ثقافة الديموقراطية


 

نحن العرب بلينا بكوارث عديدة في مجتمعاتنا و بلداننا، فلقد كانت تلك الكوارث مخفية تحت السطح لما تدور احداثها في الخفاء، فقد كانت حكوماتنا الفذة تعيش و تدير الامور بكثير من القمع للفرد بكل انواع القسوة المعروفة و الغير معروفة.

و لكننا كأفراد و مجتمعات ننتهج مناهج هجينة و معوقة و لذا فإننا نبني لأنفسنا قضبان سجون لعقولنا تجعل منا أفراد ضعفاء يمكن لأي نظام فاسد أن يسيطر عليه.

و هنا أنا لا ابرئ الانظمة العربية الفاسدة، بل اشير باصبعي إلى الجرح مباشرتا، فالمجتمعات العربية بما فيها من ثقافة فاسدة هي حواضن طبيعية لنشوء انظمة قمعية فاسدة.
فعلى سبيل المثال، في يومنا الحاضر هذا، و في ظل الديموقراطية الصورية الموجودة في العراق، خلقت مع الوقت رموز فاسدة بمسميات مختلفة و لا أحد يجرؤ على ان ينبس بكلمة ذم واحدة خوفا من الملاحقة و الأذى. لكن الوضع لم يكن هكذا منذ الأزل، فلو رجعنا إلى الوراء لوجدنا أن الرمز الفاسد هذا كان في يوم من الايام انسان عادي تطور مع الاحداث ليصبح على ما هو عليه اليوم. لكن خلال الاحداث، كان لا بد أن يقع في الغلط في مرة من المرات، و هناك بالذات لم يكن أحد يوقفه عند حد العدل و ذلك لأننا ببساطة مجتمع يتغاضى عن الغلط و لا ينتقده، إما لمصلحة في الخطأ أو لعدم وجود مصلحة في الانتقاد. و في كلى الحالتين ينشأ الرمز الفاسد شيء فشيء.

و في محور آخر، نشاهد الكثير من الدمار في البنية التحتية و حتى البنية التحاية للاخلاق العامة، و هذا الحال لم يكن هكذا منذ الازل، بل في وقت من الأوقات، بدأ الدمار يأكل المجتمع تدريجيا، و لقد حصل هذا نتيجة توقف الأفراد عن حث بعضهم البعض على المنهج الصحيح، و هذا يشبه كثيرا توقف الافراد عن ذم التصرف الغالط.

و لا ننسى أهم نقطة على الإطلاق، ألا وهي قدرتنا على تقبل الانتقاد أو الأخذ بالرأي الصحيح، فلا اتعجب عندما أرى أن شخص ما يتصرف بشكل خاطئ، مثلا رمي النفايات في اي مكان (مثال بسيط) و عندما ينقده شخص ما او يحثه على النظافة، ترى الذي رمى النفايات يتخذ موقف الدفاع حتى ولو كان خاطئ بذريعة العزة بالنفس، لذا فإنه يزيد على فعله فقط لكي يثبت بأنه هو المسيطر على تصرفاته.

هذه النماذج و غيرها هي نتيجة ثقافة اجتماعية فاسدة و عندما نضع الديموقراطية بأيدي اناس مثل هؤلاء نحصل على كارثة و وبال. فالديموقراطية ليست فقط جمع اكبر عدد ممكن من الاصوات لكي يحصل الفائز على كرسي الحكم ان كانت تلك الأكثرية لديها ثقافة فاسدة. بل إن الديموقراطية تؤتي ثمارها عندما يعطى المجتمع حق إتخاذ القرار الصائب بنائا على قدرة كل فرد في التحليل و اتخاذ القرار الأصلح للمجتمع و للفرد نفسه بناء على مفاهيم فكرية ناهضة.

ولكي ابسط المسألة اكثر، فلنفترض أن المجمتع هو عدد من البحارة الذين يبحرون على متن سفينة تجارية. و هنا يمكن أن نحصل على عدة نماذج للابحار في تلك السفينة. طبعا يمكنك أيها القارئ الكريم أن تجرب احتمالات كثيرة لكيفية الابحار بتلك السفينة.
لكن لنفترض أن لدينا سفينة (حال العراق اليوم) يركبها عدد كبير من البحارة المفتقرين للقدرة على التفكير الصحيح، و بدلا عن ذلك تجمعوا و تكتلوا في كتل غوغائية. هنا تصبح الديموقراطية كارثة، فكل احد تلك التكتلات الغوغائية سوف تجر السفينة إلى مسارها و النتيجة تكون بأن السفينة سوف تتوه في البحر كما يتوه الأعمى في الصحراء.

ما اود ان أقوله في هذا المقال هو أن الديموقراطية ليست مجرد صندوق نرمي به باوراق كما لو كانت لعبة، بل إن الديموقراطية هي ثقافة تعايش و اتخاذ قرار. و هنا يجب أن نفهم أن المسمى ليس هو المهم بل إن الجوهر هو المهم. و لكي اعطي مثال صالح على ثقافة الديموقراطية الصحيحة، فلنفكر في مجموعة اصدقائنا. تخيل أنك اجتمعت بشلة اصدقائك الذين يحترم كل واحد منكم الآخر، تخل انكم اجتمعتم ذات يوم و تريدون أن تقموا بنشاط معين (رحلو شواء على سبيل المثال)، فهنا تبرز ثقافة الديموقراطية الصحيحة حين تتناقشون و يبدي كل واحد منكم برأيه و من ثم تقررون إلى اين تذهبون. فهنا ابدى كل واحد منكم برأيه من دون إقصاء الآراء الاخرى (لأنكم أصدقاء و تحترمون بعضكم البعض) و لذا فإن قراركم يحترم من قبل الجميع و ينفذ على اكمل وجه.

و يا حبذا لو فكرنا بأفراد مجتمعنا على انهم اعز اصدقائنا الذين نحترمهم و نسعى سويتا كلنا الى إيجاد احسن الحلول لمشاكلنا المعاصرة.

لا تعليقات

اترك رد