اليمنيون يموتون جوعا ، وتقتلهم الأمراض والأوبئة


 

نعم إنها اليمن، نفسها التي كان الجميع يطلق عليها لقب .. اليمن السعيد .. ماذا أصابها، و أين ذهبت تلك السعادة ليحل محلها العذاب و المآسي و الأمراض و الأوبئة و التعاسة و الموت الزؤوام ..

أطالع و أتصفح العناوين الإخبارية هنا و هناك عن اليمن، و هي مجرد نماذج و خلال الأيام القليلة الماضية فقط فماذا أجد :
الأمم المتحدة : اليمنيون يهلكون جوعا جماعات و فرادى
منسق الإغاثة الطارئة : إننا نخسر الحرب ضد المجاعة في اليمن
الأمين العام يدعو إلى الإلتزام بحماية المدنيين في اليمن
الهجوم بالهاون على مخزن برنامج الأغذية العالمي في الحديدة قد يؤثر على وصول المساعدات إلى الملايين
كفاح للبقاء على قيد الحياة في الحديدة و رعب من المدفعية و القصف الجوي

ربما البعض يجد الأمر مملا، لمتابعة ما يحدث في هذا البلد الفقير، و الذي يصنف في الواقع كواحد من أفقر الدول في العالم، و ربما البلد الأفقر في منطقة الشرق الأوسط، هذا قبل بداية الحرب، فما هو الحال الآن يا ترى ؟؟ ..

كيف بدأت هذه الحرب الضروس التي دمرت الحجر و قتلت البشر، دمرت الأخضر و اليابس في هذا البلد و شردت أبنائه، و نشرت الموت و المرض و الأوبئة في أطرافه، الكل كان يتوقع في البداية إنها مجرد خلافات و صراعات بين أطراف و أحزاب و فئات متنازعة، سرعان ما يتم إحتوائها و معالجتها، لكن العكس بالضبط هو ما حصل ..

المنطقة كلها تئن، و الدول المجاورة و المحيطة كلها أصبحت معنية و متأثرة و متضررة بهذه النزاعات و المعارك في اليمن، و هناك تهديد مباشر للسعودية و الإمارات، و هما البلدين الأهم و الأكبر في الجبهة المحاربة و في الصراع ضد ميليشيات الحوثيين الشيعية اليمنية المسنودة و المدربة و الممولة من إيران و سوريا و العراق و حزب الله اللبناني بشكل رئيسي ..

هذه الصراعات تسببت في مقتل، من بين الالاف ممن قتلوا ، الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الذي يعتبره البعض مسؤولا و سببا رئيسيا لإندلاع هذه الخلافات و المعارك ، و تسببت في مقتل العديد من القادة المدنيين و العسكريين من الطرفين، إضافة إلى مقتل الآلاف من المدنيين و العسكريين ، و هجرة و تشريد و جرح آلاف أخرى منهم ..

و لا زلنا و كأننا في البداية من هذه المعارك و الصراع، لا أمل و لا سبيل و لا طريق متوقع للوصول إلى نهاية لهذه المأساة، و لا زالت كل أطراف المعركة تراوح في مكانها، خاصة و أن الميليشيات الحوثية لا زالت تسيطر على الأرض على العاصمة اليمنية صنعاء و العديد من المدن و المناطق المهمة الأخرى، في ضوء فشل واضح للحملات العسكرية المستمرة التي تقودها السعودية و الإمارات في تحقيق حسم عسكري ناجز، و الذي يدفع فاتورة هذه الحرب لحد الآن و على الأغلب هم من المدنيين الذين يسقطون نتيجة المعارك و القصف الجوي، أو بسبب الحملات التي تشنها الميليشيات في الداخل المدني ..

لقد لعبت إيران لعبتها الخبيثة في اليمن، كما فعلت ذلك في العراق و سوريا و لينان، و كما تحاول أن تمارس خباثاتها في مناطق أخرى من العالم، إنه برنامج الإستحواذ و السيطرة و الإحتلال غير المباشر و التوسع و بث السموم و نشر الفوضى التي تبنته إيران منذ مجئ الخميني و لحد يومنا هذا ..

لكن ما يثير الإستغراب في اليمن هو هذا السيناريو الذي تم تنفيذه ليجعل من هذه الأقلية الطائفية و العشائرية، أن تنمو و تتطور و تمتد و تتمادى أمام أعين السلطة في اليمن، و أعين الدول المجاورة، دون أي إهتمام، ليصل بها الحال لتضرب ضربتها القاصمة بمساعدة و دعم إيران، و لتسيطر على مقاليد الأمور في اليمن و تهدد دول الجوار، و لتجبر الحكومة اليمنية للهرب و ممارسة مهامها من خارج البلد، و هذا هو ربما واحد من الأسباب المهمة لضعف المقاومة لإمتداد و إنتشار الحوثيين، و صعوبة التعامل معهم، خاصة مع الإنقسام الواضح داخل الجيش اليمني و القوات المسلحة، و إنشقاق و إنقسام واضح في القوى السياسية و الأحزاب المتواجدة على الأرض اليمنية، بين مؤيد و معارض و صامت ..

لقد بدأت هذه الحرب بعد أن ظهرت النوايا الخبيثة غير السليمة للحوثيين و من معهم، و باتوا يهددون دول الجوار، على هذا الأساس دعمت كثير من الدول و كذلك الرأي العام العالمي و الإسلامي و العربي جهود السعودية و الإمارات و من معهم من الدول العربية و الإسلامية، من أجل دحر تلك الميليشيات التي سيطرت على مقاليد الحكم و أضطرت الحكومة اليمنية الشرعية للهرب و العمل من داخل الأرض السعودية من أجل إستعادة السيطرة على البلاد ..

لكن بمرور الزمن و بعد مرور كل هذه الأشهر و السنوات، و الإعلان عن الكثير الكثير من الأخطاء التي إرتكبها التحالف ضد اليمنيون و الحوثيون و الخسائر بين المدنيين، أصبح واضحا

أنه لا بد لهذه الحرب أن تنتهي حتى و لو إنها لم تحقق أهدافها، فالمنطق يقول أنه لا يمكن أن نفني شعبا كاملا و ندمر بلدا بأكمله، من أجل القضاء على عدة مئات أو آلاف من أفراد الميليشيات المغرر بها، لا بد من البحث عن مخرج و عن طريق آخر للقضاء على هذه الفئة الضالة و إبعاد خطرها عن اليمن أولا و عن الدول العربية المجاورة، خاصة بلاد الحرمين، و إنقاذ أرواح الشعب اليمين و حمايته من الموت و المرض و الفقر و المجاعة ..

و للتعبير عن حجم المأساة و المخاطر للوضع العام في اليمن، حذر السيد مارك لوكوك وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية في كلمة له أمام مجلس الأمن الدولي قبل أقل من إسبوع، حذر من مخاطر حدوث مجاعة وشيكة في اليمن تسفر عن خسارة هائلة في الأرواح، و أضاف : ” إننا نخسر الحرب ضد المجاعة، الوضع قد تدهور بشكل مثير للقلق خلال الأسابيع الأخيرة ، قد نقترب الآن من نقطة اللاعودة، سيكون من المستحيل بعدها منع وقوع خسارة هائلة في الأرواح نتيجة انتشار المجاعة بأنحاء اليمن ” ..

و يشير التقرير أن اليمن يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ أدت سنوات القتال بأنحاء البلاد إلى تدمير البنية التحتية الأساسية و الخدمات العامة و سبل كسب العيش ، كما تسببت في تشريد الملايين و تفشي ما يعتقد أنه كان أسوأ وباء للكوليرا يشهده العالم ، كما يعتقد أن ثلاثة أرباع اليمنيين، أي حوالي ٢٢ مليون نسمة، يحتاجون الآن إلى شكل من أشكال المساعدة و الحماية الفورية و الضرورية ..

و أضاف لوكوك في تقريره أن هناك حوالي ١٨ مليون شخص في اليمن ، من بينهم نسبة كبيرة من الأطفال، يعانون من إنعدام الأمن الغذائي، و تشتد حاجتهم للمساعدات الغذائية الطارئة ليبقوا على قيد الحياة، و لا يعرف حوالي ٨ ملايين شخص يمني من أين سيحصلون على وجبتهم الغذائية القادمة ..

و يشير أيضا إلى ان الوضع اليمني يتفاقم بشدة و يتدهور بسرعة بسبب تطورين جديدين مهمين، الأول هو الضغوط الهائلة على الإقتصاد التي ترجمت إلى إنخفاض قيمة الريال اليمني بنسبة ٣٠٪، مما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في سعر الوقود و السلع الأساسية، و التطور الآخر هو المعارك و القتال الطويل و الشديد حول ميناء و مدينة الحديدة ..

و طالب المسؤول الدولي دعم مجلس الأمن في ثلاثة مجالات رئيسية لإنقاذ حياة الملايين :

أولا : اتخاذ تدابير فورية لاستقرار الاقتصاد و دعم سعر العملة
ثانيا : احترام كل الأطراف المعنية لالتزاماتها التي تحتم حماية المدنيين و البنية الأساسية المدنية و تيسير الوصول إلى المستضعفين ، و إبقاء كل الموانئ و الطرق الرئيسية مفتوحة
ثالثا : الطلب من كل الأطراف إيجاد حلول عملية للقضايا الرئيسية، بما فيها إنشاء جسر جوي للمدنيين المحتاجين للعلاج الطبي خارج اليمن
كما شدد مارك لوكوك على ضرورة انخراط الأطراف بشكل جدي مع المبعوث الخاص للأمين العام على مسار إيجابي باتجاه السلام ..

الوضع في اليمن خطير جدا، و هو بإعتقادي جزء مهم من المعضلة في المنطقة العربية و الشرق الأوسط، و إستمرار هذا النزاع و الصراع بات يهدد الأمن العربي و الخليجي، و لا بد من إيجاد وسيلة أخرى غير ضرب و تدمير اليمن و قتل شعبها لحل هذه المعضلة، و لا بد للدول المعنية العمل معا لإيجاد حلول جذرية تحمي الشعب و الأرض اليمنية و العربية ..

أنا أعتبر ما حصل في اليمن خطأ كبير في التقدير و التقييم و المخابرات و الأمن و السياسة إرتكبته عدد من الدول العربية، و هو عين الخطأ الذي أرتكب في سوريا و العراق و لبنان، و ربما يتكرر أيضا في دول و مناطق قريبة أخرى، و المستفيد الأكبر من كل ذلك و كما هو معروف، هي إيران و من يساندونها و يعملون معها و في خدمتها من العملاء المأجورين المحليين ..

لا تعليقات

اترك رد