استشهاد الربيع العربي قبل فطامه


 

تمثل منطقة الشرق الاوسط هذه الايام الحجرة التي يفصل فيها اليورانيون عن الذره، حيث اي خطا مهما كان بسيطا سيقود الى مزيد من التنافرات التدميريه للذات نفسها.
عاشت هذه المنطقة ولاكثر من 300 سنه من الركود اثناء الاستعمار العثماني و لغاية الحرب العالمية الاولى ( وهذا طبعا لا ينطبق على مصر لانها كانت قد قطعت شوطا لا باس به في بناء الدولة الوطن قبل ذلك )

ثم تلتها فترة سميت بالانتداب ثم الاستقلال والذي حكم وسم بانه عميل. ما بعد الحرب العالمية الثانية ابهرت انتصارات الجيش السوفياتي شعوب هذه المنطقة، فوقعت او اوقعت نفسها في الصراع الدائر ان ذلك والذي كان يسمى الشرقي و الغربي، مما دفع قوى سياسيه لتعجيل التغير بالقفز على السلطة عبر التحالف مع عدد من الضباط الذين استلموا السلطة كما في سوريا و العراق و ليبيا و اليمن، اما في الجزائر فقد كانت جبهة التحرير، والتي تحولت الى الجيش الجزائري بعد خروج فرنسا، هي التي قادت الى اخراج الاستعمار الفرنسي . اما في تونس فقد خرج الفرنسيون ولم يسبق ذلك ايه اعمال عنفيه او محاولات انقلابيه حيث بقي الجيش مستقلا عمليا عن السياسه .
وهناك مجموعة اخرى من الدول والتي يطلق عليها خليجيه فقد سلمت السلطة فيها الى مشايخ و عائلات كما في السعودية و الكويت ومشايخ كما في الامارات وكانت هذه المجموعة من الدول تعاني من الفقروالاميه والتخلف لغاية سبعينيات القرن الماضي اي لما قبل الاتفاع في اسعار النفط الخام الذي خلق وفرات ماليه هائلة جدا، عدا قطر التي تاخر فيها التغير الى بداية تسعينيات القرن الماضي لان الحاكم ان ذلك كان لا يمتلك ايه رؤيه مستقبليه ويرفض ايداع اموال النفط في المصارف لسبب ديني الى ان قام ابنه بالانقلاب عليه .
اما الاردن والمغرب فرغم فقر هاتين الدولتين لعدم توفر المصادر الطبيعية فقد عاشت الاردن حالة من الاستقرار مقارنة بجيرانها من الشمال والشرق ورغم التبعية الثقيلة للقضية الفلسطينيه عليه، اما المغرب فالملك يحكم بادعاء الاصول الشريفه وهي دولة فقيره ايضا وعاشت نوع من الاستقرار افضل من جيرانها الجزائر وليبيا .
لما كان هدفي، هنا، تحليل اسباب فشل الربيع العربي قبل ان يبلغ سن الفطام، لذا ساكتفي بما مر اعلاه من توصيف وانتقل الى ما بعد 2011, في هذه المنطقة التي تعيش قمة القلق الوجداني التدميري.

البو عزيزي انتحر احتجاجا على الفقر، فاعتبرة فقراء تونس بطلا يرتقي الى مطاف الشهاده، فخرجوا بالاف احتجاجا على فقرهم الذي اعتبر وعيهم ان سببه الفساد في قمة السلطه فوجهوا راس الرمح نحو قمة السلطة التي لم تكن تمتلك ايه قاعدة اجتماعية سانده. اما الجيش فكما قلنا نأى بنفسه عن اي دور سياسي وبقي على الحياد فسقط حكم زين العابدين دون ضجة مدويه ولا تبعات معقدة. اما في مصر فالامور مختلفة جوهريا . انطلق الشباب ضد الفساد وضد التوريث وكانت قمة النظام في كامل قوتها فقد كان لها دعم اجتماعي يتمثل البرجوازية الطفيلية وذراعها السياسي الحزب الوطني الديموقراطي وسند قوي من الاجهزة الامنيه ( الشرطة والمخابرات)وبعض من الضباط وليس الجيش كله. اما الجامع وتحديدا الاخوان المسلمين المصري فقد اتبع سياسة التقية الى ان تجلت الامور بان النظام ساقط لامحاله فدخل بقوة و بكامل قواه بعد ان تبين ان التغير قادم لا محاله.
اما في سوريا فقد بدات الامور بقطع يد بعض الصبية لانهم كتبوا على جدران مدرستهم شعارات ضد نظام البعث- بشار فجرت تظاهرات جماهيرية واسعه قمعت بشده لان النظام كان يسيطر على الجيش والشرطة وقاعدة اجتماعيه طفيليه كبيره نسبيا و تمد اذرعها على عموم الاقتصاد وكذلك تنظيم سياسي ساند يمكن ان يتحول بسهوله الى تنظيم قمعي .ضمن هذه الفراغات دخلت القاعدة ثم النصره ثم داعش وقوى اخرى تدعمها مخابرات عربيه و اقليميه وتشكلت قوى معارضه من تجمعات بعدد اصابع اليد احيانا وصفي دور المثقف السوري داخل المعارضه .
اما ما حدث في ليبيا واليمن فهو حركة ارتجاعية الى الوراء لما قبل الدوله.
كنا موهومين عندما تصورنا ان احداث 2011 ستقود الى تغير النظام القديم و المجيئ بنظام جديد سيحل محل النظم القمعية السائدة . لكن الذي حدث هو انهيار، بعض النظم ليبيا مثلا، تحت ضغط الازمة الممسكة بالرقاب الى حروب اهليه، مما يعني ان اي تحول جذري لم يحدث.
ويجب عدم انكار ان تلك الاحداث، او الانتفاضه ان شئت، احدثت تغير في الواقع ولكن لم تنتج نظما ديموقراطيه ، كما وان القوى النقليديه ( سوريا،عراق، ليبيا ) هي بالكاد دول متماسكه. لا بل وان استخدام عبارة دول متماسكة قد تكون مؤدبه وخجولة جدا حين الحديث عن سوريا التي تجتمع ثلاث دول في طهران لتقرر مصير سوريا ولا يوجد كرسي للحكومة السورية.
ان اندحار النظام القديم خلق شعورا لدى دول الخليج بان بامكانها الامساك بالامور، لكن الواقع يعترض على ذلك. فدول الخليج تمتاز بكثافه سكانيه ضعيفه، ضعف تطور القوى الاجتماعيه المدنيه وغالبيتها غير دستوريه والاهم من كل هذا انها دول قمعيه. والاكثر اهميتا هو ضعف دور المثقف فيها حيث ما يزال شيخ القبيله ورجل الدين والعائلة الابويه هي السماة السائدة فيها وهي الحاكمة.
فقط الاردن من الدول الملكيه هي ملكيه دستوريه و تتمتع بحريات وصحافه حره نسبيا و انتخابات وبرلمان .
ان تزايد عدد الدول المنهاره، العراق و سوريا و ليبيا و اليمن و لبنان الى حد ما، اتاح الفرصة الذهبية للتدخلات الخارجيه، ولم يعد هناك دور للتحالفات على صعيد بعض دول المنطقة وهذا ما يحدد
التحركات الاقليمية . هذا الوضع الهش ادى الى السماح لايران ان تملئ هذا الفراغ عبر الحروب بالوكالة، كما في سوريا و العراق و اليمن. وما يميز السياسة الخارجية لدول هذه المنطقه التصورات والتهديدات هي التي تحدد سياستها الخارجة ( واحيانا كما في العراق فان البعد الطائفي يغلب احيانا ) ومدى تاثرها نتيجه لبعدها او قربها من الحدث، بمعنى اخر غياب كامل لسياسه خارجة تاخذ بنظر الاعتبار مصالح المنطقة.
