المشكلة والحل لدى الفنان عبد الجبار الشرقاوي

 

ممثل عبارة عن مشاكل وحلول ,كل مافيه اكبر واكثر من الممكن .كان ذلك منذ صغره ,نعمة أو نقمة؟ جسد وصوت ينتميان لبعض فيأخذ الصوت من الجسد عافيته, فيضمحل, ويضمحل, لحد الذوبان في معنى ودلالة الدوال. وقد يسرق منه عافيته, لأنه كان يحترق اثناءالحوار ,ويتفاعل وكأنه يدافع عن نفسه من هجوم كاسح أو فيضان مميت, فيرفع يديه أمامه, ويصفّها, وتنفتح اصابعه كأنها سيوف مشرعات ,تتراجف ,وتوجه سهاما للهدف الذي يخافه أو يحذر منه, يصل الى حد ضحك وخوف الشخص الذي يقف أمامه بعد أن يعجز عن مواجهة هذا الهجوم اللذيذ .كان ذلك في مسلسل (الطرائف العجيبة والظرائف الغريبة ) من انتاج فيصل الياسري واخراج سلام الامير وتأليف معاذ يوسف .

المشهد فيه الفنان الانفعالي سوران شريف الذي يشاكس في فنه وفي جدّه ,وشاء القدر ان يكون معهالفنان عبد الجبار الشرقاوي الذي يزيده انفعالا لكنه متمرّسا في الهجوم على الخصم بسلاحه المتمثل بيديه وأصابعه المستسيفات(نسبة الى السيف) ,وصوته الكاسح ,وعينيه المفتوحتان حد ان يسرقا من الجبين نصف المساحة المخصصة لها ,وفمه الذي يستطيل بشدّة ,أو يستدير فيتحول الى دائرة مثيرة مخيفة ,واحيانايتحول الى نقطة ,لكنه يتلوى ويصنع تكوينات مختلفة بسرعة متناهية .فم مدمّر يتعامل مع المفردة ومع الصمت بنفس الكيفية .لايسمحللمفردة ان تخرج قبل ان يقضمها ويضيف لها توابل ولون وعطر ومطيبات عجيبة غريبة ,تكاد المفردة ان تصرخ من شدّة قسوته عليها .كان الفنان سوران يقلده احيانا فيخرج من النص للمشاكسة وينفجر (اللوكيشن) الى ضحك فيقف الشرقاوي مبتسما ينظر الى سوران بنظرة حب لامثيل لها, فيحتظنه سوران معتذرا عن هذا الخرق ,لا يسمح الشرقاوي بأن يستمر هذا طويلا لانه حينما يقف أمام الكاميرا يتحول الى كائن اخر وشخصية أخرى لها حوارها الخاص وفعلها وصوتها ونفسها وانفعالها المختلف تماما عن مايسكن الشرقاوي,


ذلك الجسد الذي يبدو نحيفا لكنه يصل الى حد الانتفاخ ان اراد له صاحبهان يكون .عيناه تنتمي الى جسده بالكامل لكنها تنتمي فعليّا الى فمه العجيب فتتشكّل احيانا وفق الايعازات التي يوجهها لها الفم ولا تتمرد الاّ قليلا فتظهر وكأنها فم على اليمين وأخر على اليسار, اذ نشاهد مثلث درامي متكلم ومتكون من ثلاثة افواه معبّرة عن فعل غالبا ماينتمي الى لقطة كبيرة (كلوز), فتلغى باقي الافعال والتكوينات,ويكسبك الوجه بأفواهه الثلاثة, وأنت تسمع وترى ولاتنزعج ,كما انك قد تحاول تقليده فغيما يفعل فتفشل في التقليد لكنك تنجح في ان تحب هذا التكوين لانه لايتركك في فعل أو حركة واحدة ,بل يجاهد كي يرمي عليك خيوطه الحريرية ويجعلك منحازا له في خطابه ونداءه ورسالته. هذا ماجعل المخرج فيصل الياسري ينحاز له كثيرا ويضمّه الى كثير من شخصياته وأعماله الارشادية والتأريخية لما يمتلك من ميزات قد يفتقر لها الكثير, منها ماتم ذكرها, واخرى ستأتي تباعا .في اللقطة المتوسطة يتحول عبد الجبار الى النصف الاعلى, المتحرك كلّيا,فينفصل جسده الى حد اللقطة التي يفهم تماما ماذا يدور في داخلهاوأمامها ,على عدسة الكاميرا وعلى الشاشة البيضاء ,فتتحرك اليدين ببعض الحرّية التي افتقدها في اللقطة الكبيرة ,وتحصل السيوف على حرّية تتمناها فتشتغل امامه لتصفع المذنب دون ان تلامس وجهه ,وتمنح له المكافئة بحركة واثقة تتحول فيها السيوف الى اغصان ورد .وتقلّ قليلا انفعالات الوجه والعين والخدود الملتصقات بجوف الجمجمة لان وجهه عبارة عن جمجمة يحيطها غلاف من الشعر الكث الذي يدخل من الجهة اليسرى ويخرج من الجهة اليمنى دون ان يتصل بشيء,لكنه يخترق الجلد والعظم فيغدوا جسرا بديعا .

