المعارضة بين مدجَّنة تخضع للنظام وأخرى تختار الاصطفاف مع الشعب

 

منذ 2003 جرى تكريس نظام طائفي بدعم قوى الإسلام السياسي ومنطق خطاب الخرافة والقيم الظلامية المجترة من عفن كهوف الزمن الغابر؛ حيث إنعاش فكرة إحياء المنقرض، ليتحكم بالحاضر لمقاصد افتضحت تماماً بحجم النهب المافيوي المحلي والدولي ومن أجله تمّ ارتكاب كل أشكال الجرائم بحق الشعب العراقي المبتلى…

لقد حكمت (الكتلة الطائفية) بكل أجنحتها باسم حكومة (الشراكة الوطنية مرة والوحدة الوطنية في مرة أخرى) وبغيرها من الصفات التي لا علاقة لها بالتعبير عن الوطني من شركاء الوطن وقوى الشعب ومن ثم لا علاقة لها بالوطني في المسار والقيم، بقدر ما كانت تعبر عن (تنظيم) اصطراعها على ما تعاملت معه بصيغة (الغنيمة) في إطار تلك الكتلة التي جمعت أجنحة الطائفية معاً تحت أية تسمية أشرنا إليها للتو في أعلاه..

وهكذا فقد كانت الدولة وكل ما فيها بلا استثناء أرضاً وشعباً ملكاُ صرفاً لزعامات تلك الأجنحة؛ تقتسمه وتقرر مصيره وتتوزع مخرجاته بينها، عبر فرض سلطان إرادتها وحصر اتخاذ القرارات بتوافقاتها المباشرة؛ وهي توافقات حصرية بشخوص الزعامات المصطنعة؛ إذ لا وجود حقيقي للأحزاب بمفهومها واشتغالها كما في أيّ من الدول الحديثة..

فالموجود هو واجهات تمثل ما تمّ اختلاقه من (طبقة الكربتوقراط) وهي طبقة مفسدة ولاؤها للعبة المال السياسي ومفاسد تجارته الريعية ومنطق السمسرة وأسواق النخاسة وعمليات البيع والشراء؛ في تمكين مفضوح للظلاميين وفي تجيير لكل شيء بإطار منظومة القيم التي تسيَّدت وبخضزع تام لنظام طائفي كليبتوقراطي مافيوي لم يعد يخفى على أبسط مواطن ما ارتكب من أهوال وفظاعات..

اليوم، وبعد تكرر انتفاضات الشعب على النظام وبعد أن اختارت قوى الديموقراطية واليسار، قوى التنوير طريق (التغيير) وقدمت برامجها المجسِّدة لـ(البديل)؛ صار على (الكتلة الطائفية المافيوية) الحاكمة أن تناور بتكتيك يمكنه تمرير أثر العاصفة الشعبية وامتصاص شدتها وتالياً إعادة إنتاج النظام وإعادة ذات الشخوص إلى الواجهة سواء بغطاء أم مباشرة، فتظاهرت قوى الطائفية، أولا بتراجعها خطوة إلى الوراء تحت ضغط حركة الشعب الاحتجاجية (المعارضة) للنظام وثانيا ومن أجل أن تستوعب تلك المعارضة الشعبية للنظام، بلعبة بديلة، توجهت إلى اصطناع (معارضة) مفصَّلة على مقاس قبولها النظام وإدارة الصراع على اقتسام الغنيمة في خيمته أي خيمة النظام وقيمه ومصالحه.. وطبعا تلك المعارضة تتشكل بالأساس من قوى الإسلام السياسي وخطابها الطائفي تحت أية تمظهرات تبدَّت بها، لا تخشى من إبراز معارضة لفظية جوفاء تقية وتضليلا..

وهكذا ظهرت لعبة (الكتلة الأكبر). إن لعبة (الكتلة الأكبر) هي تكتيك يعيد إنتاج النظام تكتيك شكليا يبدو فيه أنّ هناك حكومة تشكلها كتلة وأخرى تقع في المعارضة.. وعليه فإن الضخ السياسي الإعلامي حول (الكتلة الأكبر) ليس سوى مشاغلة بقصد جرّ أي صوت معارض واستيعابه في إطار النظام وخيمته ومنظومة قيمه وآليات عمله بطريقة تريد أرنب خذ أرنبا تريد غزال ماكو غير الأرنب تنضم غليه وتحصل منه على الفُتات..

وطبعا سيكون لضفتي الحكومة ومعارضتها بطولات استعراضية في موضوعة (البناء والإعمار والإصلاح) وهي مصطلحات لا تخدش في بنية النظام طالما جاءت بصورة لفظية غطاءً كما يجري التسويق بها عادة منذ 2003 وحتى يومنا.

