فوضى العلامات .. قراءة في أعمال الفنان عيسى إيكن (1937 – 2016)


 

“سوف تصبح اللوحة قصيدة إذا تجاوزت كونها شكلا من أشكال اللغة التصويرية” أوكتافيو باز

“… وينتزعني حلم لقاء، في غفلة مني، في مكان ما في غيابي. من خلال التمديد، أدشن الأماكن اللامرئية، الملموسة في التشويه المتعمد، القاصية. تآكل أو طفرة. أنا أجمع شظايا ذاكرة في كفي، والموتيفات تهاجر من مكان مسلوخ إلى مكان هارب، من مكان منبوذ إلى مكان عنيد، إنها في بحث مستمر. عذاب. فوضى. ربما. العلامة، قلقة من استقلالها، موزعة، منتشرة مع آلامها. مثل فاكهة بقيت معلقة بجرح الفرع تتساقط متَّخَمة بذكرى”.

هكذا استهل الشاعر محمد الوكيرة القراءة التي خص بها تجربة الفنان عيسى إيكن، والتي نشرتها مجلة “لا” في عددها 109، بتاريخ أكتوبر 1979. الفنان التشكيلي والشاعر المغربي عيسى إيكن من مواليد 1937 بالجزائر، توفي عن عمر ناهز 79 عامًا، في مدينة الرباط المغربية. عمل طويلا في وزارة الشباب والرياضة، مصلحة الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح، كما تولى منصب مدير المعهد الملكي لتأهيل الشباب، ويعود إليه الفضل في وضع أسس دور الشباب الخاصة بالتنشيط الفني والثقافي والرياضي وتحيين برنامج قاعة النادرة للفنون التشكيلية التي تعتبر نقطة انطلاق مسارات العديد من الفنانين المغاربة كمولاي أحمد الإدريسي ومحمد القاسمي وغيرهما.

نظم أول معرض له سنة 1974 بالرباط وتونس.
شغل منصب الأمين العام ونائب رئيس الجمعية المغربية للفنون التشكيلية وعضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للفنون التشكيلية.

يذكر أن الراحل جمع بين الإبداع التشكيلي، رسما ونحتا، والشعر وتصميم المجوهرات، ومن إنتاجاته الأدبية: روايتي “زوج ودينان” التي أصدرها عام 2014، و”حب وراء القبر-2013″، وديواني:” انعكاسات غياب” و”طرق مكونة من جديد”.

أقام الفنان عيسى إيكن عام 2013 معرضا تحت عنوان «من وليلي إلى دلفي»، ضم 28 لوحة زيتية، بالإضافة إلى منحوتات خشبية وأيقونات وأسورة ومجوهرات فضية، وهو بذلك يربط من خلال اختياره الرموز المستخدمة في أعماله عن موقع «وليلي» الأثري الروماني المتواجد بناحية مكناس وسط المغرب، ومدينة «دلفي» الأثرية في اليونان، ويعتبرهما “فضاءين للذاكرة وكلاهما ملتقى للحضارات الإنسانية المشحونة بالتاريخ والثقافة والفن”.

فهو من خلال أعماله المتنوعة المشارب يجمع بين المهارة اليدوية والبحوث الفكرية لخلق عمل أصيل يبتغي إحياء آثار الماضي، واستعادة ذكريات علامات أوشك النسيان أن يطوي معالمها… “علامات ورموز، عناصر متناثرة (…) لكنها حقيقية. عناصر ثقافة نستجلي حضورها في المجوهرات والوشم، والمنسوجات، والنحت (…) عناصر نجت من تدفق الزمن، تطعمها أشكال أخرى، ناتجه عن هوس الأجيال”.

يستوحي إيكن توليفته من أسس ثقافية، بعيدا عن سبل النسخ أو التجميد، ليحول تلك التوليفات إلى رؤية شخصية للعالم. فهو يسعى من خلال أبحاثه ليشكل بؤرة تلاقي أبعاد ما يسميه العلاقة الثلاثية بين التراث الثقافي والإنسان وبيئته. يرى الباحث خليل لمرابط أن الفنان بمقاربته هاته، يحيك خيوط التواصل مع مبدأ “الضرورة الداخلية” الخاصة بالفنان الروسي، فسيلي كاند نسكي، أحد رواد المدرسة التجريدية، المبدأ/المنهج الذي انكتبت عليه نظريته والتي شرحها في كتابه “الروحية في الفن”.

