فيزياء الفساد


 

على الرغم من أنني على مسافة مئة عام ضوئي تقريبًا من الحصول على درجة الدكتوراه في الفيزياء ، أنا أدرك أن المحترفين في هذا المجال يبحثون منذ فترة طويلة عن “نظرية موحدة” – تشرح كيف يعمل الكون في قانون واحد بسيط. هذا الطموح كبير جدا بالنسبة لي .
لكن ما أنوي القيام به في هذا المجال بعد ملاحظة الفوضى الرهيبة التي يجد الأمريكيون أنفسهم فيها في العديد من المجالات بالمقارنة مع حياتنا الوطنية بدءا من الاحتيال الصارخ المستمر في القطاع المالي إلى ميزانية البنتاغون المنتفخة على نحو سخيف وصولا إلى تكاليف الرعاية الصحية الجامحة . أريد فقط أن أقترح “نظرية موحدة” لمرض أمريكا الذي يطلق عليه عادة اسم “الجمود الأخلاقي” (وهو مصطلح أحبه أكثر من مصطلح “نحن جميعنا محكومون بالقدر”.
الحقيقة الأكثر أهمية حول مصطلح ” الجمود الأخلاقي” والشيء الذي يجعله خطيراً للغاية ، هو أنه لا يتم فرضه علينا من قبل أشخاص سيئين أصلاً بل من قبل عصابة شريرة من المجانين يعتزمون حكم العالم. (نعتذر عن تخييب أمل جميع أصحاب نظرية المؤامرة هناك.)
كلا ، يتم الحديث عنها والمحافظة عليها من قبل أشخاص في العديد من نواحي الحياة المختلفة وخاصة أولئك الذين لديهم شيء مشترك فيما بينهم مثل : المصلحة الذاتية الضيقة للغاية في مجال معين والذين لا يسعون أبداً إلى تغيير الظروف بغض النظر عن مدى فسادهم و وجودهم المدمر للمجتمع .
و بعبارة أخرى لنضع الأمور في نصابها الصحيح : إن الكثير من الناس يجنون الكثير من المال لدرجة أنه من المستحيل أن يتحمس هؤلاء للتغيير .وهؤلاء الأمريكيون لديهم ما يكفي من الخير الوفير لدرجة أنهم يفضلون أن يظلوا في حالة إنكار للتغيير ورفض له وهم مستعدون لأن يحرقوا المجتمع بأكمله بدلاً من اختيار طريق التغيير الضروري.
ماذا عن تغير المناخ؟ هناك مثال خرافي للغاية فقد أصدرت ندوة عالمية لعلماء المناخ مؤخرًا تقريرًا يفيد بأن القادم الأسوأ قد يكون أسرع مما يتصور أي إنسان في غضون 20 إلى 50 عامًا القادمة. ويعلنون من دون تردد أن لا أحد على هذه الأرض سيهرب من الكارثة القادمة بأنواعها المختلفة سواء كانت مجاعة أو جفاف أو فيضان أو وباء أو كل ما سبق مجتمعا .
للأسف ، من غير المحتمل أن يفعل الأمريكيون أي شيء بشأن استخدام الوقود الأحفوري في المستقبل القريب. لماذا ؟ تفترض “النظرية الموحدة” بالطبع أنه لا يمكن لأي شركة نفط أو غاز طبيعي أو فحم أن ترغب في تغيير أي شيء في سلوكها حتى (أ) يتم استخراج آخر قطرة من الوقود الأحفوري واستخدامها و / أو (ب) حتى يتحكموا بقوة في أي شكل من أشكال الطاقة الجديدة.
وعلى طول امتداد خطوط الإمداد بالنفط أو الغاز هناك أشخاص متواطئون يستفيدون من العملية : المهندسون والموظفون والعاملون الميدانيون. إذن لماذا التغيير؟ يأتيك الجواب ” إن طريق التغيير باهظة الثمن للغاية” رغم أن الفيضانات المدمرة تجرفهم في طريقها كل عام .
و ماذا عن الرعاية الصحية؟ إنها مظهر آخر للجمال. و لا يوجد أي شخص لديه الرغبة في تغيير أي شيء بين الأطباء والمستشفيات و مصانع المعدات الطبية و”شركات الأدوية الكبرى” و” شركات التأمين” المحبوبة لدينا ما لم يتم رفع الرسوم التي يتقاضونها .
فإن أحببت برنامج الرئيس أوباما للعناية الصحية أو كرهته ، هناك شيء واحد مؤكد وهو أن اللاعبين بالوضع الراهن لم يسبق لهم أن ذهبوا معه إلا إذا عرفوا أنهم سيحصلون على الكثير من المال منه. وكل شخص معني يعاني من العمى الخاص الملائم الذي يسمى “الإنكار و الرفض” .
لهذا السبب فإن “النظرية الموحدة” تشرئب برأسها مرة أخرى. فهؤلاء الناس وجميع العمال الكبار والصغار ذوي الصلة ، سيشهدون قريباً انفجار فوهة بركان الاقتصاد الأمريكي قبل تغيير أي شيء جوهري .
آه. ثم هناك الجميع يا عزيزي : وول ستريت. أتصدق أنها حصلت على القليل من المال في السوق؟ وبالتأكيد سوف تسأل نفسك : “أين يمكنني أن أضعها على القائمة؟”
ومع ذلك و قبل أن نتمكن من نسيان الموجة الهائلة من السلوك الإجرامي التي تسببت في انهيار الاقتصاد عام 2008 ، وتزوير أسعار الفائدة في بورصة لندن ، وغسيل بنك اتش اس بي سي لمئات الملايين من الدولارات للإرهابيين في مجال المخدرات ، فإننا نتعرض للفشل الناتج عن عمليات الاحتيال التجارية عالية المستوى والتردد ثم يتم إبلاغنا بما نعرفه في أعماقنا – أي أن المقيمين في وول ستريت يبقون طوال الليل ساهرين يفكرون بأكثر الطرق ذكاء وابتكارا في خداع هذا المجتمع و في خداعنا جميعا.
وهم لا يتصرفون هكذا لأنهم أناس سيؤوون بالضرورة ولكن لأنهم كانوا يتذمرون من الجشع لفترة طويلة لدرجة أنهم يخلطون اليوم بين الحلم الأمريكي وأي شيء أخر يمكن أن يجلب لهم المال من جيبك ليدخل في جيوبهم .
وتتحدث عن التغيير ؟ لا تكن سخيفا أيها المفكر . لقد أنفق هؤلاء الناس مئة مليون دولار في محاولة لمنع صدور أي تشريع أو تنظيم يمنعهم من الحصول على البوفيه التي تطعمهم المال والمزيد من المال .

ويلعب التعقيد الشديد لكل هذه القضايا دورا في انتشار هذا المرض. ولكن ما يمكنك القيام به لمساعدة نفسك والآخرين هو أخذ الوقت الكافي لفهم أكبر قدر ممكن من النقاط والمسائل الدقيقة قدر المستطاع .
سيستغرق الأمر الكثير من الناخبين المستنيرين لتغيير مسار ” الجمود الأخلاقي “، لكنني أعتقد أنه يمكن القيام بهذا التغيير. لن يكون الأمر متعلقًا بالليبراليين في مواجهة المحافظين أو الديمقراطيين مقابل الجمهوريين أو الشيوخ مقابل الشباب. سيكون التغيير بأيدي الأمريكيين الواعدين من ذوي الرؤية الواضحة من خلال التصويت للسياسيين الذين يتمتعون بالذكاء الكافي والأمانة الكافية لمعالجة المشكلة بشكل مباشر.

بقلم بول ماوزر
ترجمة محمد عبد الكريم يوسف
مراجعة سوسن علي عبود

العنوان الأصلي للمقال :
The physics of corruption, PAUL MOSER ,2018

لا تعليقات

اترك رد