انه يفهم كثيرا في صفات ودلالات وضرورات الاحجام ويتفاعل معها بأفعال مناسبة ويحاول ان يحد اللقطة بكتفيه مستغلا في ذلك المرونة التي تمنحها لها مفاصل التقاء اليدين بالرأس دون فاصل .نادرا ماتستقر تلك اليدين فتهفّي احيانا ان بلغت الحرارة مداها, وتتشابك لحظة استسلام مطلوبة, وتتعاكس أو تتنافر وترتفع وتنخفض لكنها لاتستقر ابدا,وكأنها تحاكي بعضها البعض وتتناغم مع المعنى الظاهر والمضمر ,والروح التي تستمد الحياة من كل مايدور حولها ولها .أمّا في اللقطة العامة التي تمرّس عليها الشرقاوي على خشبة المسرح كثيرا فانه يحصل على كامل حرّيته ويخفّ الوطأ قليلا على ملامح الوجه المتعب,ويقلّ تعبه وهمّه, فتهدا أنفعالاته بعد ان تتوزع على جميع اجزاءالجسد, لكنه لايترك جزءا دون ان يسبغه من نفسه شيء. يحاول انيلتصق بالارض ان طلب منه المخرج ان لا يتحرّك وهذا صعب عليه لكنه يلتزم به مرغما لا بطلا لأنه يحب التجوال كثيرا .ويلجأ الى ان يمنح يديه كثير من الحرية ,والى رقبته مزيدا من الحركة والالتفاتات المحسوبة بدقّة ويحاول ان يكون مركز لدائرته المفترضة, ويجذب الكتل اليه مرغمة, لأنه الجسد المعبّر والصوت الهادر والفعل المشتعل دراما ودراما .

ممثل واع لما يفعل ,يعلم انه امام كاميرا تلفزيونية ,أو انه على المسرح ,أو في الاذاعة فيتعامل مع كل وسيط بشكل يختلف ولو قليلا عن الوسيط الاخر .يفهم ماذا يريد ,ممثل في الفن ويعلم جيدا بأن الشخصيات التي يمثّله لاتنتمي له واقعيا, لكنها شخصيات افتراضية فيكون فيها ممثلا ,يمنحها من روحه الكثير ,ويعيشها ,لكنه لايتحول الى شخص عبد الجبار الشرقاوي كحقيقة بل يبقى ضمن حدود الممثل الذي يؤدي شخصية افتراضية .انظر اليه احيانا فأجده ينتمي الى روح الممثل العراقي غازي التكريتي ,واحيانا الممثل المصري عبد الله غيث ,ثم المصري عبد الرحمن ابو زهرة ,وأعود فأجده عبد الجبار الشرقاوي الذي يخيف بصوته الجدران ,قرارا كان أم جواب. انه جسد يمتد في شكلين احدهما ماديا يتمثل في الجسد الذي يمتد من اخمس القدم الى قمّة الرأس ,انه عبد الجبار الشرقاوي الانسان. والشكل الثاني هو الجسد الذي يشغل أفاق الخيال وعنفوان الاجتهاد والعلم والدراسة والتقنية والادوات والالات الاشتغاليةوالاجزاء والكلّيات التي تجتمع عند موهبة وابداع وتكوين الشخصية الفنية للممثل الفنان عبد الجبار الشرقاوي ,الممثل الذي قد تمثّل هذه الحرفيات مشكلة عند البعض, اذ تشغله وتعيقه عن مواصلة الابداعوالاختلاف فيقع في نمطية خطيرة لكنها حينما تجتمع عند فنان واع مثقف موهوب مثل الشرقاوي, حينها تصبح حلول ابداعية مهمة .ولد الفنان عبد الجبار الشرقاوي في 1 ديسمبر عام 1953 ,


تميّز وهو طالب ابتدائية, وتوضح تميّزه اثناء المعسكرات الكشفية فكان صوته المميز جواز سفره امام معلمه (استاذ عبد المجيد) الذي اهتم به كثيرا واختاره كي يقرأ النشيد اثناء رفع العلم (عش بعلوّ هكذا ايها العلم ..فاننا بك بعد الله نعتصم) وقدّم تمثيليلات بسيطة تميّز فيها ,كما تميّز في تجويده للقرأن وتقليد القاريءعبد الباسط عبد الصمد ,فحصل على جائزة بغداد لتلاوة القرأن .مع هذا التفوّق والتميّز ومديح الاساتذة والاصدقاء قررّ الشاب الطموح ان يطوّر موهبته ويدرس الفن في معهد الفنون الجميلة بناءا على نصيحة وجّهتها له الفنانة وداد سالم من خلال برنامجها (حقيبة الرسائل) ,ثم برنامج (مواهب ) اخراج المرحوم طارق الحمداني .دخل معهد الفنون الجميلة عام 1976 وبقي متشبثا بكل خبر او اعلان يساعده في بناء شخصيته الفنية, فعثرعلى اعلان من مصلحة السينما والمسرح يعلنون فيه حاجتهم لوجوه جديدة تشارك في فيلم اسمه (الضباب ),وتم اختياره لهذا الفيلم لكن الفيلم توقف انتاجه لضروف انتاجية .ثم ساعده الفنان (عبد الجبار العزي ) كي يعمل مع فرقة (الفنون المسرحية )والتقى برئيسها علي حسين البياتي فعمل في المسرحيات والتمثيليات التي كانت تنتجها الفرقة .


