عيد العمال وتاريخ الحركة العمالية في العراق و البصرة

 
الصدى - عيد العمال

البصرة المدينة الموسومة بالنخل والثروة والشعر والفن والحروب، يعتقد الكثير من أهلها أن مدينتهم هي بوابة العراق إلى التاريخ، إذ كانت ممرا لكل رياح جديدة ، ومنها النهضة الصناعية بعد الحرب العالمية الاولى التي كانت السبب الاساس في تشكيل الحركة العمالية ونواتات اليسار العراقي ، التي تأثرت بالحركات العمالية في اوربا وثورة اكتوبر البلشفية في روسيا على نحو خاص.

يقول الباحث في مركز دراسات الخليج العربي جبار الحلفي “كانت البصرة على مر تأريخها بوابة العراق لكل جديد، فعبر مياهها يتسلسل الغزاة، وترسو سفن المغامرين والبحارة والرحالة تسبقهم أحلامهم، وتأتي سفن التجار عبر البحار وقوافل البدو عبر الصحراء محملة بكل جديد من بضائع وعادات وأعراق وثقافات، فالبصرة مدينة مفتوحة الأفق والقلب بسبب موقعها بين الماء واليابسة وطراوة روح البصريين”.

وأضاف “وكانت هذه المدينة في العصر الحديث مفتاح التغيير في العراق فهي المحطة الأولى للاحتلال البريطاني الأول سنة 1914 الذي جاء بسفنه وبوارجه الحربية وطائراته وعرباته ومشاريعه الكولنيالية التي امتدت لاحقا لكل مدن العراق”.
مع بدء الحرب العالمية الأولى في (أكتوبر/ تشرين الأول عام 1914م)، أنزلت حكومة الهند البريطانية الشرقية جيشا مؤلفا من خليط من بريطانيين وهنود في عدة فيالق بما سموا بجيش الليفي، حيث وطأت أرض العراق قدم أول جندي هندي بريطاني منطقة رأس البيشة مدخل الخليج (بين الكويت والبصرة) وبعد حوالي شهرين تمكنت القوات البريطانية من سيطرتها على البصرة.

ورأى أن “وجود القوات البريطانية في البصرة باعتبارها قاعدتها الأولى في العراق وحاجة هذه القوات لاستخدام السكان المحليين في بعض أعمالها كالبناء والموانئ لصيانة السفن وبناء محطات الكهرباء و بناء السكك الحديد وغيرها، كان اللبنة الأولى لولادة الحركة العمالية في البصرة والذي أسهم لاحقا في تشكيل بيئة مناسبة لنمو الأفكار اليسارية بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي عاشها هؤلاء العمال فضلا عن النظر إلى البريطانيين كمستعمرين”.
على مقر الحزب الشيوعي العراقي (وسط مدينة البصرة) ترفرف البيارق الحمر مطرزة بالمطرقة والمنجل (شعار الأحزاب الشيوعية)، وبخطى حثيثة يتوافد أنصار الحزب رجالا ونساءا للاحتفاء بالأول من أيار عيد العمال العالمي داخل مقرهم بعد أن كانوا في السنين السابقة ينطلقون في تظاهرات حاشدة حتى مقر الحزب الذي يشارك اتحاد نقابات العمال نفس البناية.

قال أحمد خضير مسؤول منظمة الحزب في البصرة ” ارتأينا أن نحتفل بالأول من أيار عيد العمال العالمي في مقر الحزب بسبب الوضع الأمني واستمرار العمليات العسكرية “.

ويصادف عيد العمال العالمي في الأول من شهر أيار مايو من كل عام، وهو يوم للتضامن مع العمال وحقهم في الحياة وضد اضطهادهم على يد أصحاب رأس المال وكانت منظمة “فرسان العمل” أول من طالب بتحديد ساعات العمل بثمان ساعات في العام 1886 إثر إضراب كانوا يطالبون بتحديد ساعات العمل ب 8 ساعات فى اليوم بدا الاضراب يوم 1 مايو واستمر حتى 4 مايو بنجاح وبشكل سلمى يوم 4 مايو طالب العمال بعقد اجتماع ووافقت السلطات على الاجتماع وحضره عمدة شيكاغو وجلس العمال يستمعون لمطالب زعمائهم فى ساعات محددة تعطى لصاحب العمل حقه وتعطى العمال حقهم فى الراحة بعد فترة من الوقت نهض العمدة وغادر المكان ولم تمضى دقائق فوجىءالعمال برجال الشرطة وهم يفضون الاجتماع بالقوة تصايح العمال

