السعودية قبلة التصالحات لتأمين أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي

 

تتوقع الأمم المتحدة أن تكون المدن العشر الأسرع نموا في العالم إفريقية خلال الفترة 2018-2035، ووفقا لدراسة أجراها البنك الدولي أن 472 مليون شخص من سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يعيشون في المدن مع ارتفاع في عدد المواليد والهجرة من الريف إلى المدن، وسوف يزيد عدد السكان عن الضعف بحلول عام 2040 ليصل مليار نسمة، وهو معدل يتجاوز بكثير التمدن في أي مكان آخر في العالم.

التمدن هو الذي روج رواية نهوض أفريقيا من قبل شركة ماكينزي الذي صدر عام 2016 كمحرك للإنتاجية، وذكر التقرير أن 24 مليون أفريقي سيعيشون في المدن كل عام خلال الفترة من عام 2015-2045 مقارنة ب11 مليونا في الهند وتسعة ملايين في الصين، لسنا بصدد صحة هذا النمو الحضري تنمويا الذي يمثل أحد اكبر التحديات السياسية في القارة تنمويا، لكن التقرير ذكر أن الإنتاجية في المدن أكثر من الضعف مقارنة بالريف.

لذلك نجد الجميع يتقاطر إلى أفريقيا لزيارتها من زيارة ميركل مستشارة ألمانيا وزيارة تيرزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا، وهدف توافد قادة أوربا على القارة الأفريقية لمناقشة التجارة والأمن والهجرة، ولن تترك طريق الحرير الصيني يطوق قارة أفريقيا، بعدما بدأت الاستثمارات الصينية تغزو القارة الأفريقية عبر 10 ألف شركة، وبلغ حجم التبادل التجاري الأفريقي الصيني 170 مليار دولار في 2017 الذي ارتفع من 10 مليارات عام 2000، وعقدت قمة بكين في 2018 لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي دور أفريقيا في إطار الخطط الصينية للتجارة والاستثمار والأمن ل53 دولة أفريقية تقيم علاقة مع الصين، ورفعت الصين استثماراتها في القارة الأفريقية من 30 مليار دولار عام 2014 إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020.

الحبشة التي أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته بالهجرة إليها مرتين لا تعني إثيوبيا الحالية بل تعني دول القرن الأفريقي تشمل إرتيريا والصومال وجيبوتي وأثيوبيا، احتلت أثيوبيا إرتيريا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي 1991 قاومت جبهة التحرير الشعبية الإرتيرية ونالت استقلالها عام 1993، لكن المنطقة أصبحت رخوة خلال الفترة الماضية نتيجة الصراعات في القرن الأفريقي، وأصبحت منطقة للقراصنة التي تهدد الملاحة البحرية ومنطقة لتهريب إيران أسلحتها للحوثيين في اليمن.

تنبهت السعودية بأن منطقة القرن الأفريقي منطقة استراتيجية ومدخل إلى القارة السوداء التي تعتبر سلة غذاء العالم ولكنها تعاني من الجوع، وأصبحت منطقة رخوة ستصبح موطئ قدم لدول معادية.

أقنعت السعودية أثيوبيا وإرتيريا بأن هناك مصلحة مشتركة بين أثيوبيا التي يسكنها 66 مليون نسمة التي هي سوق لإرتيريا، وأثيوبيا كدولة داخلية هي في أمس الحاجة إلى الواجهة البحرية في إرتيريا، أي أن هناك زواج مصلحة بين الطرفين خصوصا وأنهم تربطهم أواصر تاريخية مشتركة.

لم تتوقف السعودية عند هذا الحد بل منعت التدخل الإيراني في المنطقة، ومنعتها من إقامة قواعد وتهريب الأسلحة إلى الحوثيين، ومنعت قطر أيضا من التدخل في بناء سد النهضة الذي يؤثر على الحصة المصرية، والتي تربطها علاقة وثيقة بمصر وبأمن منطقة البحر الأحمر ومنطقة الخليج العربي.

لذلك نفذت وحدات المظليين وقوات الأمن الخاصة السعودية عددا من المهام التدريبية المشتركة مع القوات الصديقة المشاركة في مناورات النجم الساطع 2018 المقام في مصر كاقتحام وتطهير المواقع المحصنة والقفز الحر والإنزال المظلي والرماية بالذخيرة الحية في قاعدة محمد نجيب العسكرية بمدينة الإسكندرية تشمل ( السعودية ومصر والولايات المتحدة واليونان وبريطانيا والأردن والإمارات وإيطاليا وفرنسا إلى جانب 16 دولة بصفة مراقب ) لرفع الجاهزية القتالية لدى منسوبيها وتبادل الخبرات وصقل المهارات العسكرية للمشاركين وسط بيئة قتال حقيقية لحماية أمن البحر الأحمر وأمن منطقة القرن الأفريقي.

فتوقيع البلدين اتفاقية في يوليو 2018 بعد قطيعة دامت عشرين سنة واتفقا على تطبيع العلاقات فضلا عن السماح باستخدام الموانئ الأثيوبية مكلى في ميناء مصوع وبعد تلك الاتفاقية زار رئيسا أثيوبيا وأريتريا السعودية والإمارات في مايو 2018، فيما زار أسياس أفورقي السعودية في يوليو ثم عقدوا قمة ثلاثية مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وبنهاية هذا النزاع الذي يولي اهتماما خاصا بأمن البحر الأحمر والموانئ التي على الضفة الأخرى للبحر الأحمر وإسهام ذلك في جلب الاستقرار في الإقليم ومنع تدخل دول تضمر العداء لتلك الدول.

السعودية تدرك أن الموقع الاستراتيجي للقرن الأفريقي بندا ثابتا في استراتيجيات الدول الكبرى واهتمامات الدول الإقليمية وهي منطقة حيوية لا يمكن السماح لدول إقليمية

أخرى وبشكل خاص إيران وتركيا من الحصول على موطئ قدم راسخة في المنطقة تهدد المصالح الحيوية للدول الإقليمية وعلى رأسها السعودية ومصر والسودان وبقية دول القرن الأفريقي.

خصوصا وأنها القرن الأفريقي هدية من الجغرافيا، وتاريخيا ومنذ الهجرة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابة إلى الحبشة أي دول القرن الأفريقي والتي تؤثر في حسابات الأمن والتجارة، لذلك بدأت السعودية تعطي عناية خاصة لهذه المنطقة أو لهذه المنحة الجغرافية التي تطل على دول المحيط الهندي وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بدلا من تركه لإيران تهدد بغلقه من حين لآخر عن طريق وكلائها في اليمن.

وهو ما يجعل السعودية تصمم على إنهاء الدور الحوثي في اليمن كمتطلب أمني لحماية البحر الأحمر، وبشكل خاص ليس فقط حماية الممرات البحرية بل حماية مضيق باب المندب التي هددت إيران البعيدة بغلقه.

والتي أرسلت رسالة مهمة جدا ليس فقط للسعودية بل للعالم ،جعل السعودية تسرع في تحركها نحو حماية مصالحها الحيوية، والتي أهملت بعد نهاية الحرب الباردة بعد مرحلة حرب بين أوغادين بين الصومال وإثيوبيا عام 1977 وإرسال موسكو مستشاريها العسكريين بأسلحتهم ومعهم 18 ألف عسكري كوبي وألفين من قوات الرفاق من عدن يومها يعتبر التدخل الروسي مثل التدخل الروسي في سوريا اليوم لإنقاذ إثيبوبيا من هزيمة محققة.

ثم اندلعت الحرب الأثيوبية الإريترية عام 1988 وخلفت على ما يزيد على مائة ألف قتيل حتى أصبحت المنطقة رخوة جعل الدول الكبرى تتسابق للحضور إلى القرن الأفريقي كان آخرها حصول الصين على موطئ قدم في إقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي، وتقوم الصين بهجوم اقتصادي نحو القارة الإفريقية تحت شعار الطريق والحزام.

لذلك السعودية تسابق الزمن في حماية منطقة القرن الأفريقي من أن تدخل في حروب عبثية تقودها دول إقليمية وعلى رأسها إيران من اختراق القارة لإرباك المنطقة وإصرار المجتمع الدولي على خروجها من اليمن وسوريا وحتى من العراق، لكن بإنهاء الوجود الإيراني في اليمن، تكون السعودية قد حمت ضفتي القرن الإفريقي من التدخل الخارجي من خلال إقامة مصالحات بين جميع الأطراف والذي توج بتوقيع

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي وارئيس الإرتيري أسياس أفورقي على اتفاق نهائي للسلام برعاية مباشرة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في جدة الذي يعتبر اعتراف بجهود السعودية بالتعاون مع الجهود الإماراتية التي تعبر عن نجاح كبير في الدبلوماسية السياسية السعودية وفي الاقتصاد وفي الأمن وتحقيق السلام داخل القارة الأفريقية بين دول مجرى النيل بين إثيوبيا والسودان ومصر بل هناك جهود تجري لتحقيق المصالحة في جنوب السودان.

فالسعودية تؤكد دورها الريادي في إرساء السلام الإقليمي والعربي والإقليمي للتقريب بين الأطراف والأشقاء وسد الفجوة بين الفرقاء، وبتوقيع اتفاقية المصالحة بين إثيوبيا وإرتيريا في جدة في 16/ 9/ 2018 يذكرنا باتفاق الطائف عام 1989 الذي نشر السلام في لبنان بعد 15 عاما من الحرب، ولكن نجد أن الدور الإيراني يقوم بدور معاكس وهو تخريب أي سلام تقوم به السعودية، وأيضا مساعيها لوقف الحرب في الصومال عام 1992 وما تلاها من جهود لتحقيق المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس في اتفاق مكة لكن إيران تدخلت وألغت هذه المصالحة بحجة المقاومة والممانعة واليوم تحولت مليشيات إيران من أجل التقرب إلى إسرائيل وأمريكا أنها تحولت من تحرير القدس إلى تحرير مكة.

وأيضا رعت السعودية مصالحة في أفغانستان والعراق واليمن ما يظهر الثقل السياسي الكبير للسعودية وما تضطلع به من مهام في نشر السلام والتسامح، وما تتطلع إليها الشعوب العربية والإسلامية من آمال حتى غدت دار سلام عالمية.

لا تعليقات

اترك رد