مكانة التعليم بين الاهتمام والتهميش ونتائجهما

 

تاريخياً وجد التعليم تذبذباً كبيراً. فمرة وصل الأمر بأن يُمنح الكتّاب وزن مؤلَّفاتهم ذهباً كما فعل المأمون ومرات كانوا يهرّبونها كي لا تتعرض للحرق كما وقع زمن هولاكو واحتلاله… ومنذ عصر النهضة بالمنطقة ومنها عهد ولادة الدولة العراقية حظي المعلم بقدسية بخلاف السخرية من الدجالين وكان المجتمع يمنح المتعلم مكانة سامية وصدر التراتيبية السائدة على الرغم من طابع علاقات الإنتاج وما جسَّدته من علاقات اجتماعية وطابعها المنعكس فيها…

لقد دفع المجتمع العراقي أبناءه للتعلم في الكتاتيب وما ناظرها من مؤسسة؛ فيما حرص لاحقا على إلحاق الأبناء بالمدارس الحديثة، ليتابعوا تعليمهم.. ومع أن محدودية تلك المدارس وربما انعدامها بكثير من الأقضية والنواحي أو القرى البعيدة قد حال بين التلامذة والتعليم إلا أن نسبة متنامية كانت تنظم لمؤسسات التعليم بما لها وعليها من أمور آنذاك…

وتجدر الإشارة إلى حقائق بشأن اهتمام الدولة أيضا بالتعليم يوم كانت تُعنى بمنح الكسوة من الملابس ومحاولات أولية، على ضعفها وهزالها، في تغذية الفقراء. كان هذا بمستوى التعليم الابتدائي مع تنبيه على تعليم عالٍ استطاع أن يسبق بلداناً أخرى فساهم لاحقا بدفقات داعمة للتعليم فيها كما بوجود التدريسي العراقي في تونس وليبيا والجزائر وغيرها…

وما أن حلت ستينات القرن المنصرم حتى اتسع التعليم الابتدائي والمتوسط وشمل مناطق جديدة بافتتاح المدارس والفصول الدراسية بمناطق نائية؛ من دون أن يكون ذلك جوهرياً حتى جاءت النقلة الاقتصادية مطلع السبعينات والقرارات التي أعقبت مؤتمرات منتصف تلك السنوات حيث أشرت اليونسكو نجاح العراق في فرض التعليم الإلزامي ومجانيته مع حملات مكافحة الأمية…

وفي العام 1982 باتت الأمية عراقياً من الماضي وبات الانتساب للتعليم بنسبة 100% من الجيل المشمول به. وكان النظام التعليمي قد انصبّ على جدولة إيجابية منهجياً مستفيدا من دراسات وبحوث آنذاك.. لكن سرعان ما انقلبت الأمور بدخول الحروب العبثية وما فُرِض منها ومن حصار دولي وقع على المجتمع أكثر منه على السلطة التي تابعت نهجها السياسي…

ومع دخول القوات الدولية بغداد لم يرَ الشعبُ ما كانت الطبول تقرع له من (تحرير) و(تغيير)، ففي العام 2003 كانت أولى مؤشرات دخول تلك القوات حال من الانفلات الأمني على خلفية الابتداء بتحطيم المؤسسة العسكرية وحل الجيش العراقي بأكمله مع تفكيك المؤسسات الاستخبارية والأمنية والانشغال بأمور لم يكن من بينها تأمين الثروات الوطنية ومن أبرزها وأهمها المكتبات الكبرى وتلك الموجودة في الجامعات وفي المدن والأحياء ودور الوثائق ومراكز البحث العلمي التي طاولتها حرائق أشبه بمحارق المغول والفاشست النازيين مثلما طاولها النهب والسلب بأيادٍ محلية وأخرى خارجية..