لماذا صرحتم لنا بالاجتماع وتريدون فضه بالقوة؟؟؟
ووسط الفوضى والهياج الحاصل انفجرت قنبلة لا احد يدرى من اين جاءت، بعد 11 سنة اكتشف ان البوليس هو الذى فجر هذه القنبلة ورد البوليس باسلحته النارية وبدأ اطلاق النار والقبض على العمال وخرجت الصحف فى اليوم التالى وهى تتهم العمال بالتخريب والفوضى وكانت الصحف فى معظمها مملوكة لاصحاب المصانع ورؤوس الاموال وفى ظل هذا الجو حوكم زعماء العمال وكانت ابشع محاكمة فى تاريخ القضاء..فقد لفقت الحكومة للعمال المقبوض عليهم تهمة تفجير القنبلة وصدر الحكم باعدام سبعة من زعماء العمال وخفف الحكم بعد ذلك بالسجن المؤبد بدل الاعدام وانتحر عامل ونفذ حكم الاعدام شنقا فى الاربعة الباقيين فى الوقت نفسه الذى كان الجلاد ينفذ حكم الاعدام كانت زوجة اوجست سبايز احد العمال المحكوم عليهم بالاعدام تقرأ خطابا كتبه زوجها لابنه الصغير جيم

وأستدرك خضير ” نحن ورثة الحركة العمالية في العالم وبسبب كون كون مدينتنا مدينة صناعية ب كونها ميناء العراق الوحيد شهدت نشوء أولى الصناعات الحديثة التي جاءت مع جيوش الاحتلال ما أنتج طبقة عاملة تداخل وعيها الطبقي بوعيها الوطني الأمر الذي أسهم بتسارع الوعي على المستويين وسجل أولى الصفحات في تاريخ الحركة العمالية”.

وأوضح “ففي 1 أيار عام 1918 انطلق إضراب عمال (الدوكيارد) في البصرة وهو أول إضراب للعمال في العراق، وفي عام 1924 اضرب عمال الميناء في البصرة، احتجاجا على ظروف عملهم الشاق وسوء أحوالهم المعيشية واضطهادهم من قبل المحتلين”.

وأستدرك “وقد لعب (يوسف سلمان يوسف) العامل في (قسم الكهرباء) ورفيقه (حسن عياش) في اتصالهما الدائم بالعمال من اجل خلق حركة عمالية في الميناء وفي نفس العام تحرك عمال السكك الحديدية، وفي أواخر كانون الثاني 1928 اضرب القصابون في البصرة عن العمل بسبب فرض رسوم بلدية على الذبح، وفي 31 مايس 1930، امتنعت جمعية البقالين عن شراء الفواكه والخضر في العلاوي أيضا بسبب فرض ضرائب على بقاليتهم؛ وفي عام 1932 اضرب عمال الغرابيل في البصرة و(عمال تنقية الشعير) المسيطر عليه من قبل الشركات الأجنبية، لتخفيض ساعات العمل وقد نجح الإضراب وفي 21 تشرين الثاني عام 1932 اضرب سواق السيارات في البصرة”.

ويوسف سلمان يوسف الذي اسمه الحركي الشائع(فهد) هو مؤسس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار عام 1934 ، وهو مسيحي الديانة كان يسكن مدينة الناصرية، كما أنه عامل بسيط متوسط التعليم، لكنه أصدر العديد من المؤلفات في شؤون التنظيم الحزبي والقضايا الماركسية، أعدم عام 1949 على أيدي النظام المالكي لاتهامه برئاسة حزب محظور