منها (الفجر ,ثمن النصر ,الاطلاقات الثلاث ) بأدوار محدودة .كانت هذه المرحلة الاولى في حياة الشرقاوي المهنية الفنية.أمّا المرحلة الثانية من حياته المهنية ,فهي تبدأ حينما انضمّ الىفرقة المسرح الجماهيري وتتلمذ حينها على يد المربّي المبدع مقدادمسلم, ومثل معه في مسرحية (البهلوان )و (الاجوف) فكان صوته عبارة عن صوت ل(100) الف متفرج كما وصفه الناقد (حسب الله يحيى ) .في المعهد حاول ان يكمل وينمّي مسيرته الفنيّة, ونشط وهو طالبا, ومثّل في اطروحة الطالب المطبّق خضير الساري(عطيل) ,شخصية عطيل ,فنجح فيها وتميّز ,واشاد فيه جميع من شاهد مسرحية (عطيل) .ثم ساعدته الفنانة (فوزية حسن ) وشجّعته ان يدخل الى الاذاعة والتلفزيون والتقى باسماء مهمة منها وجيه عبد الغني وحسين التكريتي وفلاح زكي وسمير حنا في برنامج (مواهب ),اشترك في مسلسل (شجرة تنمو عاليا )اخراج حسين التكريتي ,وعمل( يوم في مكة ) اخراج علي الانصاري .

حالت خدمة الاحتياط العسكرية دون اتمام بعض اعماله .خاض تجربة الاخراج والتمثيل واتصميمالديكور واختيار الموسيقى في عمل واحد كان عبارة عن اطروحةتخرجه من المعهد وهي مسرحية (بيت الجنون ) فنجح فيها نجاحا اكّده انتمائه للفرقة القومية للتمثيل كأصغر ممثل عمرا .عمل مع معظم مخرجي الدراما في العراق منهم نبيل يوسف وجمال عبد جاسم ورجاء كاظم وعماد بهجت .وتميّز كثيرا في الاعمال البدوية اذ اشترك في (40) مسلسلا بشخصيات مختلفة مهمة ساعده في ذلك شكله وصوته وموهبته, واجادته التامة للهجة البدوية .كما ساهم في اعمال ريفية كثيرة باكثر من (40) مسلسل تأريخي .له مسلسلات عربية وخليجية مشتركة .يعتز كثيرا في اعماله الاذاعية مع المخرج الرائد المبدع حافظ مهدي ومحمد زهير حسام وسامي السراج وفاضل خليل والعربي عبد الحميد الهواري .مثّل في اعمال كثيرة لكنه تميّز كثيرا في مسلسل (حكايات المدن الثلاث )اخراج محمد شكري جميل ,ومع المخرج عزام صالح في (سنوات النار,والمصير القادم ),ومع الفنان فارس طعمة التميمي في مسلسل (مناوي باشاج2) ,ومع الفنان المخرج اكرم كامل في مسلسل (سور الضباب ) وحصد من خلاله جائزة الابداع من وزارة الثقافة التي حصل منها ايضا على جائزة اخرى عن تمثيله في مسرحية (العلبة الحجرية ) التي نال عنها ايضاجائزة في مهرجان المسرح التاسع في الاردن .مثّل في مسرحية (المهندس والامبراطور )اخراج مقداد مسلم( 21) شخصية مختلفة .


من اعمال التلفزيونية المهمة (المقتفي بالله ) و(ابو القير ) و(اعماقالازقة ج2)و(الطوفان ثانية )و(السيدة ’عش المجانين ,شناشيل حارتنا ,اعلان حالة حب ,الاصمعي ,البرج والثعبان ,ضيف الليل ,ذئاب الليل ج2,راعي البيت , الزمن والغبار ,فاتنة بغداد ,البيت المنسي ,الحب والسلام ,شوك الصحاري ,) واعمال كثيرة اخرى .له مساهمات في السينما منها افلام (الاوجاع والمسرات ,نجم القبال ) .شهد له زملائه في العراق والعالم العربي بالتفوّق والتميز ومنهم الفنان زهير النوبانيوخالد سعيد وابراهيم ابو القير وغيرهم .اصيب بسرطان الحنجرة ثم تعافى منه, لكنه توفي اثر ذبحة صدرية في يوم الاحد 22 مايو 2016 .رحم الله المبدع عبد الجبار الشرقاوي .

لا تعليقات

اترك رد