للدكتاتورية التي كُنِست وللطائفية التي كُرِّست؛ يومها فقط ينبني عراق (جديد) ويأتي (التجديد) بمعناه الحقيقي لا بالجعجعة بلا طحن أو ما تشخصه الرؤى الفكرية الأنجع بتسمية الظاهرة الصوتية الجوفاء…

بالمناسبة أن تتحول قوة تنويرية إلى مجرد ظاهرة صوتية لها صورتها وأن يفضح التنويري قوى الإسلام السياسي الطائفية الظلامية يوم تدعي أمراً وتُظهره دجلا وتضليلا صورة أخرى أو شيءٌ آخر. إذ أنّ تحول قوة تنويرية إلى منطقة الظاهرة الصوتية يعني تفريغها من معاني وجودها وقدرات تحويل اشتغالها إلى فعل كما يعني تجييرها كليا لمآرب قوى الطائفية والفساد وقوى الطائفية مسترخية لا تخشى شيئاً من الطبول الصوتية فلتذهب وتقرع بعالي الصوت بما تشاء، فهي حتى بصراخها بكلمات صحيحة، تخدم لعبة النظام ومخادعات القوى الظلامية، لأنها ليست سوى (ظاهرة صوتية) فيما عمليا فعل يخدم النظام وقواه!!!

وشاهدنا أن منظري (التحالف التاريخي) بين (تنويري ظلامي) أي مع جناح لم يتخلّ عن كونه إسلامويا (ما يعني أنه بالضرورة طائفي ظلامي) أن ذاك التنظير الذي يقر بحقيقة: “ان ازمة النظام السياسي ازمة بنيوية وهيكلية، وان بنية المحاصصة الطائفية هي حجر اساس الفشل والكوارث” يعود ليرى أن المشكلة الأساس تكمن في (انتخابات أو خيارات) الرئاسات الثلاث ويرى أن اختيار النواب ستكون مشكلتها مضاعفة متسائلا إذا كانت رئاسةٌ قد ترشح لها (9) فكم سيترشح للنواب وكيف سيحسمونها؟ ويحصر ذاك التنظير الذهن في اللعبة وتمترساتها!

ومعالجة التنظير غياه ومن ينظر به، بدل أن تكشف عمق أزمة النظام من جهة وانفتاح اللعبة لإعادة إنتاج ألاعيب قوى النظام وأجنحته وصراعاتهم، بدل ذلك يفكر مع تلك القوى الطائفية ولعبتها عن مخرجات لما تم تصنيعه من آليات اشتغال بظلال النظام منتهي الصلاحية.. وهكذا فهو يشتغل وكأن الكارثة ولا أقول الأزمة التي أوقعوا بها الشعب هي قضية تقاسم المناصب وتوزيعها بين أجنحة الطائفية ومقدار حصصهم أو من سيكون بالمقدمة بهذه الدورة ومن هو التالي بمستويات الحصص والمغانم!؟

أية هزلية سياسية تلك التي تجري على كواهل الناس ولأجل إدامة نهب الثروات وتعطيل قدرات البناء والتنمية ولمصلحة إفقار الشعب (معرفياً ثقافيا) بما ينشر خطاب الخرافة ودجل العيش في ظلالها، لمرحلة أخرى من استعباد الشعب وإذلاله، فضلا عن إدامة قمع حركة تحرره وانعتاقه ومصادرة حقوقه حتى في أبسطها وأولها أقصد حتى في حق الحياة!

ألم يرتكبوا جرائم إبادة جماعية، حتى أن مئات الآلاف تم تصفيتهم وتغييبهم بفضل ألاعيب الصراع الطائفي حيث يخلقون من أحد أجنحتهم بعبعاً يسمونه إرهابيا ليطمطموا على إرهاب الجناح الآخر الذي يتحكم بالسلطة!؟

بلى، ارتكبوا كل الموبقات والمفاسد والجرائم ولكن الشعب أدرك من يقف وراء كل أشكال استغلاله وما يعاني منه..

ولهذا فإن انتفاضاته رفضت التراجع عن مطلب التغيير حصراً وبشكل نهائي حاسم ولهذا فهي ترفض من يسوّق لها البدائل بمصطلح (إصلاح) أو أيّ خطاب ينضوي تحته من ترقيعات ستبقى تعيد إنتاج النظام نفسه..

إن خلطة المصطلحات من قبيل (تغيير وإصلاح وتجديد) هي أسوأ حتى من الوجه المفضوح لاستخدام مصطلح (إصلاح) منفرداً لوحده؛ لأنّ الخلطة تزيد التعمية والتضليل وتمعن في تدوير النفايات وإعادة إنتاج نظامها القائم على تحكُّم الرثاثة بالمشهد..