أصدقائي الأحبة، هل تعتقدون أن انقسام الأجنحة (الطائفية) بين ضفتي (حكم) و (معارضة!) هو سبيل العمل السياسي (الوحيد) لممثلي الشعب (الحقيقيين)!!؟ وهل الاندراج في (المعارضة –الرسمية- الشكلية المفرغة من محتوى (تغيير) النظام) هو طريق يصح ركوبه والسير فيه!؟ ألا يساهم هذا جوهريا في تدجين (الناس) عليه ومنح النظام جرعة إضافية للمخادعة!؟

ألا ترون أصدقائي، أنّ موقع ممثلي قيم التحرر والتقدم والسلام، ممثلي مبادئ عَلمنة الدولة وتجسيد تطلعات الشعب يتجسد في خيار الانحياز للشعب عبر معارضة حقيقية ((للنظام))؟ ألا يتنافى بناء معارضة وطنية علمانية لا طائفية ولا ظلامية مع تحالفات تنضم لأطراف وشخوص تتبادل المواقع بتمثيلية مفضوحة مما يخدم الطائفية ومنظومة قيمها!!؟

أليست قوى الإسلام السياسي جميعاً هي ذاتها من حيث جوهر هويتها كونها تحمل ذات المشروع الطائفي الظلامي أم أن نظريات الفكر والفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع تم إلغاؤها في تحليل الواقع العراقي؟؟؟

إنني هنا، أثق بضمائر قوى التنوير، ضمائركم الحية التي لا تنتسب لنظام مشخص الهوية ومرفوض لطابعه المعادي لتطلعات الشعب.. وأثق بأنها سترفع قيمها عالياً، بوقفة معارضة ((للطائفية)) ولمنظومة قيم نظامها المتوحش ومبادئه وستؤكد قوى التحرر التمسك بشعار مؤتمرات ((التغيير)) لا بخديعة (إصلاح) وقشمريات معارضة شكلية يريدون بها إظهار النظام وقد تم ترقيعه أو إصلاحه!

و يكفي ما مرَّ به الشعب من مآسٍ، بوضع الحكم مجددا بأيديهم عبر مسمى الكتلة الطائفية الأكبر أو أية تسمية أخرى قد يخرجونها من قبيل (الفضاء الوطني) وغيره من قشمريات ألاعيبهم…

ولا يجوز منحهم فرصة حكم جديدة أخرى، بمجرد الظهور شكليا بمظهر حكومة ومعارضة تؤكد حقيقة واحدة هي إبراز انقسام الطائفيين بين كتلتين وهو تمظهر شكلي يحمل كثيراً من الادعاء بدليل توالي التصريحات بالانفتاح بعضهم على بعض وبدليل الحوارات الدائرة بينهم بلا حدود تميز بينهم فهويتهم واحدة بجوهرها وبدليل أنهم كلهم (إسلام سياسي) بمنهج واحد في الأداء والمقاصد ولكنهم، طبعا وبالتأكيد، بالمحصلة إذ يظهرون منقسمين بين حكومة ومعارضة يؤكدون فعليا عمليا وبالممارسة أنهم يقتسمون الوطن والناس غنيمة ملكا صرفا لهم ويواصلون هدر الثروات على مذابح القدسية المزيفة المضللة لخطابهم..!!!

إن الشعب وقواه النزيهة تدرك اللعبة وهما معا وسويا بطريق التغيير وليس بطريق تلميع النظام بمعنى مخاطر إعادة إنتاجه ونكريسه أو إدامة وجوده لردح آخر من الزمن..

ملخص الرؤية هنا فالنظام السياسي في العراق: كتلة أو كتلتان، كلاهما إعادة إنتاج للنظام الطائفي الكليبتوقراطي؛ كتلة أو كتلتان تعبر عن الطائفيين هي ذاتها في الهوية والآليات وما يسمونه المعارضة، تلك الخاضعة لآليات نظام الطائفية، لا يمكنها أنْ تُصلح ولن تكسب للشعب قضيةً أو تعيد له حقاً حيث أولوية (الإسلام السياسي) تظل بروح طائفي يُعنى بتقاسم المغانم كما خبر الشعب بتجاريبه طوال ما يقارب العقدين… وأية فكرة بالانظمام للمعارضة (الرسمية) هو تجميد بل تعطيل كلي للمعارضة الحقيقية وتنازل عن البديل الذي اختارته قوى الشعب المكافحة يوم صوتت لـ((التغيير)) ورفضت دجل ((إصلاح))..

والمطلوب مجدداً ودائماً بتجسد في: ((وحدة)) قوى التنوير الديموقراطية: اليسارية والليبرالية و(استقلاليتها) ووضوح (برامجها) وصورة (بديلها) فلا مصلحة لأية قوة (شعبية) في الانخراط بتشكيلات تحالفية بإطار نظامٍ، تتحكم به برامج (الإسلام السياسي الطائفية) بظلامية مقاصدها ومافيوية آلياتها…

Virusvrij. www.avg.com

لا تعليقات

اترك رد