وهكذا فإن الأبنية المدرسية المتهالكة وتلك التي دمرتها الحروب المتتابعة مع توقف تام لأي بناء جديد في تلك المؤسسة أو إعادة إعمارها؛ كان قد نجم عنه بذور خراب لم تشهده البلاد إلا بعهود ظلامية سحيقة في القدم.. وبعد أن كانت الأمية تتلاشى عادت لتشكل ظاهرة هي الأوسع بين دول المنطقة…

إنّ الأمية التي كانت عراقياً 00% مطلع الثمانينات باتت تشكل أكثر من ثلثي البالغين في العقد الأخير وربما تضعها الإحصاءات الرسمية بنسبة 60% فقط بما يعادل 24 مليون منهم 6 مليون بالغ أمي لا يقرأ ولا يكتب نهائياً…!

إن تفشي الأمية صنوان مع وجود دولة تهمل (التعليم) وتحديداً التعليم الأولي الابتدائي المتعلق بمعرفة (اللغة) قراءة وكتابة وأوليات المعارف العامة.. صنوان مع دولة تهمل التعليم بخلفية ازدراء قيمته وتنحية موقع أو مكانة المتعلم لصالح تسيّد مالكي المال بأية طريقة أمتلكوه، أي من دون البحث في مصادر المال بل بشرعنة النهب العلني…

لقد انهار التعليم ليس بسبب تهميشه التام في الموازنات وليس بخلفية حروب الطائفية ومشاغلتها المجتمع بالإرهاب وعنفه الدموي الهمجي ولكن ايضاً بسبب انهيار البنية التحتية للتعليم سواء من أبنية وأجهزة وملحقات أم من ثروة بشرية تدير العملية التعليمية…

فنسبة الخراب في الأبنية والأجهزة والمكتبات تصل بربع تلك المؤسسات إلى مستوى الدمار التام فيما نصفها دماره شبه كلي .. ولم يجرِ سوى إعداد بعضها لا تأهيله كليا كما كان ينبغي الأمر الذي عاد بالخراب مجددا للاتشاع والتكريس عبر دمار آخر لمدن واقضية ونواحي مساحة ثلث العراق… لكن الأخطر يكمن فيما اشرنا إليه من خراب الكوادر البشرية!

لقد بدأت حملة مقصودة في استهداف الكوادر العلمية من تدريسيين ومن علماء وباحثين فتم اغتيال لا مئات بل آلاف مع اضطرار آلاف أخرى إلى الهرب والهجرة بعيداً عن الوطن.. الأمر الذي شكَّل خسارة فادحة لا يمكن تعويضها في عقود من الزمن كما أن مخرجات التعليم الحالي لا ترقى لخبرات المرحلة السابقة ولا نقول الضرورة اللاحقة…

ومن المفيد أن أشير هنا إلى حقيقة تجنب بعض المحللين في شؤون التعليم أية مقارنة أو وضع أية تقديرات واقعية لكوادر التعليم في موقف سياسي مسبق وكأن ذكر وجود أستاذ أو عالم عراقي للسبعينات والثمانينات وما قبلهما يعني بالضرورة إشادة بالنظم السياسية السابقة الأمر الذي يجعل ذاك البعض يميل إلى عدم التطرق للحقائق بينما الصحيح الصائب أن نؤكد أن الشعب العراقي شعب محب للعلم والعلماء محب لتعليم الأبناء وإقران النجاح بدرجة التعليم ومخرجاته وأن العلماء هم أبناء الشعب لا النظم السياسية المتعاقبة…

وبهذا فإن الواقعي الصحيح أن يجري إدانة مجمل العبث الراهن في نهب شامل للنزر اليسير مما يُرصد للتعليم في الموازنات حتى بات التعليم العراقي خارج إطار المعايير الدولية طوال المدة التي أعقبت 2003 حتى يومنا وأن دخول جامعة جدولا معياريا عالميا مؤخرا لا يشير إلى منظومة التعليم وانهيارها الشامل…

وفيما امتلك الشعب اهتماما بالتعليم فرض إرادته على الحكومات والأنظمة واكتسب قدرات مميزة مهولة جعلت التدريسي العراقي محط احترام نظرائه في دول المنطقة… بينما كان ورود التخريب الثقافي الروحي للمجتمع سببا كارثيا خطيرا في تمرير مخططات قوى الطائفية التي لم تلغِ للاقتصاد دوران عجلته حسب بل ألغت أي خطوة لإعداد كوادر علمية منتجة تدير الاقتصاد وتتقدم به…