وعليه فإنّ من يريد بديلا موضوعيا نوعيا صائباً يجب ألا يقع بألاعيب الدجل ومنطق الخرافة ولعبة تقليل الخسائر وهي لعبة بحقيقتها تزيد الفظاعات ومستويات الخسائر البشرية وسط الشعب؛ وعلى من يريد بديلا موضوعيا سليماً، أن يتمسك بآلية صحيحة صائبة واحدة هي تلك التي أقرتها مؤتمرات قوى يسارية و\أو ليبرالية ممثلة بآلية (التغيير) حصراً. حيث لا نفع بالترقيع المتأتي بطريق (الإصلاح) الإيهامي التضليلي بحقيقته وجوهره…

لنتنبّه جميعاً على حقيقة جد مهمة، تتمثل في أن حركة التنوير (السياسية) هي وجود يستند إلى (العقل العلمي) بعمقه الفلسفي الفكري وبروح التنوير ودمقرطة الحياة بعيداً عن الزعرنة السياسية ولطالما تحدّث قادة التغيير بمجتمعاتنا الإنسانية عن (المراهقة السياسية) وعن مرض (الطفولة…) وعن اليساروية والشعبوية وهي ما بات يجمعها اليوم مصطلح الزعرنة السياسية، بسبب حال التركيب والتعقيد في تفاقم اشتغالاتها بالاستناد إلى خطاب الخرافة وتغييب العقل والقيم المعرفية…

وليس كل من صرخ بأنه عابر (للطائفية) يعني أنه (وطني) فليس من تساوٍ بين المصطلحين: (العابر للطائفية و الوطني) إنهما توكيدا ليسا متساويين ولا يعبر أحدهما عن الآخر. إن الوطني يلغي تماما الانقسامات أو التقسيمات الطائفية حيث يرتبط الإنسان بالوطنية عبر اختلاف نوعي فكرياً في التعامل مع مصطلحي الوطن والمواطن وثيمة كل منهما والقوانين التي تحكمهما.. أما عبثية (العابر للطائفية) فهي أولا تفرض علينا قسراً الاعتراف بانقسام المجتمع الإنساني الوطني بين طوائف متعارضة وتقدم نفسها كونها بطلة تكسير الحدود بين الطوائف المصطرعة وطبعا ستعود لتكريس الانقسام خشية منها و(حنية) على أبناء الطوائف من ألم عبور التخندقات! إن العابر للطائفي مصطلح يخضع لقوانين خطاب الخرافة وأضاليل مجرمي الإسلام السياسي الظلاميين ومن يستخدمه من عناصر في قوى التنوير لا يقع وحده باللعبة وشراكها وفخاخها بل يوقع جمهوره جمهور الشعب بتلك الفخاخ الكارثية!

أزمة المصطلحات بزمننا وإدارة النهج السياسي وسلامة خطى طريق الانعتاق تنحسم لا بتضخم الذات والصوت العالي لبعض (قيادات) بل بهدوء وموضوعية ومراجعة جدية فعلية حقيقية تستند إلى أعضاء التنظيمات اليسارية والليبرالية وتلتقي بمؤتمر وطني لقوى الديموقراطية والتغيير وتحزم أمرها وتحسمه بخيار طريقها (المستقل) وليس ادعاء استقلالية افتُقِدت ((فعليا)) لا بالتحالف مع ظلامي حسب بل باستخدام خطابه وتكرار مصطلحاته وخلطاته ..

بالمناسبة أرسل لذاك (البعض) برقية أؤكد له أن (السيد) الذي يصغي له ولا يرفض له توصية هو كذلك كما تدعي وتقول ليس لأنه تغير [وأنت والناس جميعا يدركون حقيقة أنه لم يتغير] ولكنه مطمئن إلى أنك وقعت بفخِّه وتجتر (مقولاته) ومنطق خرافاته وخزعبلاته وخلطة عطار الدجالين السحرية ولهذا فقط لا غير يسمع ويصغي لك…..

ومبارك للشعب انتفاضاته الأبية الحرة وخياره طريق التنوير والعلمنة من أجل استعادة أنسنة وجوده بكامل حقوقه وحرياته وستندحر توجهات التضليل والتطبيل تلك التي مهما علا صوتها بعنايتها بآلام الناس ليست سوى ألاعيب مخادعة أو طبول جوفاء تقرع لحروب الظلاميين ومعاركهم لتخدم مخرجاتهم الكارثية…

أناديكم كافة، لا تتأخروا بالمراجعة فكل يوم يمضي على أعتاب الظلاميين يوقع مزيد خسائر وسط أهلنا.. ولتعاود كل قوى التغيير طريقها وتوحد الجهود بتحالف منسجم المكونات، يلتقي بشعار: ((التغيير طريق بناء دولة المواطنة، علمانية البنى – ديموقراطية النهج، تحقق العدالة الاجتماعية )).

لا تعليقات

اترك رد