التوحّد في القرن الواحد والعشرين

 

يعتبر الطبيب النمساوي ليو كانر Leo kanner (1943) أول من وصف حالة التوحّد، مستخدماً المصطلح أول مرّة في دراسة شملت عيّنة من أطفال محدودي الذكاء. وحدّد كانر أعراض الطفل المتوحّد التي تظهر واضحة بين السنتين الثانية والثالثة من العمر في ثلاثة معايير فقط: فقدان التواصل اللغوي، واضطرابات في التواصل الاجتماعي، وتكرار حركات وسلوكيات وإيماءات، أو ترديد عبارات لا معنى مُحدَّداً لها، بالإضافة إلى مقاومة أي تغيير في البيئة، وضعف واضح في القدرة على التخييل واللعب، أو الربط بين الأفكار والأشياء، بالرغم من تمتع الطفل بنموٍ جسماني اعتيادي.1 وفي عام (1944)، ميّز الطبيب النفسي هانز آسبرجر H. Asperger مجموعة أخرى من الأطفال الذين يشبهون حالات كانر إلا أن أعراضهم أقل وطأة واختلالاً.

وفي آخر تحديث على الدليل التشخيصي والاحصائي، وفي نسخته الخامسة (DSM-5) عام (2013)، دمجت اضطرابات التوحّد مع الآسبرجر والاضطرابات الأقل شدّة تحت مظلّة طيف التوحّد (ASD)، ويتسلسل هذا الطيف حسب شدّة الحالة، من حيث التأثير الملحوظ على الأداءين اللّغوي والسلوكي، ومحدودية التواصل والاهتمامات، والأصوات والسلوكيات المكرّرة، وضعف الذكاء ومحدوديته في (%25-%75) من الحالات.2

نعم، إن البتّ بتشخيص التوحّد أمرٌ غير مفروغ منه في العالم حتى الآن، بل إن تحديد الطيف وطرق تشخيصه وأسباب حدوثه وحتى نجاعة العلاجات ما زالت في مهدها حتى الآن، بل -وحتى الآن أيضاً- لا يدرك الباحثون مدى الموثوقية والصحة من الهيكل الذي بني عليه الطيف. بالتأكيد إن تصنيف اضطرابات التوحّد لم يأت فرضاً عشوائياً، ولكنه يستند على الحكم العلمي Scientific Judgment والخبرات السريرية Clinical Experience أكثر من استناده على العوامل البيولوجية، مثل التغيّر الجيني أو الباثالوجيا الدماغية وغيرها من الأدلة التي تعتبر أكثر صحّة ومصداقية في التسلسل الهرمي للأدلة العلمية Hierarchy of Evidence.

علاوة على كل ما سبق، إن تشخيص التوحّد أمرٌ جلل وغير هيّن من وجهة نظر الأسرة، لكونه تحدياً كبيراً لها، وإن أعراض التوحّد ترافق الطفل –بل الأسرة- باقي حياتها، ربما تختفي بعض الأعراض أو تقلّ حِدّتها بفعل العلاجات والتدريبات السلوكية والتعليمية المُكثّفة. لكن يبقى التشخيص والتوصل للتشخيص أمرٌ لا يستسهل أو يستهان به بأي حال من الأحوال، لذلك تجد الطبيب النفسي كثيراً ما يشرك أطباء من اختصاصات أخرى كطبيب أعصاب وأطفال والسمع والتخاطب ناهيك عن والباحث الاجتماعي والمعلم قبل البتّ بواقع الطفل وتحديد مسار حياته.

ما دعاني إلى الكتابة عن الموضوع هو الزيادة الرهيبة في طيف التوحد في السنوات الأخيرة، إذ كان معدل حظوظ تشخيص التوحّد، في عام (1978)، أربعة لكل 10,000 طفل؛ ازدادت النسبة إلى 1% من أطفال العالم في عام (2006)3، وهي نسبة رهيبة ومهولة وخطرة وكل ما تريد أن تصف وتقول. ولم ينتهي الموضوع عند هذا الحدّ، فقد ازدادت النسبة وما زالت في ارتفاع، وإن آخر رصد آخر رصد لمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) سجل زيادة وصلت إلى معدل طفل واحد لكل 59 طفلاً4.

لا يستطيع أحد تفسير هذه الزيادة وتعليلها، وبالرغم من تحفظ المراكز حول الموضوع، إلا أنها تعترف أن نطاق التشخيص توسّع ليشمل حالات أكثر اعتدالاً، بل إنه يشمل حالات لا تتعدى أن تكون “تأخر في النطق” أو “مشاكل في السمع” وما إلى ذلك. إن الافراط في التشخيص أدى إلى اعتبار نطاق السلوك الطبيعي سلوكاً مرضياً، وبالتالي ازداد السعي نحو علاجات غير ضرورية لحالات لا تمتّ لطيف التوحّد بصلة، وذلك ما تطلق عليه الفيلسوفة الإنجليزية ميراندا فريكر Miranda Fricker (2007) بالظلم التأويلي، بما يسبب هذا الاقحام من هوّة في الفهم الاجتماعي لمجموعات مضطهدة نتيجة مسميات أخرى أكثر اضواءً وبريقاً.

