تأملات في سينما بازوليني ومفهومه للسينما ج3


 

عندما نتحدث عن بير باولو بازوليني، كسينمائي فقد نضطر أن نتحدث عنه كشاعر ونتلمس قوة شعريته التى واكبت التطورات الحياتية وترجمتها في قصائد ورويات ونصوص مسرحية وكذلك أفلام سينمائية، نظل مع إنسان يتألم ويترجم ألمه بعدة وسائل أدبية وفنية.

في كل أعماله نتلمس بكاء شاعر وحنينة للحضارات الزراعية ورفض تام للإستهلاك المجنون والغرق بالمادية، فهو يرى كرامة الإنسان مقدسة والحياة لا يمكن فصلها عن الفن، كان بازوليني يتخيل دائماً أنه سيقتل غدراً قرب البحر وفعلاً كانت نهايته القتل، يبدو أن إغتياله كان فعل سياسي وليس جريمة شاب يعمل كعاهر أي ذلك الشاب بيلوزي الذي اعتقلته الشرطة وحاكموه بسرعة وتم إعادة فتح ملف مقتله في 2010 حيث كشفت التحقيقات أن بازوليني كان يشتغل على بضعة أعمال أدبية ذات طابع سياسي هجومي مثل رواية “بترول” والتي طبعت بعد موته لكن هناك فصل مفقود لم يعثر عليه.

كان بازوليني يخالط الصبيان الذين يعملون بالدعارة ويحاول أن يكتشف عالمهم وسبب سلوكهم لهذا الطريق وليس فقط للمتعة الجنسية وكان التحقيق في مقتله أشبه بالتهريج وطمس الحقائق وليس كشفها.

في أول رواية له صور بازوليني لنا حياة شباب الضواحي وكلامهم ولم يتورع بعرض كلامهم الفاحش المحلي وتعرض للكثير من المضايقات لعرض هذا الواقع البائس وكشف عورة المجتمع بنشر غسيله الوسخ بكل ما تعنيه الوساخة، كان يبحث عن ما يحويه الفقر من ألم وضياع.

السينما تجربة فلسفية
أدرك بازوليني أن السينما ليست حرفة مهنية وعلم تقني وأنها تجربة تعبير شعرية وفلسفية وكان يحرص على التمعن بالوجه والجسد الإنساني ويعشق تصوير لحظات حياتية عادية فمثلاً نجد قداسة للطعام فنرى في أغلب أفلامه هناك من ياكل بيده ودون تكلف، تصوير البسطاء ومن نفس الجغرافيا التي يحط فيها، كونه كان يعتمد على ممثلين غير محترفين ويمزجهم ببعض المحترفين الذين يجلبهم معه، يصور دون أن يهتم بالصوت ثم يعيد تسجيل الصوت مع ممثلين محترفين ويضع الدبلجة.

بازوليني شاعر ذو طابع بسيولوجي درامي وله إيمان أن الطبيعي غير طبيعي كما نظن ويحوي تعقيدات وأسرار يمكن أن نكتشفها بالتأمل، لذلك لم يأبه بالديكورات والفخامة، الطبيعة كانت الحاضن ومسرح تصوير أفلامه، ينتقل من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة خارج الضجيج والفخامة المزيفة كون الطبيعة وحاصة القرى الزراعية أو الصحراء أو المناطق النائية لها طعم خاص ويعتمد على الضوء الطبيعي فهو العاشق لشمس المشرق، نحن مع أفلام رسمت تراجيديا عصرية بمعالجات لا تقبل الوسط ويخلطها بسخرية وكوميديا سوداء، يبحث عن الشخصيات ذو الطابع الغير عادي وربما فيهم نقص وضعف والسحر هنا بخلق عالم تراجيدي حي يعايشنا ويظل منقوشاً في ذاكرتنا، الشعر يغني بأعلى صوته ليصور العالم البدائي بسذجاته وطيبته وقناعته وإيمانه، بوحشيته وشره وخيره.

اوديب ملكا
نتوقف مع فيلم “اوديب ملكا” وهو من الأعمال الهامة لفهم سينما بازوليني ومفهومه الشعري، والفيلم يغوص في ذات بازوليني وعمقه الداخلي ليعرض لحظة مولده وأب كرهه وكان قاسياً، وهنا نجد علاقة حميمية مع التراجيديا اليونانية التي سخرها ليعرض جزء من سيرته الذاتية وللعلم كان بازوليني يعرف اللغة اللاتينية واليونانية ومترجم لها لذلك لم تكن أمامه صعوبات للتوغل بالتراجيديا القديمة، لسنا مع حكايات قديمة بقدر ما نجد استغلالها للمقارنة بين الماضي والحاضر وكذلك قراءة واعية للواقع وضرب كل ما هو فاشي ومادي، سينما بازوليني تشبه شعره وتشعل الحرائق والنقاشات بما فيها من اسقاطات سياسية وفضائح، نحن كذلك مع فنان يعي التاريخ وتتلمذ مع البروفيسور المؤرخ (روبرتو لونغي) أكثر أساتذة التاريخ الإيطالي شهرة ومعرفة.

ذهب بازوليني لتصوير فيلمه في أفريقيا ليعكس العلاقة بين المأساة القديمة وتجربة الاستعمار الأوروبي للبلدان الأفريقية وما خلفه هذه الاستعمار من بؤس وشقاء لتلك الشعوب المسالمة، نجد ملامح ماركسية تمجد ثورة الشعوب الأفريقية الفقيرة وكلنا يعلم أن هذه الثورات تم مجابهتها بوحشية مرعبة ورغم ذلك انتصرت واجبرت أقوى الجيوش على الإنسحاب، نحن مع حتمية تاريخية بسقوط البرجوازية والهيمنة وانتصار البسطاء، مشاهد العنف في هذا الفيلم يصور عنف الحاضر وجشع اصحاب القوة ضد العزل.

الاختلافات عديدة ومقصودة بين الفيلم والاسطورة على سبيل المثال و الصحراء لها سطوتها وحضورها وهذا نتاج التأثير الشعري والفلسفي وليست تقنية دراماتيكية.

مثال آخر ، مشهد دموي نراه عندما يرمي أوديب ببساطة حجرًا على جبين الأب (لايوس) فيموت ونرى تدفق الدم في نهاية الفيلم مختلطاً بالدموع على وجه الابن أي وجه اوديب بعد أن غرس في عينيه مشط الأم (جوكاستا). ثم يكون التشرد ، يمكننا تفسيره بأنه دوران دم آخر ، من جيل إلى آخر، من الأب إلى الابن. .

نرى أوديب يلقي الحصى على ركبتي الحراس. إنها عودة ، وربما قراءة في اللاوعي تعود إلى تجربة ذاتية جنسية لبازوليني فهو ذو ميولات مثّلية إنها ذاكرة لإثارة مثّلية جنسية، لنذهب إلى أبعد من ذلك يجلس اوديب عندما يصل الأب إلى هناك. ثم يتم تبادل تبادل النظرات بين الأب والابن الذي يظهر بشكل ظاهر أنه مثّلي، رغم هذه التدخلات الذكية فأن الفيلم يظل مفهوماً للجمهور العادي دون الوعي أن بازوليني أخذ المادة المأساوية كي يناقش حياته البشرية وتخيّلاته…يتبع

المقال السابقالجمال محكوم بالإعدام
المقال التالىللتشاؤم أهله
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد