عشرة أيام من الجنون

 

يكفل دستور 2005 حرية ممارسة ما أطلق عليه الشعائر الحسينية دون أن يحدد بالضبط ما هي هذه الشعائر تاركاً باب حرية الإجتهاد – وقد دخلنا لتونا عصر الحرية الأمريكية – مشرعاً للجميع فاستُغلت هذه الحرية أبشع استغلال لتتراوح تلك الممارسات عند البعض بين التعذيب الذاتي بالسلاسل الحديدية و السيوف و هي ممارسة متوارثة كانت تنحسر و تنتشر تبعاً لموقف النظم السياسية منها ، لكنها دخيلة و ليست متأصلة في المجتمعات العربية ، و بين التعذيب النفسي و إذلال الذات و تحقيرها و هي ممارسة مستحدثة دخلت بلادنا بعد 2003 فيما دخل من عاهات و عادات و عاديات ، تؤدى في حفلات جماعية علنية . وقد نحت منحى خطيراً عندما انتهكت الطفولة و سمحت لبعض أولياء الأمور بإهراق دم أطفالهم و منهم أطفال رضع ، هذه الحفلات لم تكن علنية فقط بل كانت أحيانا ًبرعاية رسمية ، نائبة واحدة في البرلمان على الأقل رعت حفل تطبير أطفال في بغداد .

وإني و إن كنت أتحاشى الخوض في هذا الموضوع ، لا لحساسيته لكن لكثرة تكراره فقد أصبح مملاً و مقززاً بحق ، لكني سأعرج عليه باختصار ولن أتناول غير المفاصل الهامة ذات الطبيعة العامة و ذات التأثير العام

بدءً هذه الممارسات و خاصة التطبير ( أي ضرب الرأس بآلة حادة ، في الواقع لا أحد يضرب رأسه لكن بعد حلاقة اليافوخ يُجرح الجلد بشفرة حلاقة من قبل شخص آخر ، أما السيف أو الطبر أو القامة التي يحملها المشاركون فهي لأغراض استعراضية ) هذه ممارسات تخص شريحةً من طائفة لا طائفة ، ممارستها تقتصر عليهم ، اذ لا يقرها الكثير من ابناء الطائفة و ينكرها الكثير من مراجعها و رجال الدين فيها و عليه لا يجوز أن تفرض من قبل هذه الشريحة على الآخرين بأن يجوب أحياء و أزقة المدن المحتفلة قارعوا الطبول و ضاربوا الصنوج والعراة السابحون بدمائهم بخيلهم و أباعرهم لعشرة ايام بلياليها فيعيدوا الكرة بعد اربعين يوما ، إذا كان المطلوب احترام حرية هؤلاء – و إن كان الإقرار بذلك لا يستقيم مع معنى الحرية و مبادئها – فعليهم هم أيضا احترام حرية الذين لا يريدون رؤية هذه المناظر و هذا من حقهم ، في ظل الضوابط الإعلامية الحديثة إلتزمت القنوات الفضائية العالمية بإخفاء المناظر الصادمة و منها مناظر الدم في نشرات الأخبار و غيرها و تتحفظ مواقع التواصل مثل الفيسبوك على إظهارها لكنهم عندنا يجوبون الشوارع في عرض حي و مباشر و إجباري .

السؤال هنا إذا لم يع هؤلاء خطورة ما يصنعون بأنفسهم و بغيرهم ألا تعي المؤسسات الرسمية كوزارة الصحة مثلاً أن اسخدام السيوف و شفرات الحلاقة بشكل جماعي يتسبب بانتقال أمراض خطيرة من بينها الأيدز ، ناهيك طبعاً عن الآثار النفسية المدمرة لعملية تعذيب و إذلال الذات و تحقيرها وما تتركه من نتائج إجتماعية خطيرة على الفرد و المجتمع ، على من يمارسها و على من يجبر على مشاهدتها ؟

هل يجوز الركون إلى الرأي القائل أن هذه عادات متوارثة لا يمكن القضاء عليها و انتهى الأمر ؟ هل يمكن للموقف الرسمي أن يكون محايداً إلى هذا الحد و ما رأي رجال دين الطائفة بالموضوع ؟

بعضهم استنكر و حورب و بعضهم استنكر على استحياء و بعضهم لاذ بالصمت و بعضهم أجازها للرعية لكنه لم يمارسها

في العادة يصدر المرجع الديني بياناً أو فتوى في القضايا ذات الأهمية الإستثنائية أما تلك الأقل أهمية من وجهة نظره أو التي لايريد الخوض بها الا مضطراً فيجيب عنها فقط عندما يوجه له سؤال بخصوصها وهنا يقول مرجع كبير بخصوص التطبير ( إنَّ التّطْبيرَ إذا كانَ يُوجِبُ تَوهِينَ المَذْهَبِ فَلا يَجُوزُ) و هنا يضعني أنا المقلد الأمي الجاهل المتطلع لعونه وإرشاده في مأزق ( إذا ) الشرطية ، من أين لي يا مولانا أن أعرف إن كان يوهن المذهب أم لا يوهنه إذا كنت أنت لا تعرف ، أما إذا كنت تعرف و لا تقول فتلكم و الله مسألة أخرى . علاوة طبعاً عن أن هذا الإفتاء لا يهتم بما يحدث للآخرين كما هو واضح فما يهمه فقط إن كان التطبير يوهن المذهب أم لا و على الآخرين أن يبحثوا عمّن يهتم بهم .

البعض يقول أن الناس لا تلتزم بالفتاوى . هل يمكننا أن نعقل أن مقلدي مرجع ما لا تنصاع لفتواه بحرمة هذه الممارسات على فرض أنه أفتى ، و قد استطاع أن يصنع منهم جيشاً بفتوى واحدة ؟

” عشرة أيام من الجنون ” عنوان فلم من إنتاج فرنسي يتناول هذه الممارسات و قد أنتج قبل عشرات السنين و تمكن حينها من تحشيد الرأي العام الغربي ضد العرب و المسلمين في لجة الصراع مع العدو الصهيوني آنذاك . في ذلك الوقت لم يكن كثيرون في الغرب و لا عندنا بالطبع قد سمع بمصطلح الإسلاموفوبيا كثير التشعب واسع المعاني !

لا تعليقات

اترك رد