بعض قلوبنا نخيل


 

بم حدّث العطب الكبير قلبك؟ وكيف بدونا وقد صار بصرك حديدا؟ وهل كان قلب أمّك يحتضن شرايين قلبك بفرحة الولادة الأخرى وهو يراك تلج النّور من آخر بوّابات الظّلام ؟ …كيف تركت هؤلاء الذين يلهثون وراء ظلّك يتعثّرون بلغوهم فيخطف منهم السّمع و البصر ؟

مضيت إلى هناك …وبقينا هنا نحصي لوعات فراقك …مضيت من باب ظلمتنا إلى جذور النّخيل وحيدا فتكاثر التّشابه يا شبيه أبي وبعضه … أنا شبيهتك وبعضك ونحن بلاغة التّشابه …أراك عند ناصية الطّهر تشقّ الطّريق وقلوبنا المعطوبة قليلا أو كثيرا تتشبّث بما علق بك من خطو الذّكرى فتزداد عطبا وتزداد أنت طهرا …

أومأ مصباح ما و ماء دافق بأنّك بعض ماء لا يرى إلاّ في النّور وقال عطب الفصول عن مجرى الماء في عيني الخريف إنّ بعضا منك قد ركب مركبك قبلك نحو جذور النّخيل ، مركب البصر الحديد الذي ركبه أبي عندما تبيّن مبتدأ الظّلمة ومنتهاها في خريف صام فيه القلب عن الأوجاع الصّغيرة صيام الدّهر…

اليوم أرى ابنتك تبكيك وقلبها لم يبلغ رشد العطب ليصوم صيام قلبي . ..أراها تراك فردا وحيدا لا يفتح الباب ولا يفتح له باب وأراك تفتح لنا كلّ الأبواب وأجدك خلف الباب جذورا ينمو منها نخل عطبنا فنقترب من طهارة الماء ، الماء الذي نحن بعضه وأنت اليوم كلّه …

غسلك من الالتباس نجاتك من كلّ نجاسة …أنا من هنا أرى بعض ذلك وأنت من هناك ترى كلّه، فمن ظلمة الالتباس تكون النّجاسة … نجسة تلك النّفوس التي تلبس القلب خيرا مصنّعا من موادّ الشّرّ الأولى ، نجسة تلك الأعين التي ترانا فلا تبصر نقاء الماء فينا ، نجسة تلك الأبصار التي ترانا ندبر ونحن نقبل ، نجسة تلك الأيادي التي تمتدّ إلى النّور النّابت في عروق القلب فتسكب عليه من سوادها الظّلمة ، نجسة تلك الألسن التي تحفر في مخارج الحروف جبّا للفضيلة ، نجسة تلك الملامح التي فرّ منها ماء الحياء…وأنت من كلّ هذا براء.

قال قلب أبي قبيل طهره الأخير وقد أوثقه العطب بحبل غليظ مالم يقله لسانه :” هنا لا هناء” وقلبك اليوم يقول وقد اغتسل :”هنا كلّ شيء نجس …السّواد الذي يطوف في الأنفس وحولها يحجبها عن النّور ويحجبه عنها وينتصب واقفا فيقف الماء …”

كلاكما قد أسرع إلى الطّهر فما وقفتما في ظلّ سواد ولا وقف الماء
يحدث أن تستعجل القلوب الطّهر أو يستعجلها لأنّ الأعطاب تجري أيضا كالماء وقليلها يؤذن بكثيرها وكثيرها كبيرها الذي لا يهرم ..ولأنّنا لسنا سوى بعض من الماء فإنّنا مجاريه التي تنال منه نصيبا وينال منها مسيره …فيخرج منّا طاهرا ونخرج منه طاهرين .

اليوم تقاسمت أنا وأنتما الماء فقد رآكما بعضي فيه ورأيتما كلّي فيكما وفيه فاذهبا إلى تشابهنا في النّخيل لأكون لكما ظلاّ ، فأستظلّ بحياء الماء الذي يسري به النّور في الجذور.

1 تعليقك

  1. كعادتك لا حرمت بركتها تتفجرين بركانا من الصور والأفكار المتداخلة بعمق يضرب بجذورة في أعماق فكرتك خاطرتك على قصرها شديدة الارهاق لكل ناقد مددق فيها لعمقها واستعارتها من التراث والرمزية لكنك وبحق تتفوقين على ذاتك ، ثان أجمل خاطرة أقرأها لك مركزة دقيقة عميقة محددة الوجهة ، استمري تشقين طريقك للعالمية بقوة .
    خالص تقديري واحترامي لعقلك وقلمك .
    د/ عبدالحميد خليفة .

اترك رد