إن فلسفة الخرافة ومخادعاتها من تلك التي تسوّق لما يُسمى اعتقاداً دينيا ولقدسية مصطنعة متوهمة (لأناس) يسمونها مرجعيات قد دفعت لاهتمام بمنتديات الدجل والتخريف وخطاب الزعرنة وهو ما أباح ويبيح كل أشكال النهب والسلب والسرقة إحرازاً للمكان والمكانة بمجتمع غزته الأوبئة الروحية العقيدية ودمرت منطق العقل فيه.

وهكذا نشهد ندوات يحضرها أفراد على عدد أصابع الكف لكبار العلماء والمفكرين التنويريين بينما يحضر لدجال من السوقة السارقين آلاف مؤلفة يصلون عليه ويهتفون له في كل خرافاته العجائبية التي لا يصدقها عقل طفل لو تعلم قراءة وكتابة!

وأشاعت ما يسمونها المرجعيات، المدارسَ الدينية والحوزات التي تحشو العقول المفرغة بترهات ما أنزل الله بها من سلطان وكي تحافظ على سلطانها وسطوتها أضفت وتضفي القدسية والعصمة على وجودها وتكفّر من يفضح دجلها وبهتان خطابها…

ومن أجل مزيد قبول تمددوا أكثر واحتلوا التعليم (الأهلي) ليديروه على وفق مناهجهم ومنطق أضاليلهم ويقدموا مخرجات لا علاقة لها بسوق إعادة الإعمار والبناء إلا بالنقيض الذي لا يكتفي بعدم البناء ولكن يشتغل هدماً وتخريباً بكل الاتجاهات والمسارات…

في مثل هذا المشهد تجد لا من يصعب عليه قراءة نص بل من لا يكتب كلمة من ثلاثة أحرف بصورة سليمة فهو يكتب أنا أنى وأنت أنتي أو أنتى ويكتب نحن نحنو أو ناحنو وتلك مجرد مقدمة تشير إلى من يوقع كتبا رسمية في دوائر الدولة العليا ملأى لا بالأخطاء الإملائية بل بالأخطاء التعبيرية الكارثية!

ولكن القضية الأبعد تكمن في التجهيل الفكري الثقافي الروحي بأبعاده حيث العتمة والظلمة بانطفاء كهرباء العقل لا (الكهرباء الوطنية) التي يعرفها العراقي جزءا من تفاصيل يومه العادي!

إنّ أسباب نجاح النظام الطائفي الظلامي في تمرير جريمة تخريب التعليم الأساس تبدأ من ذاك التخريب لمنظومة القيم المجتمعية وقتل الاهتمام بالتعليم ومحو منطق احترام المتعلم وتقديس المعلم لتصير بدائل احترام الإنسان كامنة ليس بدرجة ما كسبه من التعليم بل بدرجة ما نهبه ويمكنه نهبه من أموال وأشياء!

ألم تصبح دروس (تعاليم) الدجل الطائفي وأوهامها دروسا بديلة اخترقت المدرسة المدنية السليمة لتمرضها بأوبئة لا علاقة لها بدين!؟ تلك مجرد حصة تعليمية مما خربوا التعليم به لتخريب بناء العقل البشري وإعداده لمنطق الكره والحقد والضغينة والانتقام والثأر أما لماذا وممن؟ فلا جواب حتى عند الأهالي المعجونين على هذا الخراب بما تفشى وسطهم من أمية وبما جاء بديلا للعقل وأنوار علومه من خرافات وقدسية كاذبة مزيفة…

في هذه المنطقة يصير للأمية مكانتها مقابل حجم مافي جيب المرء من مسروقات أو رشى ومكتسبات بالمغالبة والشطارة وعاد الشطار والعيارون مع محنة العقل العلمي وهزيمته بالحروب وببلطجة أذرع التشدد والتطرف ومرجعيات الخرافة وأضاليل القدسية المزورة المزيفة…

ولا مصير سلامة ولا مستقبل لمجتمع يحيا بعلوم الماضي بعد أن زادت شقة البعد بين عوالمنا بفضل التقدم التكنولوجي المتسارع بطريقة مريعة لمجتمع أمي لا في القراءة والكتابة بل أمي بكل شيء ومنه أولا وآخرا الأمية ومن ثم العجز في استيعاب العلوم الأحدث!

