الشفافية المكشوفة

 

“لا أوقع أعمالي لأن أسلوبي هو توقيعي. لا أنهي أعمالي لأني أود أن يشعر المتلقي أنّه مدعوّ للمساهمة في العمل الفنّي. لا أعنون أعمالي لأني لا أريد التأثير على المتلقي. لا أبيع أعمالي لأني أعتبرها نصا بصريا أكاديميا مقدسا وليست سلعة في متناول الجميع. أملي أن أوفق بين الأسس القوية لتراثي المغربي وثقافتي الغربية”.
هكذا هو بوح الفنان عبد الإله الناصف.
بوح صادق وصريح، يمكن استكناه معالمه من خلال المعرض المقام بمناسبة اليوم العالمي للسلام بدار المغرب، بمدينة مونريال الكندية، والذي افتتح يوم الجمعة 21 شتنبر2018. اتخذ الفنان لمعرضه شعار “الشفافية المكشوفة” La transparence dévoilée.

عبد الإله الناصف من مواليد مدينة مكناس، تلقى كسائر جيله “تربية دينية تقليدية تحظ المسلمين على الابتعاد عن رسم الكائنات الحية، بما في ذلك الإنسان والحيوان، كشكل فني بصري والتشجيع على اتباع التجريد كبديل للتعبير الفني”. خلال دراسته وتكوينه الفني بالمغرب وفرنسا والولايات المتحدة، تأثر باتجاهات فنية/فلسفية مختلفة، بصمت بعمق فكري واحترافية أسلوبه الفني وطريقة اشتغاله ونظرته للكون والإنسان. حاول ترجمة رؤاه وأفكاره عبر أعمال تتضمن “بقعا طبيعية على أقمشة شفافة بأساليب تقليدية عملية تتّسم بالبساطة مستوحاة من أساليب الخط العربي وطباعته مكرسة للخوض والاستكشاف في عمق الشكل التجريدي”. يتضح ذلك من خلال التكوينات المتأسسة مربعات ومثلثات ودوائر، يتخذها “كاستعارة للتعبير عن التكافؤ والتوازن اللذين من خلالهما أعبر عن الحنين الثقافي لأفكار مبدعة خلاقة باستخدام الحروف العربية والسامية في مزيج مقدس بين الأشكال الهندسية والخطوط والنقط والكلمات ابتغاء خلق معان ذات قيمة ابداعية”. باتخاذه الحرف العربي إلى جانب علامات ورموز مستوحاة من التراث الغرافيكي المغربي، خلق لنفسه أسلوبا تشكيليا معاصرا، ينكتب ناظمه الأساس من خلال أنساق تعبيرية جديدة، تتغيأ بناء تصوّر إبداع “فريد ينهل من اعتقادات مختلفة وخيالات روحية”. عبد الإله الناصف بشفافيته المكشوفة، ينقب في/عن قيم روحية/جمالية/إنسانية تستف كينونتها السامية المتعالية من الإيمان والتعبّد والجمال. فهو يربط في أعماله بين “الماديات الانعكاسية والشفافة من جهة وبين والخشنة والناعمة من جهة أخرى”. فمنجزاته التي هي عبارة عن أقمشة حرة، بدون إطار، “مصممة لأجل بناء جسور فكرية بين البنية المفاهيمية للفكرة والفكر، والفضول من ناحية وبين التركيب البنيوي للتجربة البصرية، منعكسة في شفافية المادي وتكرار الكلمات والرموز من ناحية أخرى”.

وأنا أتهيأ لتحرير نص تحليلي ونقدي لأعمال الفنان عبد الإله الناصف، استوقفتني كلمات معبرة وعبارات رقيقة تنم عن فلسفة هو اختارها لتؤطر مساره الفني، ولا أخفي حقيقة كون أعماله لا تبتعد عن “نظرياته”، وعباراته التي ركبها بدقة وفهم لا تخلو هي بدورها من معان هادفة. بل ما قاله وكتبه يتماهى وما خطه ورسمه على “معلقاته”. سأسمي أعماله معلقات لكونها لا تشبه اللوحة مفهوما واصطلاحا وجمالية، بل هي معلقات تستمد روحها وروحانيتها من أغوار تقاليد مغربية شكلت على مر الزمن إحدى ركائز ذائقتنا الفنية. يحضرني هنا “الحيطي” بألوانه الناصعة وقماشه القطيفي وشخصيته الراقية، كما أتذكر “الخامية”، ستارة غرف المدينة العتيقة بشفافيتها، حيث تترك الذي بالداخل يرى دون أن يُكشَف. إنها إحدى ميزات المساكن العربية الأصيلة: شفافية المكان تتحد وشفافية الفرد لتمنح شخصية مضيافة، كريمة، خالية من كل شوائب.
تولدت أعمال عبد الإله الناصف عن بحث مستمر وشاق، وإيمان عميق بما تقتضيه التجربة الإبداعية من ممارسة دائمة ومثابرة مستميتة تعطيان للعمل الفني كينونة خاصة تجعله ينفرد ويتقوى ويبدو أصيلا مقارنة مع منافسيه. إنها إبداعات لا كالإبداعات التي ألفنا مشاهدتها، وكيف لا وروحها تنساب من يد فنان مثقف يتميز بحمولة فكرية وجمالية، لا تخلو من هموم جعلته يقفز على ما أصبح تداولا وابتذالا.
عبد الإله الناصف، خريج المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان وقبلها المدرسة الوطنية للفنون التقليدية بنفس المدينة، ثم إكمال التكوين الفني بباريس وأخيرا الالتحاق بنيويورك للتدريس والاكتشاف وصقل الذات في محاولة التوفيق بين الأسس القوية للتراث المغربي والثقافة الغربية. هذا التداخل والتزاوج أعطى فنانا معاصرا يشتغل على أسلوب معاصر ليمدنا بأعمال معاصرة، ذات شخصية ثابتة، تجعل المتلقي يعيش بنباهة فكرية، الحاضر في الماضي، ويعيد تأسيس الماضي في الحاضر.

