رموز الالهة

 

قد يفكر البعض ان الديانات القديمة كانت تزخر بالعديد من الديانات التي مثلت فيها الحيوانات والرموز المادية مركز اساسي في العبادة ، أي ان البشر قدس الحيوانات ورفعها الى مصافي الالهة وهذا مؤكد وبشكل صحيح في اغلب الديانات التي ظهرت في العالم القديم قبل التاريخ .. وما اكد ذلك المخلفات الاثرية والمشاهد الفنية التي تركها القدماء في الازمان السابقة . ولكن لا ينطبق هذا الموضوع على جميع الديانات فنجد ان سكان بلاد الرافدين لم يعبدوا الحيوانات ولم يرفعوها الى مصافي الالهة بل مثلت الالهة على هيئة بشرية ذات صفات مميزة ولم تتخذ شكلا حيوانيا مطلقا وهذا يتضح من خلال العديد والكثير من المخلفات الاثرية المادية والكتابية .. وما فعله العراقي القديم انه اتخذ للإلهة رموز مقدسة للدلالة على صفاتها وابراز قوتها .. وهذا الحال مشابهة بما يعرف بالتشبيه ومقارنة الصفات .
اذ اعتقد العراقيون القدماء بوجود عدد كبير من الالهة تنظم شؤون الكون والبشر على الارض وهذا الاعتقاد جعلهم يفضلون الهة على اخرى فكان بعضها يتمتع بأهمية كبيرة على خلاف بعضها التي تعد قليلة الاهمية نسبيا . وقد خص كل اله مظهر من المظاهر الطبيعة او شأن من شؤون الحياة او ظاهرة من الظواهر العامة وجسدت الالهة على هيئة موز مختلفة . لذا اصبح للرموز العقائدية اثرها البالغ في حياة العراقيين القدماء فقد ترسخت في نفوسهم كثيرا كما تغلغلت في تفاصيل حياتهم اليومية آنذاك ، وكانت تلك الرموز تعكس الكثير من الاوجه والأفكار والتفسيرات الدينية التي لا زالت مبهمة وغير واضحة بالنسبة الينا ولاسيما منها المتعلقة برموز الالهة التي كانت تشكل جزءا مهما في عناصر فلسفة الفكر الديني العراقي القديم .
لذا رأى الانسان العراقي القديم في ظواهر الطبيعة تجسيدا لقوى عليا فوق البشر ، وهي الالهة المختلفة التي التمس حمايتها وتصور تلك الالهة على هيئة البشر لها صفات البشر المادية والروحية وهذا المبدأ قائم على ما يعرف بمبدأ التشبيه، الذي اتسم به المعتقد العراقي القديم فالإلهة كانت في نظر القوم آنذاك تشبه البشر في كل شيء باستثناء تسامي الالهة وتفوقها وسيطرتها المطلقة عل البشر، فضلا عن انها تميزت عن البشر بميزة فارقة ومهمة وهي الخلود فهي لا تموت بعكس الانسان الذي قرن به الموت منذ ان خلقته الالهة .
لذا مثلت الالهة في المشاهد الفنية بهيئة بشرية في شكلها المادي ولاجل تميزها عن البشر صورت بصور تختلف عنها حيث بالغ النحاتون في ابراز حجم العينين والاذنين فيها للدلالة على بعد النظر والحكمة ، ووضعت التيجان المقرنة على رؤوسها والقلنسوة ذات الطيات الخاصة بالالهة ، وقد مثلت بشكل عام بحجم اكبر من حجم التماثيل الاخرى الخاصة بالحكام والملوك.
فضلا عن ذلك فقد تصور الاقدمون ان هذه الملامح غير كافية لاظهار شكل كل اله بصورة كاملة ، فضلا عن عدم قدرة هذه الاشكال على التعبير عن كل الوظائف الالهية واعمالها وصفاتها ومن اجل ذلك جعلوا لكل اله عددا من الرموز لتعكس مهامه .
لذا فقد مثلت رموز الالهة بهيئة اشياء مادية كانت على صلة وثيقة بحياة السكان واعمالهم وبيئتهم ، كما اعتقدوا بان هذه الرموز تمثل الالهة نفسها حتى في حال عدم تواجد هيئتها الالهية وحضورها أو حمايتها للافراد . وكانت رموز الالهة كثيرة وكثيرة جدا في العراق القديم فقد صورت تلك الرموز على هيئة حيوانات طبيعية مثل الاسد والطيور والسلاحف والعقرب ومخلوقات عجيبة مثل التنين أو الاشجار والنباتات واغصانها أو اشياء غير حية تتالف من مواد الملبس واصناف الاسلحة وانواع الادوات الزراعية والاعمدة وغيرها، كما تضمنت هذه الرموز مفاهيم تجريدية مثل الاجرام السماوية كالشمس والنجوم. ولكن دون عبادتها او اتخاذها الهة بحد ذاتها كما هو الحال في ديانة المصرية القديمة او الديانات التي انتشرت في ارجاء العالم القديم.
وهكذا فان هذه الرموز التي قد تبدو غامضة بالنسبة لنا كانت تبدو واضحة جدا عند السكان آنذاك بحيث ان التلميح إلى رمز اله معين كان يعد كافيا لنقل المعنى لعقل السامع كما ان مفهوم بعض الرموز المبهمة الاخرى كان يمكن تخمينه من خلال التفسيرات الدينية وطبيعة التوجهات العقلية السائدة آنذاك.
وبذلك يتضح انه كان للرموز اهميتها وقدسيتها الخاصة إذ عوملت من قبل الكهنة معاملة الاله نفسه حيث خصص لها احد الكهنة للعناية بها وحفظها بغرفة خاصة في المعابد ، اذ كان هذا الكاهن مؤتمنا على هذه الرموز ومسؤولا بشكل مباشر امام حاكم المدينة أو الملك.

تصريف /فاتن موفق فاضل … رموز اهم الآلهة في العراق القديم (دراسة تاريخية دلالية

لا تعليقات

اترك رد