لا يكتفي الفنان إيكن بتقييم مخزون من “الأشكال المجففة”، ولكنه يعيد نفخ الروح فيها، وهو ما يقوِّي، حسب رأيه، أصالتها ويدعم قوتها. فهو يؤلف بصبر وأناة، سلسلة من الأعمال تتأسس على شبكة واحدة. كل التكوين يرتكز على السطح الأولي، على هذا الشكل/البؤرة المركزية. وهو الغموض الوحيد الذي يحيل في كثير من الأحيان إلى تمثيل حُلْمي منمَّق، تُستكنَه خطوطه العريضة عبر صراع الشكل/المضمون المحتشد على خلفية غنية.

كان الرجل مفتونا بالعلامات، محررا لهموم الحياة، تاركا وراءه تراثا ثقافيا، شعريا وفنيا هائلا. فمنذ طفولته حاول أن ينمي فكره وثقافته بالانفتاح على الثقافة الشعبية، التي يعتبرها غير قابلة للتحديد والإحاطة والتقوقع داخل إطارها الأصلي التقليدي، ولكن يمكن أخذها كمذهب ذي أبعاد كونية. فالعلامات تؤثث محيطه وتشكل وتزيين القالب الذي يعتمده في مشروعه الفني منذ أول معرض له. وهكذا نجده يتنقل بين دفتي مجلدات الوشم والزليج والزربية الأمازيغية والعمارة القروية، مقتبسا رموزا وعلامات لبناء تكويناته الملونة التي تحضر أحيانا أحادية اللون، تتنقل من الأزرق البارد مرورا بالبنفسجي الباهت وصولا إلى الرمادي الملون الخفيف. ” كثيرون هم الفنانون الذين تمارس عليهم العلامة المكتوبة جاذبية كبرى، باعتبارها شاهدا citation زخرفيا يتساكن مع تشخيصية مرسلة، طبيعانية أو ما فوق طبيعية (خرافات شعبية، أساطير، أماثيل allégories …)، أو مع توابع تزيينيه كالمقاطع العمرانية والفسيفسائية ورسوم الزرابي”. إن العلامة تفهم على أنها مثير ذو علاقة بمثيرات أخرى توحي بصورته الذهنية، أي أن العلامة على حد تعبير (بيار غيرو) تمثل: “مادة محسوسة ترتبط صورتها المعنوية في إدراكنا بصورة مثير آخر تنحصر مهمته في الإيحاء تهيؤاً للاتصال”.

طيلة مساره الإبداعي، كان عيسى إيكن يبحث بشغف عن فهم ذاته وتملك الصور الذهنية التي تحيط به وتسكن مخيلته، كي يتسنى له تحويلها إلى إبداع خاص به. فكل عمل من إنتاجاته له حمولة غنية بالأفكار، والخطابات، مولدة لحوارات لا تنفذ. كما تبقى العلامات والرموز مرتبطة بمرجعياتها التي تحددها والتي تنتمي هي نفسها إلى نموذج تراثي أصيل يحمل لغة تشكيلية لها أبجديات متنوعة، مركبة من خطوط ونقط وأشكال هندسية وألوان وبصمات…

أزيد من أربعة عقود مرت والفنان عيسى إيكن متشبث بالرمز والعلامة كتيمة رئيسية يبني عليها إبداعاته. فالرمز يسكنه وهو يسكن الرمز. أبدا يسكنه، أبدا يعشقه. فيصرح:” كانت الرموز الأمازيغية بصماتي الأولى التي وهبتني حب الرسم. كل إقليم يحمل إرثا فنيا لا يموت بل يتطور كي يعطي موروثات أخرى. الكل يشد، الكل واحد وأظن هذا معنى ما أقصده بعملي”.

