زاد الحديث عن البقر

 

عندما جاء ترامب مع زوجته و بنته إلى السعودية في الشهر الخامس من العام الماضي، كانت تلك الزيارة مشؤومة لنا نحن العرب بشكل عام.
ففي زيارة واحدة فقط إستطاع أن يبرم صفقة اسلحة بمقدار 400 مليار دولار أمريكي.
هذه الصفقة تعتبر نكسة في تاريخ المنطقة لأنها استنزفت ميزاتية اغنى دولة في المنطقة، و حتى و لو اعتبر المال ملك للدولة السعودية، فهذا المال في الواقع مهم لنا كلنا شعوب الشرق الأوسط، فلقد كان من الاجدى استثماره في مشاريع بناء للمجتمعات العربية (و الشرق اوسطية).
و أيضا (وذلك اهم من النقطة الأولى) فإن السلاح نفسه مضر لنا نحن العرب بالدرجة الأولى و الأخيرة، فذلك السلاح لن يستعمل إلا في حروبنا البلهاء ضد بعضنا البعض، فلا أظن أن لدينا عدو حقيقي نقاتله. فالبعبع الذي يمكث بين اضلاعنا (إسرائيل) يكاد يصل إلى موقع السلام الذي يطمح إليه عن طريق القوة العسكرية و الدعم الدولي الكاسح و التخاذل العربي و أيضا لاكتشاف حقول الغاز و النفط في البحر المتوسط و التي سوف تدر بعون الله على إسرائيل أموال طائلة تغنيهم عن المعونات الدولية.
لذا فإن كل قطعة سلاح يقتنيها أي عربي أو شرق أوسطي (العرب و إيران و تركيا و كوردستان) فذلك السلاح لن يستعمل إلا ضد بعضنا. فلا أرى إلا صور مريعة من اليمن و دول أخرى حيث تسفك الدماء من دون ادنى ذرة رحمة و انسانية.

و بعد أن وقعت تلك الصفقة المشؤومة، خرج إلينا وزير خارجية إيران (جواد ظريف ) ليصف صفقة السلاح تلك ب “استحلاب” و لقد قال ذلك باستهزاء و نوع من الغبطة، كما لو إن ترامب قد استنزف طاقة عدو له. و لقد احزنتني تلك العبارة التي سرعان ما تناقلها كل الببغائات المناصرين لإيران و زادوا عليها بتسميات مثل “بقر” و ما شابه.
و هنا لم تفهم إيران دورها في هذه الكارثة، فلم اسمع يوما عن مسؤول إيراني يأتي بأي بادرة اصلاح للمنطقة او للعالم، بل كل ما يقال هو دعوة للحرب ضد كل من لا يتفق مع الرؤية الإيرانية، و هذه الفكر العدائي المستمر يدفعها إلى صناعة قوة عسكرية باي طريقة ممكنة. فمن جهة تجد ايران تتحالف مع دول مثل روسيا و الصين و مجاميع مثل الاتحاد الأوروبي فقط للحصول على التقنية و السلاح مقابل ميزات اقتصادية (النفط). و من جهة اخرى تجد إيران تستخدم القوى الدينية الناعمة بغزارة، و ذلك لمد جذور و اذرع في منطقة الشرق الأوسط، فترى على هذه الحال كيف أن الشعوب و الأفراد يجندون في صفها بشكل أو بآخر.
و أخيرا تعتقد إيران بأن حصولها على الصولجان السحري (السلاح النووي) هو ما سوف يعطيها مناعة الدول العظمى، و لذا فإنها منذ سنوات تسعى لتطوير تقنية الطاقة النووية (بحجة حاجتها للطاقة) و ذلك السعي الدؤوب هو ذو اولوية قسوى على ما سواه من الامور الهامة.

و لكن، إيران و السعودية، كلاهما في المصيدة و نحن الدول العربية الأخرى بدورنا حشرنا في نفس المصيدة، و كأننا قطيع من البقر الهائج الذي حبس داخل سياج حظيرة، نتناطح و نتدافع و لا ننتبه إلى القصاب الذي يلتهم منا واحد تلو الآخر.

زاد الحديث عن البقر، ليس في مهاترات مواقع التواصل الإجتماعي بل في أروقة الأمم المتحدة، حيث اجتمع البقر و هم يخورون لما يقع عليهم من العذاب. فها هو ذا ترامب يلوح بمزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران و يهدد كل من لا يطيعه بالعقوبات و هو بذلك يفرض الهيبة الامريكية على كل دول العالم. و من جهة أخرى يأمر دول الخليج بزيادة انتاج النفط لكي يحافض على التوازن الاقتصادي/السياسي، و لكن تلك الزيادة سوف تكون مضرة بشكل مباشر لدول الخليج.

زاد الحديث عن البقر، كلنا نستحلب او نذبح، لا احد معفي. و لقد اصبحنا بقر بسبب مناهجنا و افكارنا و لا شيء آخر. فبدل من أن نتناطح و نتصادم في ما بيننا مثل الأبقار، كان من الأجدى أن نجتمع بشكل سلمي لنتعاون في ما بيننا و نكون حينها دول و مجتمعات و افراد مكتملين بعقولنا و أفعالنا، حينها فقط سوف ننجح.

لا تعليقات

اترك رد