بين الثورة والفوضى

 
الصدى - بين الثورة والفوضى

حين تحدث الثورات والانقلابات، يكتشف الناس ان النظام او الاشخاص الذين كانوا يجثمون على صدورهم، يسرقون حياتهم وثرواتهم ويعيثون بالارض فسادا وظلما، ليس سوى (نمرا من ورق)، حتى يظل السؤال دائرا لفترة ليست بالقصير: كيف تمكن هذا الغبي والتافه من حكمنا والتسلط على رقابنا كل هذه الفترة الطويلة من الزمن، ، هكذا ردد الايرانيون ومعهم العالم اجمع لحظة رحيل الشاه وسقوطه تحت صرخات الشعب، شاه ايران الذي كان يسمى بشرطي الخليج، وظل على مدى عقود من الزمن كابوسا ثقيلا على صدور الايرانيين، ومعهم دول الخليج التي كانت لاتجرؤا على نطق كلمة (لا) بوجه سفير ملك الملوك، وهكذا ايضا سأل العراقيون انفسهم يوم سقط الصنم في ساحة الفردوس قبل ثلاثة عشر عاما، كيف تمكن صدام الذي هوى بسرعة لم يتوقعها احد لا في العراق ولا في العالم من حكمنا طوال تلك العقود؟.. وكيف تنامى لدينا آنذاك الشعور في اننا لن نتمكن ابدا من الثورة على صدام الذي خر اخيرا كنمر من ورق الا بمعاونة قوى كبرى؟.. مشاعر اليأس ذاتها وفقدان الامل، تمتد الى الشعوب حين تتقبل يوما بعد يوم سلب حريتها وامتهان كرامتها وتبقى صامتة دون ان تصرخ ب( لا) وان كانت خافتة..

بالامس ودون ان يقصد، اوضح مقتدى الصدر للشعب وللعالم، ان النظام العميل المتسلط الطائفي الذي يحظى بدعم اقوى دولة بالعالم كما كان شاه ايران سابقا، ليس سوى (نمرا من ورق) ورغم ما يمتلكه من ميليشيات وحمايات وقوات امنية خاصة وعامة، الا انه تماما كاي مجرم ولص ليس بامكانه الا الهروب لحظة مواجهة الحقيقة، وماحدث امس، رغم انه عمل مخطط له و( دبر يليل) كما يقال، ومقدر ومحسوب الخطى، وحركة اخرى من حركات مقتدى التي نبهنا كثيرا الى التوجس منها، الا انه قدم صورة النظام الواهية وقدم ايضا صورة الثورة القادمة ، والقائمون على تخطيط وتنسيق حركة الجماهير الصدرية امس والرامين فقط الى تهديد المنطقة الخضراء والضغط عليها لتمرير مطالب الصدر وليس مطالب الشعب، فاتهم انهم كشفوا للناس عورة وخواء وضعف هذا النظام في الدفاع عن نفسه، وهروبه وجبنه لحظة المواجهة، وما جرى امس ايضا وضع العالم كله في قلق وحيرة، اما العراقيون وخاصة مثقفوه وسياسيوه المغيبون فكانت حيرتهم اكبر واعمق، وكان السؤال المرتبك والذي لم يخرج الى العلن هو: ماذا لو اكتملت الفوضى وتمكن الصدريون بوجوهمم الحالية من السيطرة على زمام الامور وتغيير النظام؟، ماذا لو اصبح حاكم الزاملي او ضياء الاسدي رئيس وزراء العراق القادم، ومحمد الدراجي نائبا له لشؤون الطاقة، وبهاء الاعرجي مستشارا للامن القومي، واخرين واخرين؟..كيف سيكون حال العراق بعدئذ، لقد كان قلقنا من اكتمال الفوضى واستمرارها وانتصارها امس، اكثر من قلقنا من بقاء النظام الطائفي الذي سنترحم على ايامه مثلما نترحم اليوم نادمين على ايام صدام فيما لو انتصر الصدريون وسيطروا على مقاليد الحكم، لقد كنا نؤمن دائما ان علينا ان لانستبدل السيء بالاسوأ، ومقارناتنا بين نظام صدام وبين نظام المأجورين الخونة اليوم هو اننا ايضا لايجب ان نقارن السيء بالاسوأ، وكأن ما كتب على العراق اليوم هو ان يعيش متنقلا بين سيء وأسوأ، وليس اسوا من الطائفية والمحاصصة والظلم والفقر والدجل والشعوذة، سوى الرعاع الذين سيحرقون الاخضر واليابس، ويدمرون كل ما تبقى في هذه البلاد، وينهون امال الناس في الثورة والاصلاح والحرية والعدالة والتقدم..

ولكن ورغم كل شيء، فان احداث يوم امس، اعطت جرعة جديدة للثوار الاحرار الذي يرتهن اليوم مستقبل العراق بفكرهم وصمودهم وتضحياتهم، واعطتهم صورة واضحة عن خواء هذا النظام المنبوذ وعن ضعفه وعن امكانية تهديمه في لحظة يخرج فيها جياع وفقراء العراق الاحرار الذين يؤمنون بالوطن وبالحرية، وليس عبيد هذا السيد أو ذاك، والذين باستطاعتهم الصراخ ب (لا ) قوية تهتز لها عروش الجبن والعمالة، وان غدا لناظره قريب..

لا تعليقات

اترك رد