“إن كل مقاربة تصويرية (picturale)، تضع الممارس أمام إشكالات ثقافية ذاتية واجتماعية، تعد ضرورة حتمية. وأشكالها عناصر لها حمولة تاريخية ترتبط بقواعد إستيتية ذات علائق بمجموعات بشرية معينة. فالشكل يمكن قمعه وسحقه وحجبه على مدى العصور، فهو الأثر المسجل في عمق الذاكرة، يتغير باستمرار ويتنامى ويتحول إلى خطابات وتساؤلات تنبثق من أعماق الجذور، كي ترسم معالم دواخل المبدع: خياله وتصوراته وأساطيره والرموز التي يحملها بداخل كيانه”. (إيكن)

من المعلوم أن الرمز يتسم بكونه متغيرا ومتطورا حسب رؤية الفنان. وينضبط مفهومه حسب المنظومة السوسيو-ثقافية التي يعيش فيها المبدع، فهو دائما يبقى موضع تساؤل ونقاش بفضل إرادة الإبداع والتجاوز كما عبر عن ذلك (أوسكار ويلد):”كل فن هو بالأساس فضاء من الرموز “، فالعنصر التشكيلي/الرمز المكون للتركيب البنائي للعمل الفني لدى عيسى إيكن، هو أولا رمز كيفما كان شكله، (نقطة أو خطا أو شكلا أو لونا)، فلا يمكن أن نستهل القراءة التحليلية لأعماله التشكيلية دون العودة إلى مرجعية أبعاد اللغة الرمزية المقتبسة، وربطها ببعدها السيميولوجي. فالمنظومة المبنية من الرموز والعلامات المنتشرة بشكل لانهائي على سطح اللوحة تستدعي من المتلقي فك شفراتها حتى يتسنى له معرفة التنوع الذي يضبط عناصر مكونات وحداتها وماهياتها الأساسية. كما يصعب ربط عمله الفني بأي مرجعية أسلوبية نمطية. فما يهمه هو السعي وراء هوية شاعرية/شعرية تبحث عن شكل من أشكال الفن الشعري الذي يترجم علاقة الإنسان بقدره وحتميته.

من خصوصيات العلامة عند عيسى إيكن أنها أصبحت عنصرا تشكيليا يحتل فضاء اللوحة فيضم إليه اللون والخط لدرجة أنه يلعب على المساحة بشكل يصبح من الصعب فرز الشكل عن المضمون. فيتم احتلال الفضاء بشكل تعسفي من طرف العلامات المتناثرة، ولا يمكن التحكم في طبيعتها التي تقوم أساسا على “نظام جوهري يتكون من وجهتين وجهة حسية/حدسية، وأخرى متمثلة في الدلالة الذهنية التي تحملها”، فتحديد هوية العلامة التي تتموج على سطح الفضاء الفني، مكونة مادة أساسية في أعمال عيسى إيكن، حاملة في ثنياها معاني تشكيلية ودلالات روحانية باطنية، يتطلب من المتلقي أن يكون متوفرا على حمولة ثقافية منفتحة على التراث الأمازيغي. فبالنسبة لأعمال عيسى إيكن، يمثل البعد

الفكري/التراثي قاعدة محركة لتحويل الرمز والعلامة إلى أشكال ينبني عليها الأثر الفني. فتظهر أحيانا، لوحاته كعالم تتراقص فيه العلامات والرموز وفق بناء تشكيلي شاعري (lyrique)، وأحيانا أخرى هندسي، لا يخضع سوى لأبعاد فنية زخرفية تظهر لنا عبر مساحات تلوينية وشعرية لتكشف عن عالم تشكيلي غني في معناه، عميق في دلالاته، توحي بعالم مفتوح على رؤية تأويلية تصل الفنان بجذوره الأصيلة.

مراجع:
* الفن العربي المعاصر للدكتور عبد الكبير الخطيبي، ترجمة فريد الزاهي – شبكة قامات الثقافية.
* Khalil M’rabet – Peinture et identité, l’expérience marocaine, Ed. l’Harmatan 1987, Paris
* Kandinsky – Du spirituel dans l’art, Ed. Denoel, 1989, pour la traduction française et la préface de Philippe Sers.
* Mohamed Loakira – Moments à Issa Ikken, revue Lamalif, N°109, Octobre 1979

لا تعليقات

اترك رد