تحت السلّم


 

حائرة تنظر الى كومةِ أشياء قديمة وصناديق مركونة تحت السلم اهملتها سنين طويلة حتى تعفرت بالشحوب واصفرّ لونها ،عليها ان تصفيها ستأخذ المهم وتترك الباقي لقد اتصلت بها القنصلية وتمت الموافقة على طلبها ل اللجوء…… السفر سيكون خلال مدة اقصاها ثلاثة أشهر .الكثير من الصور والاوراق ودفاتر عتيقة احتفظت بها منذ زواجها قبل خمسة عشر عاما ، اغراض اهلها التي نقلتها الى بيتها بعد هجرتهم وبعد بيع البيت، ركنتها جميعا تحت السلم..
تاريخ او ربما عمرا كاملا يسجد صامتا تحت ظلال تمتطي اغصانا طرية عند حجر او جدار او بوابة حديقة عتيقة، أرَق حروف لم ترتوي بعد من العصافير و الحكايات ، أماكن تفوح ثرثرة شفاه ابتلعتها الحفر الرطبة والفجوات مثلما ابتلعت اصحابها … تحت السلم صناديق هشة تحمل عطر الضحكات ،حب ومواعيد ولقاءات ….حياة و اجساد كانت تتنفس يوما والان صارت تراب …..التقطت انفاسها وهي تقلب الاوراق الباهتة ومع كل ورقة تشرد الى زاوية من زوايا ذاك الزمن ترتدي مسافات عطشى تتلون بآهات وبراكين شتى تتلعثم في صدرها النداءات ندبات روح تنزف قصائد وجد لأحبابٍ فقدتهم و اليوم تم نبش الصور. ريح عاصفة تقودها طوعا لتعود الى تلك الايام
كثيرة هي الاوراق والمحطات … تقلب شهادة الاعدادية …المعدل العالي ، شهادة التخرج من الكلية…
– يا الله جميعها صارت بلا اهمية وغير معترف بها خارج البلد و(ما توكل خبز) وكما يقول المثل (علي ان أنقعها وأشرب ماءها ).
اضاعت عمرا بين الملازم والمحاضرات تلهث والآن صارت هباءاً منثورا سترحل بلا شهادة وكأنها لم تدرس يوما وكأن العمر الذي مضى ليس سوى سراب وضياع ….ألم تسهر تحت ضوء الفانوس ايام الحصار وتحت هدير الحرب والقصف ؟
– يا ويح قلبي عليَّ ان أبدأ من جديد لأحصل على هوية و شهادة وخبرة حتى وإن تطلب مني العمل في محل البسة او مطعم…. سأبدأ من الصفر.
تأخذها الدهشة وهي تحدق في احدى صورها :
-هذه الصورة قبل عشر سنوات ، يآه كم كانت جميلة تلك الضحكات الصافية والنقاء على الوجوه لقد اسرع الزمن كثيرا وعبرتُ الاربعين فجأة لماذا لم أنتبه واين كنت ؟
تدمع العين وهي تزيل الغبار عن صورة أخرى بالزي المدرسي تقف وسط والديها واخوتها امام باب دارهم القديم ، لقد باعوا البيت بعد وفاة الوالد وتقاسموا الحصص اما صاحبه الجديد فقد غير خريطته وقطَعَهُ ليصبح دارين بسياجٍ عالٍ وموديل حديث ما عادت فيه حديقة كبيرة ولا شجرة تتدلى منها العناقيد و لم تعد رائحة الياسمين تعطر الشارع اختزل كل شيء وصار حجرا وبناء ، رحلت النسمات و انزلقت الى منحدر الفراغات زجاج النافذة صار ملونا وما عاد يستقبل شعاع الشمس ولا ابتسامات الصباح
تسارعت الدقات ، تلبّسها النحول والوهن وارتعشت يدها وهي تقلب صورة لأخيها الشهيد ،كم كان وسيما ومرحا ،لفحات من الشغف وغصة تستعطف حلما هاربا تتسولُ نزيفا ودمع ….
-لماذا يا حبيبي لم تتمكن من الافلات من براثن الغدر؟ آه ايها القدر عودتنا على الصدمات والخسائر…. فاضت عينيها وهي تحاور صورته :
– لو تزوجت كنت سأصبح عمة أولادك وكنت سأشتري لهم الكثير من الهدايا والالعاب كم كنت اتمنى ان اختار عروسك وألبسها بنفسي فستان الزفاف مثل ما كنت اساعدك بلبس ثياب المدرسة منذ كنت طفلا وأكيد كنت سأعزمك وعائلتك على الدولمة و نجلس بالحديقة وسأطبخ لك الكبة التي تعشقها…
هناك في عمق الذاكرة جرحا لطالما خبأته وغطته بكف يدها كي لا تلمحه العينان لكن صوتا هادرا انبثق من الصناديق فانقشعت الغيوم الكثيفة عن سماء الصمت وبدأ الوجع يرن ويطلق نفس الصفير الذي ذبحها دهرا و جعلها تنكمش عاد ليسحبها للأسفل ، لن تزهر الدمعة في عينين ذبلت …..الشرفة انطفأت و علقت من جديد في تراتيل الشقاء وبئر الحزن دون ان تنتبه
بالصندوق الاخر فساتينها التي ياما لبستها قبل ان ترتدي الاسود حزنا على الاخ الشهيد وبعدها الاب الذي صارع المرض ، مضى العمر وهي تتسكع فوق دروب القهر والصبر ……ترافق الانين تتحدث معه في ليالي الارق والسهر النوافذ مؤصدة لا تسمح بدخول اشعة الشمس او شعاع الفجر كل شيء صار داكنا فنسيت الموضة ، تغير حجم خصرها الذي كبر كثيرا وما عادت التنانير الملونة تسعها كل اشياءها الجميلة ما عادت تشبهها إنها منذ زمن لم تشتري أحمر شفاه ولا صبغ اظافر، ولم تعد تتابع احدث أدوات وماركات المكياج ولا كريمات العناية بالبشرة وربما نسيت انها انثى ، فقد تركت الباب مغلقا لعتمة روحها حتى تجمدت ساعة الايام وامتدت لتبللها بالصقيع والوحشة
-اعذروني يا فساتيني الجميلة لقد تغيرت فصولي كثيرا ،كبرتُ وأمتلأتُ شحوما ….شاخ الفرح حين دفنتُ ذاتي داخل كيلوات من الهم .
تركَت في الصناديق روحها فزعة كطائر جريح يلبس الصقيع تملؤها الكدمات صمتٌ رهيب يطبق على الانفاس وداخل القلب ضجيج وصراخ ….
-اليوم أفتح جروحي و اعلن مراسيم جنازتي الاخيرة كم كانت مؤلمة حياتي او ربما لم يكن لدي حياة.
فاضت الدموع نهرا….. ما اروع المطر حين ينهمر من غيمة الرحمة يغسل كل ما علق في رفيف الروح ….نجاة تتسع كأفقِ نُبوءَة تجود في دعاء ليلة القدر ….اطبقت على الصناديق غطتها بشرشف كبير مزركش استحوذت على قوتها لتنهض ….نظرت اليها نظرة خاطفة أخيرة ثم أستدارت وبخطى مرتعشة أبتعدت نسيت اصابعها المتعبة وتجاعيد حياتها ودمعا كأنها لم تصب يوما بخيبة …..
قررت ان لا تفتح الصناديق ولا تنظر اليها ولا الى باقي الصور ولن تأخذ اي شيء معها فالحياة بين الصور ستفقدها الحياة وستبقى الجراح مفتوحة مدى العمر لتنزف حسرة…. سامحني ايها الماضي سأشق وجه البحر وانتشل حياتي من الغرق
وداعا ايتها الصناديق

لا تعليقات

اترك رد