“بناء جسور فكرية/تركيب بنيوي/شفافية المادة/تكرار الكلمات…” إنها أسس الجمالية التي تنبني عليها معلقات عبد الإله الناصف. أعماله جسور تحمل المتلقي عبر مسافات متجذرة في الثقافة العربية الإسلامية وجمالية التراث الأمازيغي، بفلسفتهما وفنونهما وآدابهما، ويتجلى ذلك من خلال قوة اللون المشاكس للرؤية، وحدة الشكل الذي ينخر حدود الفضاء ليستقيم وزنه داخل إيقاع المنجز. فكل عمل هو قطعة من لغز «Puzzle» تلك الثقافة، يستحيل الفصل بينها أو عزلها عن بعضها. بل يجب جمعها كلية لتكوين رؤية شاملة ذات أبعاد إستيتية لامتناهية، كما يمكن الاكتفاء بجزء واحد من اللغز. في كلتا الحالتين، تطفو شخصية العمل الإبداعي قوية وأصيلة. بسبب هذا كله يتفادى الفنان توقيع أعماله، لأنها في نظره غير مكتملة، وحينما يوسم العمل بالتوقيع فذلك يعني خاتمة المسار… كيف يمكن هذا والفنان يصرح علانية: «لا أنهي أعمالي” و “أدعو المتلقي للمساهمة”، و “لا أعنون أعمالي لأني لا أريد التأثير على المتلقي”.
تحيلني هذه العبارات على ما كتبه أمبرتو إيكو في “الأثر المفتوح”: “يقوم القارئ بتنظيم وبناء الخطاب بالتعاون المادي الكامل مع المؤلف، إنه يساهم في صناعة الأثر… إن كل أثر فني بالرغم من كونه ضمنيا أو ظاهريا إنتاجا لشعرية الضرورة، يبقى مفتوحا على سلسلة لا متناهية من القراءات الممكنة، وكل قراءة من هذه القراءات تعيد إحياء الأثر وفق منظور أو ذائقة أو تنفيذ شخصي.” إن دعوة المتلقي للمساهمة التي يبتغي الفنان هي نوع من نفخ الروح من جديد في أعماله، وبها يتنفس عمله ويحيا، وإن غابت تلك المساهمة، تحققت نهاية محتومة للأثر. فلمعلقات عبد الإله الناصف سرا مكتوما، ربما مكبوتا “يجب أن نقوم باكتشافه” كما قال الشاعر ملارمي. فرغم كونها، كما تبدو “شفافية مكشوفة”، يبقى فعل الكشف مقصورا على مستواه المادي الفيزيائي، أما مستواه الروحي فيتجلى لمن روحه متشبعة بنكهة المغرب وتراثه وتقاليده. فالأعمال المعروضة لا تطرح أمامنا موضوعا نستمتع بفحواه أو نتلذذ بجماليته. إذا كان الأمر كذلك، فأي جمالية في ألوان أحادية، بعضها شاحب؟ وأي جمالية عينية (من العين) في أقمشة تتشابه نوعا وكيفا ومقاسا؟ الخطة التي رسم أبعادها الفنان أعتى من كل هذا وأشد، إذ هو لا يبتغي الجمال بمفهومه الأرسطي ولا يكشف عن إيروسية الحياة، ولا يؤسس للأشكال بنسبها التقليدية الأكاديمية، كل هذا تم هضمه وتجاوزه منذ أن أخذ الفنان على عاتقه مسؤولية البحث “في قيم خاصة بالتقاليد والإيمان والتعبد والجمال… والسامي المتعالي”، جماليته تستند إلى الخط المتنوع المشارب والأصول، وإلى رموز تراثية قوية الدلالة، كاللولب والنجمات الخماسية والسداسية والثمانية… كل منها له مدلولاته وحمولاته الفكرية والثقافية والإيثولوجية، لا يسع المجال هنا لذكرها.

جمع شتات هذه العناصر التراثية ليشكل أنساقا تعبيرية جديدة “تساهم في تصور وإبداع أسلوب فريد ينهل من اعتقادات مختلفة وخيالات روحية”. نحن أمام أعمال ذات أبعاد تفوقية Suprématiste، ولا أقصد المرجعية إلى الاتجاه التفوقي الذي أسس له كازيمير مالفيتش. أبدا، رغم التقاسم الروحاني بين هذا وذاك. ما نحن بصدده هنا يكشف عن تفوقية الحساسية الخالصة في الصور الهندسية المجردة من أي تعبير ماضوي، لكن حاضرها الآني المرئي يكتسب ميزة مطلقة “بسبب مضمونه الهائل الكامن في الماضي، في المستقبل وغيره الذي يعلن عنه والذي يخفيه” مرلوبونتي.

المقال السابقتاريخ السينما ج3
المقال التالىعذاباتُ الندى
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد