التعليم وحفظ المنجز العقلي للإنسان قديماً وحديثاً

 

استقرَّ الإنسان في جماعات، تعمَّدت بمنطلقات العلاقات القرابية لتنفتح بعد ذلك وتمد جسور علاقات أشمل وأوسع فيما بينها. وبولادة مجتمعات الحواضر ودولة المدينة كان الاتصال الإنساني، يتعزز بتقدم لغته وتعزّز منطق التفاعل بين الأفراد بإطار تلك العلاقات البشرية ومستوى الاستقرار.. وكان التبادل الشفوي ذا أثر مكين في تناقل حال الاصطلاح والتواضع اللغوي؛ حتى جاءت الكتابة، لتكون أداة أخرى لذاك التناقل والتبادل المعرفي تحديداً في نشر الخبرة اللغوية ومعرفتها؛ تلبيةً لحاجاتٍ فرضتها الحياة آنذاك.

في تلك المراحل المبكرة التي تحول بها الإنسان من وضع إلى آخر، أكثر تقدماً وتنوعاً في سدّ حاجاته الحياتية وأولها حاجات العيش الغذائية، كان الصيد مصدرها أولاً وبدءاً، ليأتي الرعي والزراعة وما فرضته من معارف تالياً؛ بتلك المراحل، تطلَّب الأمرُ أنْ يجري (تعليمها) للآخرين ونقل تلك الخبرات والمعارف إلى الأجيال التالية..

فكانت عملية التعلُّم والتعليم فالتعلّم في أول خطواته جاء من التجربة الذاتية المحدودة لكنها التاريخية (الكبرى) من اكتشافات مثل استخدام النار والعصا وأمور أخرى بلا تحديد إحصائي هنا.. وجاء التعليم من تبادل خبرات تلك التجاريب بوسائل الاتصال المتاحة من لغة بدائية؛ لم تتعدَّ بضعة أصوات وحركات إشارية تعتمد التجسيد البصري (الصوري) ومنطق إيحاءاته المباشرة ولكنها كانت عملية تعليم مكتملة الأطراف في حركتها وفعلها النوعي المتلائم ومرحلتها.

لقد كانت عملية التعليم الأولى قائمة على محددات ما يمتلكه الإنسان فردياً جمعياً، من خبرات ومعارف بدائية. حتى اتسعت حركة التمدن وصعد نجم الحضارة لنشهد مع تلك المتغيرات ظاهرة انطلاق أولى صفوف التعليم المتقدمة نسبة لتلك المراحل ممثلة في فصول المدرسة السومرية، الفرعونية، الصينية واليونانية ولتشهد الحضارة الإنسانية أدوار: مكتبة الاسكندرية وأكاديمية أفلاطون الأثينية ومدرسة كونفوشيوس الصينية وجميعها كانت مراكز التعليم آنذاك تلك التي طبعت نظام عملية التعليم بما حملته وبما أدت من وظائفها في تزويد المتعلم بما توافر من معارف في حينه.

لقد تطور (التعليم) لينهض بمهمة نقل المعارف والعلوم بأداة لغوية بعينها وبشكلٍ منظَّمٍ انطبع بجملة خصائص حيث صار محددِ الوسائل مع تقسيم مراحله وتخصصاته وتضمينه أو انطباعه بأهداف على وفق الغاية من إعداد المتعلم.. وبما يناسب شخصيته ومرحلته العمرية وقدراته المخصوصة وميوله…

وهكذا فإنّ التعليم بمراحله الأولى بات يتحتم أن يتضمن عناية في إيصال الأسس اللغوية والثروة المعجمية الملائمة المناسبة وبصورة تدريجية مثمرة منتجة محسوبة بدقة..

ومع تقدم المنجز العقلي البشري والحضارة الإنسانية صار لنا اتساع في المعجم اللغوي بما يعبر عن مستوى الرقي العلمي وهو ما تطلَّب دائماً وباستمرار البناء في ثروة الفرد بما يخدم اشتغاله المتخصص..

وإذا ما عاودنا الإشارة إلى المراحل الابتدائية لإعداد التلميذ (المتعلم) فإن عملية ((التعليم)) لا تتم من دون انتباه ذي أثر بمجالات (تربوية – نفسية) للمتعلم. فسايكولوجيا التعليم عند الأطفال غيرها عند الكبار. وهي إشكالية جد مهمة في صياغة المناهج وأساليب التعليم لتحقيق النتائج المرجوة من التعليم عملية متخصصة ببناء الإنسان فردياً جمعياً…

ما يهمني بهذه الإطلالات أنْ أعالج (التعليم) في إطار الوجود الإنساني ودوره تحديداً في تكريس إنسانية المجتمع البشري وفصم الإنسان ومجتمعه نوعياً ونهائياً عن كل أشكال وجود الأحياء الأخرى.. حيث استثمر (الإنسان) قدرات التعلّم عنده في التحول بخبراته من حال فردي إلى حال أخرى جمعية بوساطة عملية التعليم. لتكون تلك العملية (أي العملية التعليمية) أرقى جهد استطاع به الإنسان أن يواصل أنسنة وجوده وأن يطبعه تالياً بمنطق التمدين والتحضّر…

ولو لم يجتهد الإنسان باستحداث تلك العملية (التعليمية) لما استطاع أن ينجز (التراكم) المعرفي المتأتي من تجاريب التعلّم ولما استطاع أن يتقدم بتلك الخبرات بعملية تنمية وارتقاء وحركة تقدم إلى أمام. لقد كان التعليم أداة عظيمة في صنع الإنسان بوجوده فردياً جمعياً وبما تحول إليه في المنصة المجتمعية في حركة التحول الحضاري التي نعرفها…

وكلما تفتَّح التعليم بأسسه وقوانينه واستهدف الإنسان وتقدمه تحديداً، استطاع أن يتقدم نوعياً بالإنسان؛ وهو ما وصل تالياً إلى مستوى عبرت عنه حركة تقدمه، يوم باتت تتم بقفزات كبرى تطارد حركة النهضة البشرية المعاصرة عبر تاريخ التقدم الإنساني وعبر حاضره متعاظم التطور العلمي بدرجات مميزة غير مسبوقة.

وكان إثراء المجتمعات يتم بتناسب طرديّ مع سلامة التعليم ونضج نظمه، فيما ذاك التناسب الطردي ينعكس باتجاهه منقلباً ليوقع المجتمعات في منطقة حضيض الخرافة وتناقلها، ليس مضموناً أو محتوى للتعليم ومخرجاته المتخلفة حسب بل ومنهجاً وأسلوباً قيَّد بعض المجتمعات وأسرها فأخرجها من حركة التاريخ، محتجِزاً إياها في كهوف تعفنت بما فيها وعفَّنت مَن أسروه بمعاقلها..

وكان قد جاء إلى موقع القرار في الدول التي صعد نجمها، من وجد في (العلم) أداة لترصين قدراته وتعزيز قوته.. فالسيف لم يكن السلاح الأمضى عنده.. وبهذا اهتم بالتعليم نظاماً شاملاً لتحقيق تلك المتغيرات في بناء الإنسان وعقله، حتى أنّ تلك المراحل والظروف فتحت الاجتهاد على مصاريعه وكسرت التابوهات المقدسة زيفاً، لتمنح الحصانة لحركة عقلية ومنطقها التنويري…

المشكل هنا أنّ بعض من يقرأ تلك المراحل ينسبها حصراً، لأفراد ولتصدّرهم المشهد وموقع القرار، بينما الحقيقة تنفتح على منجز عقلي جمعي كما بنماذج وشواهد تاريخية معروفة كثيرة وعليه فإنّ إلحاق المنجز الحضاري لعصر أو مرحلة تاريخية ونسبته لفرد يمهّد لقشمريات منطق مزاجي مرضي فمن يقع بكراهية نفر، فإنه سيتم إقصاء ما تمّ من منجز ومنهج في أمر منسوب له، بينما ينبغي الانتباه على أهمية توكيد أن إنتاج الخيرات المادية والروحية – العقلية هي قضية مجتمعية شاملة يمتلكها المجتمع برمته.. أما لعبة الشخصنة والفردنة فتظل لعبة حبيسة ضيق الأفق من جهة وعفن ما يتم اجتراره من تخلف لم يكن سائداً حتى بتلك المراحل التاريخية ليجري إنتاج خطاب يخدم الاستغلال ونظامه المرضي..

إنَّ هذي التجربة التاريخية للحضارة البشرية تؤكد أنّ إنتاج المعارف والعلوم لا يقبع بمنطقة الفرد العبقري، وكأنه الاستثناء الهابط لمجتمع بعينه من فضاء خارجي بل هي قضية إنتاج جمعي مجتمعي شامل وكبير ومن دون أرضية نشر العلوم ومحو أمية المجتمع أبجدياً ثقافياً لا يمكن أن ننتج علوما متخصصة يمكنها أن تبني. وما قد يظهر من بعض شكليات بمسمى (علوم وعلماء) إنما سيكون بتلك الحال، مجرد خديعة المقدس المزيف، وما ينتجه (دعاته) من أضاليل التخلف ومخادعاتها…

بالضبط كما نرى بعض مجتمعات اليوم تحيا على موائد (ما) يسمونهم علماء وهم ليسوا سوى دجالين يعقدون المجالس لنشر خزعبلاتهم وملء عقول خاوية جرى إفراغها من العلوم والمعارف ومن أرضيتها المجسَّدة بمنطق التنوير وثقافته المتمدنة المتفتحة…

وعملية (التعليم) بظلال هذا المنطق هي عملية اجترار (معلومات) شكلية (منتخبة)، بقصد تحنيط العقل وتجميده لتحظر التفكير فيه بما يفضي إلى ظاهرة (اكتساب) السلبي مضموناً ومنهجاً بديلا عن قدرة (التعلّم) التي تعني اكتساب المعارف والعلوم ذاتيا بنهج متفتح يتأسس على منطق الاجتهاد والإبداع وكسر التابوهات المزيفة…

وهكذا فالتعليم عملية بوجهين ومسارين متناقضين إن جاءت مكتملة متفتحة خدمت حركة التقدم وإن تمّ انتزاع جوهرها صارت أداة مخادعة وتفريغ العقل وتسطيح الإنسان ومنطقه بما يهيئه للحشو بالخرافة…

والتجربة البشرية تسجل الحالين، مثلما تسجل مقدار حركة التقدم وتعميد سواعد النهضة والتفتح بعملية تعليم صحية صحيحة فيما سجلت كوارث عملية التعليم المفرغة من أدواتها العميقة المنطقية الأنجع والأنضج. ودراسة ذياك التاريخ المشهود مفيد لتقديم الدرس والعظة لجيل اليوم وتحريره من أسر الظلاميات وعفن كهوفها…

فهلا أدركنا من حركة التاريخ ومنجز الحضارات البشرية دروسها الأهم؟ هلا تعرفنا إلى أية عملية تعليمية نتوجه وبأي اتجاه نختارها؟ هلا تعرفنا إلى خدعة أن يكرس بعض الأدعياء أضاليل التخلف بمظلة مقدس مزيف كاذب؟ هلا أدركنا مخاطر ما يسمونه (المدارس الدينية) وهي ليست سوى موائل تحريف التعليم باتجاه يخدم منطق الاجترار للماضوي المنقرض بدل الاستفادة من البناء على تجاريب الماضي الحي بعظاتها لا بعفن بواقيه الميتة؟

تلك أسئلة سنوردها في إطار محاور الإطلالات التالية، وعسى تكتمل بتفاعلاتكم البهية

لا تعليقات

اترك رد