وفي الآن نفسه، تتنامى في الشرق والغرب حركات اجتماعية تعارض فكرة أن يكون طيف التوحّد مرضاً Disorder أو عجزاً Impairment، وتعتبره مجرد تنوع عصبي Neurodiversity. بل إنها تعيد وتصقل بموضوعة الظلم الحاصل للأطفال من أمر التشخيص. وفي الحقيقة أن هذه الحركات تكيل بمكيالين، إذ إن أغلب مناظراتها تتبع تناقضاً واضحاً في فهم طيف التوحّد; فلو اعتبرنا طيف التوحد مجرد تجربة يجب الاحتفاء بها، فلماذا يجدر بنا «تشخيصه» ومن ثم البحث له عن «علاج» كما يطلبون؟ وكيف نشيد بطيف التوحّد اجتماعياً من جهة، ومن ثم نسعى إلى «معالجته» من جهة أخرى؟5

ولو سلمنا إن التوحّد تنوع عصبي Neurodiversity، وإنه محض تغيّر طبيعي في حالة الإنسان الحديث; فإن ذلك يوّلد لدينا تبعات وتساؤلات أخر، لا المسمى فحسب; فهل نمنح المتوحّدين ذات الحقوق القانونية التي يتمتع بها الآخرون؟ أو هل نعاملهم معاملة مختلفة؟ وإن كان الأمر كذلك، كيف؟ كيف نشكّك بالطرق السريرية والعلاجية المتبّعة، ومن ثم نطالب أن يكون للمتوحّدين تأهيلاً إضافياً واحتياجات خاصة؟ إن المعضلة في امتداد تاريخ طيف التوحّد تكمن في تغيّر الآراء حول ما إذا كان التوحّد تصنيف يقبل القياس والتحديد وفق المعايير الطبية أو إنه جزء من الحياة الرقمية الحديثة؟

لا يختلف اثنان حول هوس الأطفال -والمتوحدين بالأخص- بالأجهزة الرقمية والتقانات الحديثة، ولا يُنكر أيضاً أن الأعراض الانعزالية موجودة في كثير من أطفال اليوم إلى حدٍّ ما. وإن هناك تناسب طرّدي بين عقل الطفل المتوحّد وبين العقل التقني، فكلما تطوّرت التقانات ازدادت الحالات انعزالاً، وكلما تقدّم التطور الرقمي ازدادت الحالات من حيث العدد والاختلال. فما السبب –في رأيكم- وراء ذلك؟

مجدداً لا أحد يعلم حتى الآن، في مقاربة رائعة لمدير مركز أبحاث التوحّد في جامعة كامبردج، يكتب سيمون كوهين Simon Baron-Cohen عن العلاقة بين أجهزة الكومبيوتر وطفل التوحّد فيقول; «إن أجهزة الكومبيوتر تعمل بدقة متطرّفة، وكذلك عقل المتوحّد. وإن الأجهزة تتعامل برموز ثنائية السواد والبياض، وكذلك عقل المتوحّد. إن كلاهما يلتزم بالقواعد بتركيز وصرامة، وكلاهما يمكن أن نطلق على معالجه “أو دماغه” بالمنظّم الأقصى ultimate systemizer. إذ يميل عقل الطفل المتوحّد – في أي مستوى ذكاء كان- إلى الجوانب الرقمية من حواسيب وأجهزة لوحية وهواتف ذكية لما تتمتع به من بيانات يمكن التنبؤ بها ويمكن معرفة قانونيتها»6.

إن عالم البشر وعواطفهم الغامضة وغير المتوقعة أمرٌ معقد ومزعج بالنسبة للطفل المتوحّد، لذلك تجده يفضل نقرات الهاتف السهلة، لأنها تؤدي -وفي كل مرة- إلى نتيجة يمكنه التنبؤ بها ومعرفتها، وغالباً ما تكون النتائج جذابة ومطمّئنة أكثر منها معقّدة ومربكة. إن الأطفال المصابين بالتوحّد يطوّرون في العادة فهماً حدسياً لأجهزة الكمبيوتر بالطريقة نفسها التي يطوّر بها الأطفال الآخرون فهماً بديهياً للبشر.

لذا نحتاج في القرن الواحد والعشرين إلى إعادة التقارب مع الطفل، سواء كان متوحّداً أو غير متوحّد، لا بمنهجية سلوكية جامدة، وكأن الطفل إنسان آلي ينبغي إيجاد وسيلة لفكّ شيفرته، من أجل أن ينضبط ويتكيف، مهما كلّف الأمر، مع الحفاظ على المعيار الاجتماعي، ومن دون الاكتراث لتفرّد الطفل الواحد وعشريني وانعزاله الإرادي. نحتاج اليوم إلى طريقة تواصل مرنة -وجديدة- تحفظ للطفل استقلاله الذاتي في الحياة اليومية، وفي أوقات الترفيه، وفي توجيه السلوكيات.

المصادر:
1- سبيلا محمد، والهرموزي نوح. موسوعة المفاهيم الأساسية في العلوم الانسانية والفلسفة. الطبعة الأولى، دار المتوسط. ص147.
2- Reichenberg, Lourie W. DSM-5 Essentials the Savvy Clinicians Guide to the Changes in Criteria. 1st ed., Wiley, 2014.
3- Sadock, Benjamin James, and Virginia Alcott Sadock. Kaplan & Sadocks Synopsis of Psychiatry Behavioral Sciences, Clinical Psychiatry; Wolters Kluwer, 2015.
4- Autism Spectrum Disorder (ASD).” Centers for Disease Control and Prevention, Centers for Disease Control and Prevention, 26 Apr. 2018,
5- Kendler, Kenneth S., and Josef Parnas. Philosophical Issues in Psychiatry: Explanation, Phenomenology, and Nosology. Johns Hopkins University Press, 2015.
6- What are you optimistic about?” Edge.org 1 Jan. 1970

لا تعليقات

اترك رد