و اعتبر خضير أن “من كل هذا تبلور الوعي الطبقي رغم قلة الطبقة العاملة في المجتمع آنذاك، والذي هيأته الظروف الموضوعية وواقع الحياة الاقتصادية والاجتماعية للعمال والكادحين في تكوين الشيوعيين واليساريين في (تجمعاتهم في البصرة- الناصرية- النجف- الديوانية- بغداد) وبالأخص الناصرية التي كانت محطة لانطلاق الرفيق (يوسف سلمان يوسف- فهد)، الذي كان يلقب (بالاوسطة) وتكوين منظمة خاصة بهم، وتحسس الفلاحون بظلم الإقطاع ورؤساء العشائر وكبار الملاكين، وسوء أحوالهم المعيشية والفقر المدقع فانخرطوا في هذه الحركة التي تتطلب وجود قيادة محنكة ومجربة في قيادة جماهير الشعب والطبقة العاملة، وإدخال المفاهيم الماركسية والمبادئ الاشتراكية الى صفوف الطبقة العاملة وخاصة بعد دخول الماركسية والترويج للمبادئ الاشتراكية من قبل جريدة (الصحيفة) التي صدرت في أواخر عام 1924، والتي تبنت تحرير المرأة العراقية وبث الأفكار الماركسية ودعوتها الى دراسة الاشتراكية، وأصدرتها جماعة (حسين الرحال)، كما أن وجود التجمعات الشيوعية المنتشرة، في بعض المحافظات، التي هيأت الظروف أن تتلاقى مع نضالات العمال، التي امتزجت وتشربت بالأفكار الماركسية والمبادئ الاشتراكية ولو كانت بشكلها الأولي والبسيط”.

حسين الرحال جنوبي ناضل من اجل نشر المفاهيم الماركسية وشكل أول خلايا الحركة الشيوعية في العراق، والتي تعتبر نوات تأسيس حزب شيوعي في العراق لاحقا.

وخلص إلى أن “هذه الحالة، تمخضت عن “لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار” ثم تحولها الى (الحزب الشيوعي العراقي) في 31 1ذار1934 الذي ترجم بشكل صادق ودقيق آمال وطموحات العمال الطبقية وهمومهم الوطنية في ذات الوقت”.
من جهته أتفق رئيس المكتب التنفيذي للنقابات في البصرة مع مسؤول منظمة الحزب الشيوعي في الظروف التي أسهمت في نشوء الطبقة العاملة وازدهار حركة اليسار في البصرة باعتبارها المدينة التي شهدت بواكير الصناعات الحديثة فضلا عن كونها ميناء العراق الوحيد موضحا أن “البصرة منذ بداية القرن الماضي لم تخلو من التنظيم النقابي ونضال العمال المتواصل من أجل نيل حقوقهم وحريتهم وتمثل هذا بالعديد من الإضرابات التي حدثت في الموانئ والسكك الحديد والكهرباء والنفط “.

وقال أن “الحركة العمالية شهدت صعودا ونضوجا كبيرين بعد ثورة 1958 إذ سن بعدها قانون التنظيم النقابي وتشكلت النقابات في كل القطاعات، وكان أبرز القادة النقابيين في هذه المرحلة (ناصر عبود وهندال جابر واحمد علي هيلك )”.
في 14 تموز يوليو قامت مجموعة مايسمى بتنظيم (الضباط الأحرار) بالانقلاب على الحكم الملكي الذي استمر نحو 40 عاما وإعلان الجمهورية العراقية، وكان بين قادة الثورة الكثير من ذوي الميول الشيوعية كمحمد نجيب الربيعي وفاضل عباس المهداوي وآخرين الأمر الذي مكن الشيوعيين من أن يمارسوا نشاطهم العلني ويتغلغلوا في جميع مؤسسات الدولة الفتية.

وتابع فاضل ” لكن الحركة العمالية شهدت انتكاسة كبيرة زمن النظام السابق وذلك بإصدار قانون 150 عام 1987 الذي حل بموجبه كافة النقابات في القطاع العام وتحويل جميع العمال إلى موظفين، إضافة الى القمع الذي مارسه ذلك النظام ضد كافة أبناء الشعب وخصوصا اليسارين والذين يتقاطعون مع نظامه”.

وكشف فاضل أن ” هذه القوانين لم تزل سارية بعد خمس سنوات من رحيل النظام السابق بل أضيف لها أمرا ديوانيا برقم 8750 سنة 2005 تم بموجبه تجميد أرصدت النقابات والاتحادات التي أعادت تشكيل نفسها بعد انهيار النظام السابق مباشرة دون أذن من الحكومة”.

وعن أهم ما تطالب به الحركة العمالية حاليا، قال فاضل “نطالب بمعالجة ظاهرة البطالة المتفشية في العراق عموما، وإلغاء قانون 150 لسنة 1987 والأمر الديواني 8750 سنة 2005 ، وسن تشريعات جديدة تتناسب مع المرحلة الراهنة في مجال قانوني العمل والضمان الاجتماعي”.

لا تعليقات

اترك رد