أبعد ذلك يمكن لعاقل أن يتحدث عن حلول موضوعية بمجتمع تسوده أمية أبجدية فيما العالم يتحدث عن بدائل وحلول للأمية المعرفية العلمية!؟

بلى، يوجد من يفكر بذاك التخلف عندما يصر مفرَّغي العقول على اللهاث خلف خرافات لمجرد أن من يسوِّقها يدعي القدسية ولمجرد أنه يدعي كونه سيد والجموع (عامة) ملزمين بتقبيل يديه! والانشغال بالتمسح بأذياله!!

إنني لا أعالج الأمية هنا بمشروعات معروف مدخلها مما يتمثل بالركائز الأساس للتنمية البشرية حيث إزاحة كل المتجلببين المعممين عن سلطة القرار المجتمعي والرسمي الحكومي وحيث تطبيق برامج تمتلك موازنات ذات أولوية كافية تتناسب وحجم الأمية وحجم الضرورة لإشادة الأبنية والمؤسسات بما يوفر أفضل شروط العملية التعليمية وأحدثها… هذا له تسلسله التالي ولكنني أعالج مخاطر (تفشي الأميتين وتجهيل المجتمع) باحثا في وسائل الإتيان بالبديل المعرفي العلمي الأنجع والأنضج..

وبخلاف ذلك فإن مجتمعا تسوده الأمية هو مجتمع مرشح للزوال والفناء و\أو العيش عبيداً خانعين أذلاء لسوقة القوم يقدمون قرابينهم للمافيات الدولية رؤوسا بشرية بلا ثمن ولا ألم أسى أو حزن على تلك الضحايا!!!

من هنا فإن قضية التعليم تحولت اليوم من تناقل المعارف من جيل إلى آخر إلى تناقل العلم بأحدث منجزاته بين الشعوب والأمم وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون أرضية سليمة خصبة قادرة على تحقيق الأمر..

ولعل تحقيق مطاردة التقدم الأبعد لا يكون من دون:

استعادة البنية التحتية لمؤسسة التعليم.
استعادة مكانة التعليم مجتمعيا.
إيجاد أولوية مطلقة للتعليم بأداء مستلزمات ما يحقق تلك الأولوية.
ولوج المعايير الدولية الأحدث للعمل التعليمي الأساس والعالي المتخصص.
استقطاب آخر المنجزات ووضعها بين ايدي طلبة العلوم والمعارف.
إطلاق منهجية الإبداع وإنهاء كلي لمنهج التعليم الملائي الكتاتيبي.
حظر ما يسمى تعليما دينيا بكل أشكاله ووقف كل المشروعات المضللة التي اخترقت منظومة التعليم.
تجريم الدجل والخرافة ومن يمارسها وفتح آفاق حرية العقل العلمي في اشتغاله.
وضع خطة عملية بأسقف زمنية لكل فئة عمرية لمحو الأميتين الأبحدية والثقافية.
مصادرة قنوات التدين المزعوم ووضعها بخدمة المنجز الثقافي التنويري والعملية التعليمية وأولها محو الأمية إلزاميا…

إن هذه الرؤى لا تتوهم التفعيل من طرف القوى الظلامية المتحكمة اليوم ولكنها تتطلع لنشر حملات توعية وتثقيف وكشف المستور كيما توجد أرضية ضاغطة لتحقيق التغيير المنشود والتوجه إلى مشروع إنقاذ حياة شعب بعشرات الملايين قبل أن يقال: لات ساعة مندم!

لا تعليقات

اترك رد