نحن ندخل، دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا، نظام الفوضى العارمة. وهذا نتاج، اضافة الى العوامل الداخلية، تنامي النفوذ الايراني والحرب بالوكالة ، وكذلك غباء السياسة الخارجية الامريكية وعدم وضوحها وعدم استقرارها.
فرغم ان تونس و مصر تجنبتا الانهيار، الا ان الوضع الاقتصادي المتدهور في تونس ينذر بسخط شعبي. اما في مصر فان القمع الخانق يحول دون اي تقدم سياسي و يقوض السياحة ويغذي التمرد الذي ينتعش بين فترة و اخرى.هذا التمرد تنعشه الاصوليات الجهادية المصرية عبر ضرب الخواصر الرخوة مما يشكل عوامل طرد لرؤوس الاموال .
وفي كل بلد تقريبا اصبحت الاوضاع الاقتصادية والسياسية اسوء مما كانت علية قبل 2011.
اما مجلس التعاون الخليجي، المنظمة التي كانت الاكثر نجاحا من جميع المنظمات، فقد اصبحت مشلولة بعد خروج قطر غير الرسمي منه.
فرص لم تجر الاستفادة منها.
بعد وفاة عبد الناصر الذي كان يتدخل في شئون الدول العربية و الصراع مع السعودية والتدخل السافر في لبنان مستخدما منظمة التحرير الفلسطينية، اعقب هذا الارتفاع المفاجئ لاسعار النفط وبالتالي تراكم هائل للثروات الماليه لدى الدول العربية المنتجة للنفط لم يؤدي كل ذلك سوى الى مزيد من الاهتمام و ابتكار اساليب جديدة، قمعية ام غير قمعية، لابقاء النظام قائم دون احداث تغيرات جوهرية في البنى الاقتصادية او الاجتماعية،فقط جرى الابتعاد عن الصراعات الايديولوجيه التي كانت سائده بين الدول العربيه في محاور مثل دول اللات الثلاث و دولت عروبيه ودول عميله .حيث فشلت الحركات القومية فشلا ذريعا لا بل دخلت في صراعات مع بعضها مثل العراق-سوريا ، ليبيا والاتجاه نحو افريقيا وتسمية معمر القذافي لنفسه ملك الملوك بعد ان كان يعتبر نفسه قائد الامة العربية و وريث عبد الناصر.
كما و ادى احتلال صدام حسين للكويت الى تكثيف الاهتمام بالمصالح الوطنية على حساب المصالح القومية وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينيه على الصعيدين الرسمي والجماهيري.
اين المكابح في تاثير الثورة الايرانية
عندما رفعت ايران الخميني شعار الشيطان الاكبر، وشعار تصدير الثورة ، كانت تسعى لقيادة العالم الاسلامي . بمعنى اخر انها كانت تسعى نحو تحشيد الجماهير خلفها فقط وليس بالضرورة تحقيق هذا الشعار. ولكن باعتمادها على مكون واحد ادى الى اضعاف و انكماش تاثيرها الى تاثير طائفي، فانقلب هذا الشعار الى حروب داخلية بين ابناء الشعب الواحد كما في اليمن والعراق و سوريا.
ما اتوقعه لدول هذه المنطقة هو تشرذم داخلي و تناشر مع الدول المحيطة ما لم يتحقق هدف دولة المواطنه، دولة تبني داخلها على اسس العلمانيه، وفي علاقاتها الخارجيه على اساس المنفعة المتبادلة وليس الشعارات العاطفية والايديولوجية. اتفق مع الصين عندما احتاج سلع بخسة الثمن، اتفق مع امريكا عند احتياجي لتكنولوجيا المعلومات، و اتفق مع المانيا عند احتياجي لسيارات بنوعيات راقيه وخدمات شركة سمنس ، مع السويد او فلندا عند حاجتي لبواخر وناقلات نفط ، مع نيوزيلندا عند حاجتي للاغنام والحليب المجفف، كوريا الجنوبيه و اليابان نظم التعليم …الى اخره.

لا تعليقات

اترك رد