داء


 

بدأت أشعر بالحياة تدب في شراييني؛ منذ فترة غادرت العالم الذي تسكنه الجن، كنت في غيابة لا تشرق فيها شمس ولا يختال بها قمر، فالأبواب مصابة بالخرس، ألف واش يبلغ عن همسة الليل؛ تنام النساء في مخادع تلتهب جمرا؛ الرجال بها العنة؛ لو يقبل مولانا القاضي لأجاب كل واحدة أن تخلع ربقتها،كنت فاقد الذاكرة، حين جئت هذا القبو سلبوا مني بطاقة هويتي، صرت رقما كريها، ينادى علي كل آونة؛ رغيف خبز تلعب فوقه الجرذان، كوب ماء تمرح فيه الديدان، إنهم يعبثون في تشف بأجهزة الرجولة المستباحة؛ بالتأكيد كنت مصابا بفقد الذاكرة، تلك الحالة تعاودني في كل عام مرة أو مرتين ومن ثم يفعلون ما يحلو لهم، تلت تلك الحادثة أهوال لما يأت أوان سردها، يتكفل الزمن بعلاج تلك التقرحات النفسية، ربما تمضي سنوات حتى تندمل.
بطبيعة الحال تساءل كثيرون كيف لمثلي أن تسرقه الجن؛ لست وسيما، ولا أنا ممن يختزنون الأوراق الخضراء؛ كل ما لدي ريشة ومحبرة في زمن لا يقيم لغير السلطة والشهوة معابد يعكفون في زواياها آناء الليل وأطراف النهار.
لعنة الله على من ألقى في نفسي مخافة الجب، لقد سامرت الحيات والعقارب؛ ينفثون سما ويبرءون ألما.
زائدتي الدودية وجب أن يلقى بها في فرن غاز، عندي واحدة في فمي هذه لم تروض بعد؛ أما التي بين فخذي فقد ضربها العطب؛ تعددت التعليلات التي تقنع، طبيب الصحة أبلغ أبي أنني مصاب بضمور خفي؛ أحتاج امرأة لا نظير لها.
أي واحدة تلك التي تمتلك سحرا يغلب فعل الحواة الذين استباحوا ذاتي، من تراها تملك المقدرة لتعيد إلي الفحولة الضامرة في عضو مصاب بالعجز؟
ذهب أبي إلى عطار يختزن أوراقا سرية؛ يخلطها بتمتمات غريبة، يتراقص كالطير الذبيح فوق مجمرة بخور سوداني، يلبس ثيابا من كل بقاع الأرض؛ سوءتي لا يسترها ألف ألف من فراء الغيلان التي ولغت في بحيرة النهر، سن تمساح، جلد عنزة عزباء رضعت من ثدي فتاة بكر، شعر امرأة غجرية، قلم رصاص لم يلمس وجه ورقة بيضاء، كل هذا من بلاد لا تعرف في تاريخها أحكاما عرفية!
احتار أبي، تملكته الحسرة؛ أنا خليفته على نسوة كالبدر، أبقار فاقع لونها تسر الناظرين، عصاه التي له فيها مآرب أخرى؛ في هذه البلاد لا طعم لمال دون ولد؛ يا للحسرة!
بي عجز لا تقيمه إلا امرأة، وﻷن آخر الدواء الكي؛ سلم أمري لساحرة صفراء من بلاد الجن البعيدة، أقامت عرسا تحت الماء. النهر يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ يقال إن كنز قارون يسكن مغارة فيه قبالة دارنا، ربطني أبي بحبل، ألقي بي بعيدا؛ مسختني الجنية حجرا أسود، تدور بوجهي عينان تومضان برقا، وﻷن المستيحلات في تلك البلاد حقائق؛ يبيض الفيل بل ويطير حتى يعانق مئذنة الجامع القبلي، بدأت أشعر بهزة في قلبي الذي يوما كان عليلا؛ تشاغب الأنثى في مخيلتي بأحلام وردية؛ يتراقص أبي طربا؛ اقترب الأمل في أن يعقب ولدا يقهر بفحولته أشد الإناث، جمع في صحن البيت الدراويش، يقرأون وردا جاء في أﻷثر عن سليمان الذي طاف في ليلة بأربعين امرأة، ها فكت عقدة وراء أخرى؛ اشتهيت أن أعانقها في وقت السحر، تمنعت علي، ليس بعد؛ فالطريق طويل والزاد قليل؛ صعب على من عاش عاجزا أن يغشى أنثى شهية؛ وجهها كالبدر.
تلهث أمي وراء أثري، في كل ناحية دليل على وجودي؛ غير أن البعد يورث النسيان، آفة تلك البلاد أنها مصابة بالعتمة؛ تقتل صالحها؛ تمجد من ييهرها بذهبه أو يرهبها بسوطه؛ تلك حكمة تناولتها من فم سيدي الخضر حين انتشلني من غيابة النهر الذي سكنته الجنية الصفراء، أربعين يوما وها أنا في دوامة، جاب المنادي القرى والحواري؛ بي وجع لا ينتهي؛ دائي أن تتغشاني تلك الأنثى حيث تشتهي الحياة أطيافها.
حين عدت وجدت رجلا من أقارب أبي؛ كنا نطلق عليه الرجل الحرباء؛ الصغار لديهم براعة لا تضاهى؛ أمسك بي وقال: أما تزال حيا؟
ومن يومها جف سر الفحولة في ظهري!

لا تعليقات

اترك رد