للتشاؤم أهله


 

لست من المتشائمين رغم كل ما يحيط بي من تخلف ورجعية وأجواء سلبية ولست ممن يضعون النظارة السوداء فوق أنوفهم رغم أناقتها أحيانا . أحيانا أقطب حاجبي أحيانا من التعب لا من العبوس وقلبي حافل بأغاني الربيع في أعماقي رغم الصدمات التي أتلقاها كل يوم من الرفاق والزملاء والقادة في العمل إذ أشعر أنني بين المطرقة والسندان لا هذا راض ولا ذاك قانع بما قسم له . لا نستطيع أن ننكر الشوك وليس البؤس خرافة ولكن الألم مدرسة تعلمنا أشياء لم نكن نتعلمها من دونه. وإذا أردت أن تعرف مقدار الدروس التي يعلمنا إياها الألم عليك أن تسأل أما فقدت ضناها فلذة كبدها أو أرملة فقدت زوجها أو طفلا فقد أباه أو ذاك الذي شرده ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في مخيمات اللجوء يستفيق كل صباح على أنين زوجة أو أب أو أم أو أخت والألم مراتب ودرجات فمنه ما يحرق كبرد أول الشتاء ومنه ما يورق كلفحة برد آخر الشتاء.

وقد يكون ألم الأم التي ابتلع القبر ولدها هو أكبر الهموم وأحيانا كثيرة يقودها إلى التشاؤم والحزن والاضطراب . وفي كل يوم نصادف ألف سبب يدعونا للتشاؤم والتجهم بدءا من زميل العمل النرجسي إلى المدير غير المسؤول والنكدي إلى الوصولي إلى الفضولي . هناك ألف اصبع تدل على اليأس وشبح التشاؤم كالجزار المحترف العتيق ما رأى فرحا إلا وتلمظت سكينه لذبحه.

وعندما ترى مثلي كأسا مليئة إلى نصفها بالماء أتميل للقول بأن نصفها فارغ أم نصفها مليء ؟ وهكذا الحياة فمنهم من يصف حياته بالفارغة في نصفها الأول والسوداء في نصفها الثاني ولا يرى النهار رغم وضوح الشمس .

يحكى أن الله ضاق ذرعا بالبشر بسبب شكواهم الدائمة فقرر أن يستجيب لما يشتهون وتجلى لها في ساحة اجتمعوا فيها . اشتكى الغني من غناه والحسناء من جمالها والدميمة من قبحها وألقى الشباب أمامه بطيشهم وطموحاتهم والعلماء طلبوا النجاة وجاء الجاهل بشكواه والغانية بمشكلتها . كان الناس كلهم يشتكون . فأمر الله قائلا : كونوا كما تشتهون . فكانوا . ولم تمض لحظات حتى بدأ الناس بالضجيج من جديد حتى وصلت شكواهم للسماء . لا أحد يرضى بواقعه لا الغني ولا الفقير ولا

الشباب ولا الشيوخ . تسيطر حالة التمرد وعدم الرضى على كل الناس وربما كان هنا مربط الفرس ومصدر التشاؤم .

ويحكى أن زيوس رأى جميلة الجميلات أيام الإغريق فوجدها حزينة فسألها ماذا تريدين يا سيبل؟ نظرت الأميرة الجميلة في عيني رب الأرباب وقالت : أريد الخلود يا مولاي . قال: لك الخلود . مضت سنوات والأميرة كلما كبرت في العمر صغر حجمها . ربما نسيت أن تطلب الجمال الدائم مع الخلود . ومع تغير الأجيال صار الناس ينظرون لها بشفقة كبيرة حتى أن أحد الأشخاص اصطدم بها قدمه في الطريق فاعتذر منها وأشفق على ضعفها ودمامتها فوضعها في زجاجة ثم ركنها بجانب الطريق. وفي يوم من الأيام مر زيوس بجانبها فسألها إن كانت تريد شيئا من رب الأرباب . فأجابته : نعم . أريد أن أموت .

ويحكى أنه من بين عتاة المتشائمين الشاعر العربي ابن الرومي فقد كان يسير في الطريق وشاهد خيّاطاً وبجانبه مقص مفتوح ونظر للأرض فرأى تمرة فرجع فسألوه عن السبب فأجاب: أن المقص يرمز لكلمة لا والتمرة في ذلك المكان يعني لا تمر لأن الملك كان مستعر غضباً ولو رآه لقتله.

ويحكى عنه أنه بلغ بتشاؤمه ذروته فكان يرى القبح شراً أو نذيراً بالشر فلا يرى الأعور إلا انقبضت نفسه واكتوت قامعة حزناً بلغ من تشاؤمه أن عزف عن الناس جميعاً وساء ظنه بهم وآثر العزلة عنهم والبعد عن أخيارهم وأشرارهم لأن الأخيار والأشرار أصبحوا سواء عنده في قلة الإنصاف يقول في شعر له:

ذقت الطعوم فما التفت براحة من صحبة الأخيار والأشرار

أما الصديق فلا أحب لقاءه
حذرا لعلي وكراهة الأعوار
أأحب قوماً لم يحبوا ربهم
إلا لفردوس لديـه ونار

ليس التشاؤم مذهبي في الحياة والطاقة الإيجابية هي ما أوزعه للناس كل الناس مجانا بلا مقابل رغم كل الظروف التي تحيط بنا في سورية من الشمال والجنوب والغرب والشرق . لن يدوم الليل للأبد ولا بد للنور أن يعم الأرض في يوم قادم والإنسان الرائع هو من يلتقط اللحظة الهاربة ويحولها إلى نقاء وصفاء رغم لهب الصيف وصقيع الشتاء وعتمة الليل . وبكل تأكيد عندما يعود المحراث ليحفر الأرض من جديد يعلن مقاومته للخنوع والموت ، يعلن نمو زهرة وولادة طفل وابداع فكر وقلب يهفو للقلب .

هكذا تنتصر الحياة على التشاؤم وألوانه الكامدة .

لا تعليقات

اترك رد