تأملات في سينما بازوليني ومفهومه للسينما ـ ج 2


 

يرى بير باولو بازوليني أن العالم بحاجة إلى أخلاق جديدة كون السياسات الحديثة والمعاصرة تعاني من خراب تستعبد الفرد وتخنقه خصوصاً التحالف الوثيق بين الساسة والمافيا، إذن أمراض المجتمع لا يمكن حلها إلا بهدم خرافات النظم الحاكمة ورفع وعي الطبقة الكادحة وكان يجد صعوبة في كتابة الشعر مع تزايد إحساسه أن العالم ينجرف نحو الإستهلاك، في الأربعين من عمره توجه إلى الإخراج السينمائي لقناعته أن السينما أداة تعبير شعرية خلاقة وأكثر تأثيراً ولم يكن غريباً أو دخيلاً على السينما كونه خاض تجارب كممثل وكاتب سيناريو.
بازوليني خلق سينما خاصة به لها لغة تعبير مميزة تعكس عمقه الشعري وتتوسد أفكاره المثيرة للجدل، كسينمائي بازوليني تأثر بالموجة الفرنسية الجديدة وكذلك وجدت أفلامة حفاوة كبيرة من مخرجي هذه الموجة وكراسات سينمائية فكثرت عليها الدراسات النقدية والأكاديمية وحضيت رؤيته للسينما كفن شعري الكثير من الإعجاب.
بازوليني كان واقعياً لكنه لا يكتفي بالقشرة الظاهرة، يعشق كل ما هو قديم فينتقل من حكاية إلى الأسطورة ثم الخرافات فهو يبحث عن الحضارات الإنسانية التي تحتفي بالمقدس فسافر إلى المغرب العربي والشام واليمن وأفريقيا وبلدان أسيوية حيث يبحث عن الوجوه والأجساد المصبوغة بالطين والشمس فهو كان يرى أن المجتمعات الزراعية أقرب للروحي المقدس والمجتمعات الصناعية تستند على كل ما هو مادي إستهلاكي يفتقد للمقدس، حاول بازوليني كشاعر وروائي وسينمائي بكاء الحضارة الإيطالية ومحاولة إحياء الخيال والخرافات الشعبية ونزل إلى الدرك الأسفل المهمش الغير مرئي ليعطيهم البطولة والوجود دون زخرفة أو بهرجة مزيفة.

أفلام بازوليني كخلاصة لمزيج بين حبه لإيطاليا والسينما وكل أفلامه تقود إليه وتعكس جزءً كبيراً من سيرته الذاتية وتصور الظلمة الداخلية في نفسه وصورة موت أخوه الصغير الذي قتل، كذلك شعوره أنه منبوذ بسبب هويته الجنسية المثلية في فترة كان المثلي يختفي ويتستر بزوجة وعائلة لكنه كان يصرح ويفتخر بهويته المثلية ويصورها فجعل صوتها مسموعاً عالمياً بتصوير أن المثلية جزء طبيعي وحق إنساني بغض النظر عن رأي الأديان.

في هذه المقالات أجد من المهم أن نحرص على فهم سينما بازوليني ومفهوم شعرية السينما وليس العرض التاريخي للأفلام أو لبازوليني وقد أعرض وجهة نظري ومدى فهمي وتذوقي الخاص وليس حصر وعرض دراسات ونقد سابق الذي ربما أتعرض له قليلاً وسأحاول التوقف مع مشاهد لتحليلها فلا فائدة من وصف وتلخيص الأفلام ولكن يمكننا أن أناقش مع القراء وأستمع لأي ملاحظة أو إستفسار.
فيلم ماما روما (1962)
هنا مجتمع مهمش بعيداً عن البرجوازية والمظاهر الارستقراطية وكذلك بعيداً عن المغامرات والشخصيات المفتولة العضلات والجميلات الفاتنات فلا نجد مظاهر الجذب الجماهيري ولا مغريات لجذب الجمهور لشباك التذاكر، لم يصور بازوليني أفلامه في استديوهات مغلقة وكان ينجذب للطبيعة والتصوير الخارجي وهنا بأحدى الضوحي المهمشة لمدينة روما سيكون مسرح الأحداث مع ممثلين أغلبهم غير محترفين ومن نفس المكان وبنفس اللهجة، قصة عاهرة ( ماما روما) تعجز عن التحرر من قيد العهر والقواد الذي يطاردها، لها ابن تحبه وتخاف عليه لكن القدر يكتب تراجيديا عصرية مؤلمة لتكون نهاية مفجعة عندما ينحرف ولدها ويتم القبض عليه بتهمة السرقة ثم يودع بمركز رعاية نفسية تتعقد حالته فيربط كالمصلوب، تصرخ الأم كأننا مع الابن وروح القدس لكن الله الأب لم يفعل شيئاً.

فقط الحقيقة وعرضها عبر رموز ودلالات سينمائية وليس الكلام النثري، السينما الفن الأكثر تعبيراً لعرض الواقع عبر الواقع ، في بداية الفيلم يسخر بازوليني من الزواج كشكل اجتماعي ويصور حفلة زواج صغير للدلالة على النزعة الإستهلاكية، ثلاثة خنازير صغيرة ورقص وخمر في وسط اجتماعي في الدرك الأسفل من الحياة والسعادة، يبحث الناس عن لحظة فرح فيسكرون حتى الثمالة ويرقصون ويضحكون ويتبادلون الكلمات البذيئة، ماما روما تراقص ولدها كعشيق وهو يحاول التخلص من هذه العلاقة رغم جهلة بمهنة أمه إلا أن لديه رغبة التحرر والتمرد وهو لا يملك أي فكر أو فلسفة تقوده الفطرة وحدها.
الإنسان البدائي هي مادة بازوليني إيترو الشاب الصغير المراهق يأتي مع أمه إلى ضاحية شعبية في شرق روما، مجتمع مسعور وبائس وعنيف وليس من السهل التأقلم معه فهو مليء بكل التعقيدات النفسية والاجتماعية، هذا الشاب الطيب الساذج كعجينة خام سيشكله هذا العنف وهذه التعقيدات ونرى ببداية تعايشه تعرضه للضرب ولكنه يصمم على التحول ويبدأ في التشكل لنره في الأخير ضحية الوحشية المعاصرة.

بازوليني يخلق باسلوبه الشعري أساطير طرية ذات رائحة ولون إنساني، شخصية هذا المراهق كوكتيل من الضعف والنقص والتشوهات النفسية وشبه تلعثم بالكلام، أي كل عناصر الضعف مجتمعة فيه، تزج بهذه الشخصية المرهقة في مجتمع متوحش وهذه الوحشية لن تقلب عناصر الضعف والنقص إلى قوة تنسف أو تنتقم بل ستكون مسيحاً جديداً يصلب أمام أعيننا وترجيديا تُزهر الألم الموجع، هذه هي الشعرية للذين يريدون فهم بازوليني هو يقدم حادثة صلب المسيح عبر قصة من الواقع فنرى الشاب مصلوباً ينادي أمه ويرسم بازوليني عبر حركة هادئة لكاميرته الصليب، بازوليني الشاعر الملحد لا يقدس المسيح إيماناً أو قناعة لكنه يستخدمه كصورة عالمية وإنسانية للألم وهذه النقطة مهمة تحتاج أن نناقشها بمناسبات مستقبلية….يتبع

المقال السابقلماذا الكورد وليس الاكراد
المقال التالىيقطفون زهور الصحراء … بلا وجل
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد