استعادَةٌ حميمة لِراويةِ المُخَيَّم الشاعر ” أحمد دحبور ” : ” وَلَدٌ وَأشْيَبْ “


 

يَكْبُرُني “أبو يَسار” بِعَشْرِ سَنَوات ، لكننا وُلِدْنا في شَهْرِ نَيْسان . وكلانا بَدَأ يُحاوِلُ كِتابَةَ الشِّعْر في الرّابعةِ عَشَرة مِن عُمْرهِ ، فَشهدَ في الثامِنَةِ عَشَرَةَ مِن عُمْرِهِ صُدُورَ مَجموعتِهِ الشِّعريّة الأولى “الضّواري وعُيون الأطفال” بِمُخَيّم اللاجئين الفلسطينيّين بِحِمْصَ السُّوريّة ، وَشَهَدْتُ في السّابِعَةِ عَشَرَة مِن عُمْري صُدُورَ مَجْمُوعتِيَ الشِّعْريّةِ الأولى “بَرَدى ..وَوُفُود الجُّوع” في منطقةِ “الفاكهاني” مِن العاصمةِ اللبنانيّة / حَيْثُ مكاتبِ الثّورة الفلسطينيّة وَمؤسسات مُنَظَّمة التّحرير.فكانَ بذلكَ وَغيرهِ الأصغَرَ سنّاً بَيْنَ شُعَراءِ “ستّينات” القَرْنِ الماضي كما كُنْتُ الأصْغَرَ سنّاً بينَ شُعَراءِ “سَبْعيناتِ” ذلكَ القَرْن.

وفي عاميّ 1970-1971كُنْتُ أقتني جريدة “فَتْح” التي كانت تصدُر في دِمشق ، فأقرأها وأرسِلُ إليها مِن مُحاولاتيَ الشِّعريّة الأولى فكانَ “أحمد دحبور” كما أخبرَني لاحِقاً – هُوَ الذي يَتَلَقّاها وَينشِرُ بَعْضَها في “بريد القرّاء” لأنّه كانَ مُحرّراً في تلكَ الصحيفة وعلى صفحاتها عرفْتُ اسمَهُ لأوَّلِ مَرَّة. وعن مَنشُورات تلكَ الصحيفة صَدَرَتْ مجموعة شعريّة ضمّت قصائد مختارَة “لِشُعَراءِ الثورة الفلسطينيّة” آنذاكَ : خالد أبو خالد وأحمد دحبور ومَيّ صايغ…وَغيرهم ، فَتَعَرَّفْتُ بذلكَ على “شُعراءِ الثّورة” قَبْلَ أنْ أَتَعَرَّفَ على “شُعَراءِ المُقاوَمَةِ” : محمود درويش، توفيق زياد ، سميح القاسم، فدوى طوقان ، وغيرهم.

وفي سنة 1973التَحَقْتُ في بيروت بالجبهة الثوريّة لتحرير فلسطين (فصيلٌ يساريّ مُتَطَرَّف تكَوَّنَ بأخْطَرَ انشِقاقٍ عَن الجبهةِ الشعبيّة بَعْدَ انشِقاقِ الجبهةِ الديمقراطيّة ، ثُمَّ تَبَخَّرَ سنة 1974) وكان اسمُ الشاعِر أحمد دحبور “اليساري الفتحاوي” يتردّد بمحبّة بين كوادر مكتب الجبهة “الثوريّة” الوحيد في الفاكهاني والذي كُنْتُ أقيمُ فيهِ وأتداولَ مع بقيّةِ الرِّفاق على حراستِهِ ليلاً نَهاراً. وَمَرَّةً لمَحْتُ نائب أمين عام الجبهة “الرفيق مروان باكير” خارجاً مِن المكتب برفقةِ شابٍّ وسيم قادمٍ في زيارة مِن دِمشق قيلَ لي إنّه الشاعر أحمد دحبور. كانت أوَّلَ مَرَّةٍ أراهُ فيها. ولم يَمْضِ أسْبوعٌ على ذلكَ حتى جاءني الشاعرُ العراقيّ “شريف الربيعي” الذي كانَ يعملُ سكرتيرَاً لِتحرير مجلة “إلى الأمام” لسان الجبهة الشعبيّة –القيادة العامّة ، فسَلَّمَني مجموعتين شعريّتين صادِرَتين حديثاً َن دار الآداب ، الأولى “ابتَسِمِي حتّى تَمرّ الخيل ” للشاعر السوداني “محمد الفيتوري” والثانية “طائر الوحدات” للشاعر الفلسطيني “أحمد دحبور” ، وطلبَ منّي أن أنجِزَ عنهما قراءتين نقديّتين ينشرهما في المجلّة على التوالي ، فأنجزْتُ ذلكَ خلالَ أقلّ مِن أسبوع. ونُشِرَ المقالان على صفحات “إلى الأمام” الواحِدَ تلْوَ الآخَر.

وَبَعْدَ ستّة أشْهُر عُدْتُ إلى دِمَشْقَ بسيّارةٍ للجبهةِ الثوريّة على “الطريق العسكري” ، وَخَطَرَ لي أنْ أنشُرَ القصائدَ التي كتبْتُها في بيروت في مجلاتٍ بدمشق ، فسلّمْتُ رئيسَ تحرير مجلة “الموقف الأدبي” القاصّ زكريا تامر قصيدة “قلبي خارطة سوداء” التي كُنْتُ تركتُ نسخةً منها عند القاصّة العراقيّة “عالية ممدوح” رئيسة تحريرمجلة “الفكر المعاصر” التي كانت تصدر في بيروت. وفجأةً صدرتْ القصيدة في المجلّتين المذكورتين في آنٍ واحد. وكانَ لها صدى لافِتٌ في الأوساطِ الأدبيّة السُّوريّة. فَحَمَلْتُ إثْرَ ذلكَ مجموعةً مِن قصائدِ بيروتَ إلى مجلّةِ ” صَوت فلسطين ” لسان جيش التحرير الفلسطيني التي كانت بحجم “الموقف الأدبي” وتخصِّصُ ثلثَ صفحاتها للثقافة. قصدْتُ مبنى المجلّة التي تَعَرَّفْتُ على عنوانِها مِن أحَد أعدادها. كانت في طابقٍ عالٍ مِن عمارةٍ بمدينةِ دمشق. صَعَدْتُ الدَّرَجَ لاهِثاً ، وحين وَصَلْتُ الطابقَ الذي كانَ بابُ شِقّةٍ مِنْهُ مَفْتُوحاً وبجانب الباب على الجدار لافتة تحملاسمَ المجلّة ، دَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ شخْصٌ بزيٍّ عسكريّ عليَّ السّلام ، وأرْدَفَ :

-تَفَضَّل؟
قلتُ له : أريدُ مُقابلَةَ مسؤول القسم الثقافي.

فأدخلني إلى غرفة جانبيّة فيها طاولةُ مكتبٍ خلفَهُ كرسيّ وأمامَه كرسيّان وبجانبهِ خزانة كتُب ، وَعلى طاولةِ المكتب تكوَّمَت صُحُفٌ وَمجلات وكُتُبٌ وأوراقٌ ومَقْلَمة ، وقال لي : انتظرْ قليلاً حتى أنادي الأخ أحمد .

وَبَعْدَ دَقائق قليلة أطَلَّ عَليَّ الشاعر أحمد دَحبور. وَقَفْتُ مُرْتَبِكاً وبيدي أوراقيَ طَيَّ صحيفة. قالَ لي بوجْهٍ مُحايد:

-طَلَبْتَ أن تراني؟.
قُلْتُ لَهُ : أنا عبد الهادي الوزة (هذا هُوَ اسميَ الذي كُنْتُ أنشرُ بهِ قبل أن أعتمِدَ لاحِقا اسميَ الحاليّ : هادي دانيال) ، جئتُكَ بعدد مِن قصائدي الجديدة لتُنشَرَ في مجلّتكُم ، إنْ كانَ ذلكَ مُمكناً.

فانْفَرَجَتْ أساريرُهُ عَن ابتِسامَتِهِ التي تندِفِعُ مِن قَلْبِهِ مُباشَرَةً ، وَهَتَفَ :
-عبد الهادي ، أنا أتابِعُكَ منذ كُنْتَ تُراسلنا عندما كانت صحيفة “فتح” تصدرُ مِن الشام.

ثُمَّ أخَذَ يُحَدِّثُني بإطراءٍ وَحَماسَةٍ عن قصيدتي “قلبي خارطة سوداء” ، مبيّناً أنّهُ قرَأها في “الموقف الأدبي” وفي “الفكر المُعاصر” ، وأنَّها كانت مَحلَّ نقاش وَحفاوَة بينَهُ وَبينَ نزيه أبو عفش وممدوح عدوان وغيرهما.. ثمَّ أرْدَفَ ولكن خاتمتها في “الفكر المُعاصر” التي تقول “أفتَرِشُ لُفافُةُ تَبْغٍ ..وأنام !” أجمل وأكثر إيحاءً وإدْهاشاً مِن خاتمتِها في “الموقف الأدبي” التي تقول “أفتَرِشُ دُخانَ لُفافَةَ تَبْغٍ.. وأنام!”.(بالطَّبْع، عندما نشرتُ القصيدة في مجموعة “رؤى الفتى” اعتمدْتُ مُلاحظة أحمد).

كُنْتُ أُصْغي إليهِ مُنْدَهِشاً ، فَلِأوَّلِ مَرَّة ألتَقي شاعِراً لا يُحَدِّثُني عَنْ نَفْسِهِ بَلْ يُحَدِّثُني عَنِّي وَكأنَّهُ في حَضْرَةِ شاعِرٍ أكثَرَ مِنْ نِدٍّ لَهُ ، بَلْ وَيَحْفظُ خاتمَةَ قصيدتي. هكذا كُنْتُ أفكِّرُ بيني وَبينَ نفسي وأنا أصْغي إليه . وَخَرَجْتُ مِن عندِهِ مُنْتَشياً بِما أسْمَعَنِي وَبِتأكيدهِ على أنّ القصائدَ التي أوْدَعْتُهُ إيّاها ستلقى مِنْهُ أعلى اهْتِمام. وفي أوَّلِ عَدَدٍ صَدَرَ بَعْدَ هذا اللقاء تَصَدَّرَتْ قصائدي الملحق الثقافي لمجلةِ “صوت فلسطين” في ثلاثِ صفحاتٍ متتالية.

لم تَمْضِ خمسة أشهر على عَوْدَتيَ “السريّةُ ” إلى دمشقَ حتى قصَدْتُ مكتبَ “الجبهة الثوريّة” فيها طالِباً العَودَة إلى بيروت. ِفي أوائل عام 1975وقبل حادثةِ باص عين الرّمّانة واندلاع الحرب اللبنانيّة ، التحَقْتُ بمجلّةِ “الهدَف” لسان الجبهةِ الشعبيّة لتحرير فلسطين التي أسسها الشهيد غسان كنفاني في بيروت وكان مقرّها في كورنيش المزرعة يُدير ظهرَهُ لِمَقرِّ مجلة “إلى الأمام” التي كانت تقعُ في عمارةٍ مِن الجهةِ المُقابلةِ على ذات الشارعِ المُفْضي إلى “صخرَةِ الرّوشةِ “. ومضى العامان الأوّلان مِن الحرب كانت خلالهما الطريق مِن لبنان إلى الصِّين أقصَرَ مِن الطريقِ إلى سوريا. ولكن ما أن انهار السدّ بين بيروتَ والعاصمةِ السوريّة حتى صرنا نشاهِدُ في طُرُقاتِ “الفاكهاني”و”أبي شاكر” اصدقاءنا الأدباءَ والشّعراءَ الفلسطينيين المُقيمين في سوريا. في تلك الفترة وعلى بُعْد أمتارٍ مِن مطعم علاء الدين الذي كان يُقدّم النبيذَ والهمبرغر، وعندما كنتُ خارجاً مِنْهُ للتوّ ، استوقَفَني الشاعر أحمد دحبور. تصافَحْنا ، وقال : أنا فرحتُ كثيراً عندما تأكدتُ مِن أنّ خبر استشهادكَ كان كاذباً. لم أجبْهُ ، فقد كان يحيى يخلف “أبو الهيثم” قد روى لصديقنا المشترك “أسامة الهندي” حكاية “خبر استشهادي” الذي أشاعَهُ الناقد السينمائي الأردني “حسّان أبو غنيمة” في دمشق. لكن فجأة تَغيّرَتْ نبرةُ أحمد وكأنّهُ وَضَعَ نقطةً على السّطْرِ ليبدأَ حَديثاً آخر ، فبَدأ حديثَهُ إليَّ بوجْهٍ يرفعُ رايات العِتابِ كافّة: “أنا لا أنكُرُ أنّ موهبتكَ أقوى مِن مَوهبتي وأنَّكَ تَخَرَّجْتَ مِن أهمِّ مدارس الصحافةِ العربيّة “الهدَف” مدرسة غسّان كنفاني ، وسَرَّني أن تكتب عن أكثر مجموعة شِعريّة أعتزّ بها “طائر الوحدات” ، ولم يُزْعِجُني أن تُلاحِظَ أثراً لممدوح عدوان فيها ، فممدوح أستاذنا ، ولكن أن تقول إنَّ فيها صدى لتأثُّرِ محمود درويش بأدونيس فهذا جَرَحَني. هل كثيرٌ عَلَيَّ أن أتأثّر بأدونيس مُباشَرَةً؟”. ارْتَبَكْتُ وبَدَأْتُ أَتَصَبَّبُ عَرَقاً. ثُمَّ تَمْتَمْتُ :

-“ولكن يا أحمد ، هذا مقالٌ مَضَتْ عليهِ سنوات ، والتَقيْتُكَ بَعْدَ نَشْرِهِ في مجلة “صوت فلسطين” ولم تُحَدِّثْني عَنْهُ ، بل حَدَّثْتني عن قصيدةٍ لي ثُمَّ أخذتَ قصائدي وَنَشَرْتَها في تلكَ المجلّة بِحفاوَة . ما الذي جَعَلَكَ تُعاتبني كُلّ هذا العتاب المُرّ الآن؟”.

كانت هذه الكلمات تخرج مِن صدري على دَفعات. وَبَعْدَ أنْ سادَ صَمْتٌ مُتَوَتِّر ، أو هكذا خُيَّلَ إليَّ ، بَدَأتْ عيناهُ تُشرقان بابتسامَتِهِ تلكَ إلى أن أضاءَتْ وَجْهَهُ وبَدَأَتْ أذناي تُصغيان إلى ضحكةِ الولد الفلسطينيّ غير مُصَدِّق . مَدَّ يُسراهُ إلى كتفي ثُمَّ أحاطَ عُنُقي بيسراه وطبَعَ قُبْلَةً سريعةً على جبيني ، وأرْدَفَ :

-اليومَ فقط علمْتُ أنَّ عزّ الدّين حاوَلَ أنْ يُحَرِّضَ “الحكيمَ” عليك!.

في سنة 1976التحَقَ الشاعر الفلسطيني “عزالدين المناصرة” بمجلة “فلسطين الثورة” لسان منظمة التحرير الفلسطينيّة مُشرفاً على منشورات تصدر عنها ، فأعادَ طباعة مجموعاته الشّعريّة عنها تباعا إضافة إلى مجموعة شعريّة جديدة له آنذاك بعنوان “لن يفهمني أحَدٌ غير الزّيتون” . كُنْتُ حينها محرِّرَ الصفحات الثقافيّة لمجلة “الهدف” التي كانَ مقرّها قد تحوّل مؤقّتاً إلى قبو القيادة المركزيّة للجبهة في شارع “أبو شاكر من تحت” مقابل عمارة إذاعة “صوت فلسطين”. وكان الرفيق “هاني حبيب”(يقيم الآن في غزّة ويكتب في صحيفة “الأيام” التي تصدر في رام الله) مديراً لتحرير “الهدف” وصديقاً للشاعر عزّ الدين المناصرة . مَدَّ الرفيق هاني إليّ نسخة مِن مجموعةِ “لن يفهمني أحَدٌ غير الزّيتون” وطلب منّي أن ألبّي له طلباً شخصيّاً هُو إنجاز قراءة في المجموعة المذكورة في أقربِ وقت ممكن لنشرها في العدد القادم من “الهدف”. وعلمت لاحِقاً مِن “هاني حبيب” ومِن القاص الفلسطيني “محمود الخطيب” الذي كان آنذاك مديراً لتحرير “فلسطين الثورة” ، فإنّ عزّ الدين طلَبَ مِن هاني بإلحاحٍ أن أكتبَ أنا تحديداً قراءةً في مجموعته ، واعترفَ هاني بأنّه بَعْدَ أن تسلّمَ مخطوطَالقراءة مِنّي عَرَضَها على عزّالدين الذي قرأها ولم يعترضْ على ما جاء فيها ،قبل إرسالها للنشر. وحسْبَ محمود فإنّ عزّ الدّين دَخَلَ مقرّ “فلسطين الثورة” وبيدهِ عدد “الهدف” الذي يتضمنّ “قراءة هادي دانيال لمجموعته، والذي كان قد وصلنا وقرأنا فيه مقال هادي. بادَرَهُ الأخ أحمد عبد الرحمن رئيس التحرير قائلاً : قرأت مقال هادي دانيال على مجموعتك في الهدف؟. فَرَدَّ عزالدين باعتزاز ملوّحا بالعدد الذي في يَدِهِ : نعم قرأتهُ مَرّتين ، قبلَ نشره وبعدَ نشره؟.

-قَبْلَ نَشْرهِ؟
-طبعاً ، أطلعني عليه مدير تحرير الهدف صديقي، قبل نشره فوافقتُ .
وأمامَ ذهول الجميع ، قال له الأخ “أبو يزن”:
-معقول. أي عاقل يفعل المستحيل كي لا يُنْشَر عن كتابٍ له مقالٌ كهذا .

وتتالتْ التعليقات في هذا السِّياق التحريضي من بقيّة أسرة تحرير “فلسطين الثورة” لدرجةِ أنَّ عزالدين باتَ مُقْتَنِعاً بأنَّهُ ضحيّة مؤامرة خطيرة دبّرها له صديقه ونَفَّذها هادي دانيال في إطار صراعٍ مُتَوَهَّم بين المجلّتين” .

فَطَلَبَ عزّ الدين مُقابلةَ الرفيق الدكتور جورج حبش ، وشكاني إليه طالباً أن أعتذرَ منه خطيّاً وأن يُنْشَر اعتذاري على صفحات الهدف، فقال له “الحكيم” إنّه مُتأكِّدٌ مِن أنّ الأمر لا يَعْدُو رأي شاعر بِشِعْرِ شاعر آخَر وأنَّه لا يُمكن الطلب مِن الرفيق هادي أن يعتذر عن رأي يُلزِمُهُ وحدَه ، لكنّه في الوقت نفسه فإنّ “الهدف” ستنشرُ أي رَدٍّ يردُها مِن الرفيق عز الدين. لكنّ الرفيق عزّ الدين لم يُرسل لاحِقاً أيّ ردّ.

وفي فندُق “سلوى” بتونس حيث أقمنا وَجَدْتُ نَفسيَ الصديقَ الأقربَ إلى عزّالدين مِن بقيّة الزملاء المُقيمين معنا ، وكانَ طفلُهُ “كرمل” يُناديني “سُكَّر”.

في سنة 1984حَضَرَ “أبو يسار” إلى تونس، مِن دِمَشْقَ ، مُرْسَلاً مِن الكاتب الروائي “يحيى يخلف” الذي كانَ أميناً عاماً لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين إلى الأخ صلاح خلف “أبو إياد” لإقناعِ الأخير بإرجاء مؤتَمَر الاتحاد المُزمَع عقدَهُ في صنعاء إلى أن يتمّ الاتفاق على صيغة تُبْقي الاتحاد مُوَحَّداً . أمامَ مقرّ وكالة الأنباء الفلسطينيّة “وفا” في المنزه السادس كُنْتُ أقفُ وحيداً صافِناً أُدَخِّنُ غليوني ، فانْتَبَهْتُ إلى وَقْعِ خُطاهُ تُخالِطُها همهماتٌ ضاحِكَة . أنّه أحمد دحبور ، كانَت سنوات قد مضتْ على آخرِ لِقاءٍ بيننا في بيروت :

-لَمَحْتُكَ مِن نافذةِ مكتب الأخ “سلمان أبو جاموس” . كيفك؟.
*كما عهدتني. كيفك أنت . ستبقى معنا في تونس؟.

-أنا تقصدتُ أن أراكَ وحدكَ لأنّي سأفضي إليكَ بِسِرّ مجيئي إلى تونس.
*سِرّ؟ ، ما هوَ؟

-أرسَلَني “أبو الهيثم” لأُقْنِعَ الأخ “أبو أياد” بَضَرورةِ تأجيل مؤتمر صنعاء وَتَرْك فُرْصة أكبر لتوحيد الاتحاد الذي تأثّر بانشقاق “فتح الانتفاضة” . ولكن الأخ “أبو أياد” أقْنَعَني بأنّ المصلحةَ الفلسطينيّة العُليا تَقْتَضي عَقْد المؤتمر تمهيداً لعقد المجلس الوطني الفلسطيني. وَطَلَبَ منّي عَدَم العَودَة إلى دِمَشق ، وأن أَتَوَجَّهَ إلى صنعاء لأكونَ عُضْواً في الأمانةِ العامّةِ الجديدة للاتحاد؟. فَ “شو رأيَك”؟.
*رأيي أنَّه بحسّكَ الوَطني العالي ستستجيبْ لِطَلَبِ الأخ “أبو أياد”.
التَمَعَتْ عيناهُ :

-وهذا ما قَرَّرْتُهُ فِعْلاً. سأذهبُ إلى صنعاء.
فقلتُ له مُداعِباً :
*ولماذا طلبتَ رأيي إذَنْ؟.

– مممم. لأنَّ رأيكَ يهمّني. ولأنني أريدُ أن أتأكَّدَ أكثرَ مِن أنّني على صواب.
*في هذا أنتَ على صَواب.

كانَ أحمد دَحبور الفلسطينيّ – السّوريّ يَرى أنّني بِشَكْلٍ ما تَوْأمٌ لهُ أنا السوريّ-الفلسطينيّ. فِكِلانا تُحَرِّكُهُ في طَبْعِهِ – “وَطَنيَّةٌ” يساريّةٌ تَقَدُّميّة تَداخَلَتْ فيها فلسطينيّتُهُ بِسُورِيَّتِهِ ، ولم يُخطئ أحَدُنا يَوْماً عندَما انحازَ إلى هذه “الوَطَنيّة المُزْدَوِجة” إنْ جازَ التعبير. هذا فَضْلاً عن أنَّ حيفا واللاذقيّة تَقَعانِ على بَحْرٍ واحِد.

في تسعينات القَرْن الماضي ، كُنْتُ عائداً مِن بَغداد المُحاصَرَة إلى تونس عَبْرَ عَمّان . وكانت الطائرة التي ستقلّني قد تأخَّرَتْ إلى اليوم التالي ، فَغادَرْتُ الفندقَ الصّغير الذي أقمتُ فيه لأشربَ قهوة الصباح في فندق القدس . ما أن انغلَقَ البابُ الرئيسُ خلفي حتى سَمِعتُ صَوتاً يُنادي عَليَّ . كان صوت الشاعر عبد الوهاب البياتي مُحاطاً بثلّة مِن الأدباء والشعراء بينهم الكاتب الموصللي “نجمان ياسين”. وما أن صافحتُهُ حتى بادَرَني إلى القَوْل بِنَبْرَة عَتَب :

-أكو بيان مِن أجْل فكِّ الحِصار عن أطفال العراق ، أشو جَماعتك مارادو يوقعونه؟.

أجلتُ النَّظر في الأرائك المُتناثرة في صالة الفندُق الفسيحة ، فلم أرَ سُوريّاً غير القاص جميل حتمل والشاعر شوقي بغدادي. فقلتُ له :
*جميل وشوقي؟.

-لا عيني. جميل وقّعَه، وشوقي أراد أن يوقّع ، لكن أنا مَنَعْتُه كي لا يلحق به ضَرَر إذا عادَ إلى الشام.
وَنَحْنُ نتحَدَّث دَخَل أحمد دحبور واتّجَه يُسَلِّم على شوقي بغدادي وجميل حتمل وعبد الكريم الناعم.

كانَت الوفود تصل تباعاً إلى الفندق للمشاركة في “مهرجان جرش” . فسألتُ البياتي :
-أبو علي ، مَن تقصدُ بجماعتي إذَنْ؟

فقال رافِعاً حاجبيه :
-ممدوح عدوان.

كانَ ممدوح قد غادر العاصمة الأردنيّة إلى إربد في زيارة خاطفة ، فانتظرتُه في صالة الفندق. في الإبان توجَّهَ “نجمان ياسين” بنسخةٍ مِن البيان إلى أحمد دحبور طالبا منه أن يُوقِّعَ عليه ، فامْتَنَع أحمد ، مما جَعَلَ نجمان يقول له بانخِذال :
-يعني متضامِن مع الأخوَة السوريين.

فأجابَ أحمد مُمْتَعِضاً :
-احسبْها كما تشاء.

عندما عاد ممدوح ، طلبَ مني ومِن أحمد ومِن عبد الكريم الناعم أن نصعد إلى غرفته لشرب كأس عرَق. كُنْتُ قَدْ وَقَّعْتُ البيان إلى جانب توقيع جميل. وما أن فرغنا مِن الأسئلة عن الصحة والأحوال حتى قَذَفْتُ بِوَجْهِ ممدوح سؤالاً يغصُّ بهِ حَلقي:
– لماذا يا ممدوح لم تُوَقِّعْ بياناً لِرَفْعِ الحِصار عن أطفال العراق؟
رانَ صَمْتٌ بينما ممدوح يُحَدِّقُ في كأسهِ مُتَفَكِّراً ، لكنَّ أحمدَ قَطَعَ الصَّمْتَ مُحاوِلاً إنقاذَ ممدوح مِنَ الحَرَجِ و هذه الجلسة الحميمة مِن خَطَرِ الهَرَج:
-هُوَ حُرَّ يا أخي ، يُوَقِّع أو لا يُوَقِّع ، أنتَ ما دَخَلَك في الأمر .

فَنَبَرْتُ قائلاً لأحمدَ :
-لا في هذا ليس حُرّاً إلا إذا كانَ بلا ضَمير . هُوَ مَسؤولٌ أمامي لأنَّهُ بذلكَ يَخُونُ ما تَعَلَّمْتُهُ أنا مِن شِعْرِهِ وَمَسرحهِ ومقالاته. أنتَ إذَنْ يا أحمد الذي يجبُ أن لا تتدَخَّل بيننا .

نَظَرَ ممدوح إلى أحمد مُبْتسماً بمرارة ، ثُمَّ قالَ له : “معه حَقّ أن يسأل وأنا سأجيبه”

لن أسهبَ أكثر فقد سَبَقَ لي أنْ نشرتُ مقالا طويلا يتعلّق بهذه الحادثة وَقَرأه ممدوح وأحمد وجميل والبياتي قبل رحيلهم ، المُهمّ تَواصَلَ نقاشٌ حادّ في الغرفة ، ثمَّ دعانا ممدوح للتحوُّل إلى مطعم الفندق لتناول طعام العشاء ، فاعتذرتُ وهَبَطْتُ إلى الصالة . كانَ البيّاتي لايزال في مكانه مُحاطاً بأصدقائه ، وأنا بصدد توديعه ، كانَ أحمد قد لحقَ بي ، وصوته يُرَدِّد :
-“وين نجمان ؟. هات البيان لأوقّعه”.

وَقَّعَ البيان ، وَرَفَعَ عينيه إليَّ بابتسامتِهِ تلك . كُنْتُ واقِفاً بصددِ مُغادَرة الفندق. لوَّحْتُ له بيدي وَغادَرْتُ ، وأنا أردِّدُ مع نفسي :
-كم أحبُّ هذا “الوَلَد الفلسطيني”.

بَعْدَ هذه الحادثة بأشْهُر ، تقابلنا أمام “كشك عُمَر” لبيع الصُّحُف والمجلات الذي كان على مقربةٍ من نزُل الهناء الدولي في شارع الحبيب بورقيبة . فتَحَ الشاعرُ أحمدَ دَحَبور ذراعيه كأنّهُ بِصَدَدِ التّحليقِ، وهتف لي :
-يا رَجُل ، أنتَ تسكُنُ في الريح!.

وبَعْدَ سنة 2004 تمكنتُ بفضل قانونٍ للمُغتربين مِن زيارةِ بلادي بعْدَ ثلاثين عاماً مِن الغياب التامّ . وعندما وَصَلَني نبأُ مَرَض أحمدَ الذي عادَ إلى المُخَيَّم في حمص . قررتُ أن أزورَهُ , حصَلْتُ على رقم تلفونه ، وَبَعْدَ أوّل زيارةٍ لي إلى سوريا ، وفي طريقي من دمشق إلى اللاذقيّة توقفت في حمص و استقليتُ سيارة أجرة إلى المخيّم. اتّصلتُ برقم الهاتف الذي بحوزتي فردتْ عليّ أمّ يسار ، وقالت لي إنّه في صيدليّة أخيه. كانت الصيدليّة من المكان الذي أوصلتني إليه سيّارةُ الأجرة . وحينَ دَخَلْتُها : وَجَدْتُهُ جالساً على كُرسي . تعانَقنا وَجَلَسْنا نتبادَلُ الابتسامات المُنكَسِرَة ، كأننا نتقاسَمُ ذات المَرَض. هكذا شَعَرْتُ في تلكَ اللحظة . ثمَّ وَضَعْتُ بينَ يدَيهِ نسخة مِن مجموعتي الشعريّة “كمائن الورد والنبيذ” التي كتبتها مِن وَحي عدوان 2006الإسرائيلي على بيروت ، فعندما استعَدْتُ بيروتَ في قصيدة “مدينة القلب” حَضَر أحمد دحبور في القصيدة ، هكذا :
“غَيْمٌ أم شَعْرُكَ يا أحمد دحبور
يحجبُ عن مزماريَ مْرعى الآلام”

إنّه في حَيِّزٍ عالٍ مِن اللاوعي ، وأنا قدرتي على حفظِ شِعري وشِعر غيري ضعيفة جداً ، ولذا قليلة جداً هي المقاطع أو الأبيات الشعريّة التي أرددها أو تفيض عنّيَ فجأةً . وَمِن هذه المقاطع ، لأحمد دحبور:

“أضاعُوني ..
أضاعُوني وأيّ فتىً أصاعَ الأهْلُ والخلّانْ
ألا لا بَرَّأتْهُم مِن دَمِي عَمّانْ”

وأيضاً:
“و يا جَمَل المَحاملِ دَرْبُنا شَوكُ
وَلَيْسَ ، بِغَيْرِ ضرْسكَ ، يُطْحنُ الشَّوْكُ..”

وكذلكَ قولهُ :
“آتٍ وَيَسبقني هَوايْ
آتٍ وَتَسْبقني يَدايْ
آتٍ على عَطَشي ، وفي زَوّادَتي ، ثَمَرُ النّخيلْ
فَليَخْرُج الماءُ الدَّفينُ إليَّ ، وَليَكُن الدَّليلْ”
وَغَيْرها مؤن هذا الشِّعْر الرّيّان بغنائيّةٍ آسِرَة.

لم نُخَطِّط يوما للقاءٍ يجمعنا ، أحياناً يكونُ على مقربةٍ مِن منزلي في ضاحية المرسى فأدعوه إلى فنجان قهوةٍ وَنَغْرَقُ في أحاديث تستمرّ لساعاتٍ . كانَ غالباً هُوَ الذي يتحدّث ، فلم أعرف ذاكرةً بقوَّةِ ذاكرته ، لم يكن يحفظ شعرَهُ وَشِعْرَ غيره من تراثنا القديم أو الحديث فَحَسْب، بل كان يحفظُ أيضاً صفحات من المدوّنة العربيّة النثريّة /السرديّة والنقديّة والفكريّة. وعندما أصبحَ عضواً في الأمانة العامّة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين وكُنتُ مديراً لمكتب الأمانة العامة في مرسى النسيم بتونس ، كان يأتي قبل اجتماع الأمانة العامة بساعتين أو أكثر لِنُفْرِدَ معاً بساطَ النميمة الحلوة التي لا تضرّ أحداً لكنّها تشبعُنا ضحكاً. وكنا أحياناً نلتقي صدفةً في شارعِ الحبيب بورقيبة فندخل المقهى ثمّ نغادره إلى بار أو مطعم يُقدّم البيرة غير آبهينَ بما إذا كنا ملتزمين بمواعيد سابقة مع أعمال أو أشخاص. وفي تونس كان له دوره اللافت في إنجاح مجلة “لوتس” عندما أصبح إصدارها في عهدة الاتحاد الفلسطيني وإن كان رئيس تحريرها الأخ “زياد عبد الفتاح” ، فقد كانَ أحمد ،إلى جانب سعدي يوسف وعادل محمود، هو الذي يجذب إليها معظم الكتاب والأدباء والشعراء والمترجمين الذين ساهموا فيها آنذاك. وكان لأحمد دحبور حضوره الساطع في الصحافة الثقافيّة التونسيّة وآلاف القرّاء كانوا ينتظرون بشغَف مقاله الأسبوعيّ في صحيفةِ “الصّدى”.

لقد أطَلْتُ في هذه الشهادة التي نَحَتْ مَنْحىً سَرْديّاً لأنني وجدتُ مِن المفيد أكثر أن أروي عن “راويةِ المُخيّم” ما لا يعرفه سواي تقريباً ، وهو قليل، لكنّ معانيه كثيرة. وإن كُنْتُ قد “كَفَّرْتُ ” عن قسوتي البريئة على “طائر الوحدات ” نَظَراً لانطباعيّة ما كتبتهُ آنذاك ، بقراءةٍ أعتزُّ بها في مجموعة أحمد دحبور الشعريّة الرائعة “هكذا” الصادرة سنة 1989والتي أهداها إلى أحد أيقونات الحداثة في الشّعر السّوريّ “موريس قبق” مُعلّم أحمد دحبور الأوّل والأهمّ في فنّ الشِّعْر. وقد نشرتُ هذه القراءة في صحيفة “البعث” السوريّة قبلَ أن يضمّها كتابي “فلسطين المُبدعة: قراءة في الإبداع الفلسطيني” الذي أصدرتُه سنة 2009في تونس بمناسبة الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربيّة. وأكّدتُ به أنّ ” أحمد دحبور بموهبته الاستثنائيّة والأهمّ بين مَواهِبِ جيلِهِ ، وكما تؤكِّدُ مُدَوَّنَتُهُ يصوغُ مِن تجربتِهِ الثقافيّة والإبداعيّة اللصيقة بمعاناة شعبه وطموحاته مشروعاً شِعريّاً جديراً برصدِهِ وَتَتَبُّعِهِ نقديّاً وَإعلاميّاً للإفادَةِ مِن إضافاته والإحاطة بأسراره “. وإن أشرتُ في تلك القراءة إلى أنّ أحمد دحبور كان ثالث أبرز ثلاث علامات شعريّة في الشعر الفلسطينيّ المعاصر بعد عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ومحمود درويش ، فإنني أشيُرُ هنا إلى أنّ دحبور (المولودسنة1946) كان الضلعَ الفلسطينيّ في تجربة مُتَفَرِّدَة في مُدَوَّنَةِ الشِّعْرِ العَرَبيّ المُعاصِر وتحديدا مدوّنة شُعراء ستينات القرْن الماضي. وكان الشاعرُ السّوريّ ممدوح عدوان (المولود سنة1941) والشاعر المصريّ أمَل دَنْقَل (المولودسنة1940)ضلعيها الباقيين. وهذا المثلّث الذهبي أنْجَزَ قصيدة عربيّة حديثةً تعْنى بالشأن العامّ السياسي والاجتماعي ، وتتكئ في مصادرها إلى التراث العربي الأدبي والشّعبي وخاصّة السّيرة الهلاليّة ، وربّما علينا أن نتفهّم في هذا السّياق مَن التشابُه في تَشكُّل الوعي الشعري والوعي السياسي أن يكون الشاعر الفلسطيني “أحمد دحبور” قد صَرَخَ منذ 1969في قصيدة “العين في الجّرْح” (مجموعة “حكاية الوَلَد الفلسطيني”) :
“…رأيْتُ رأسَ كُلَيْب ،
يُضيءُ وَجْهَ المُخَيَّمْ
يَقُولُ لي : لا تُصالِحْ
يقولُ لي :أنتَ مُلْزَمْ
إنَّ الدّما لا تُسامِحْ
فَهَلْ تُسَدِّدُ دَيْني؟”…

قد سَبَقَ بذلك زميلَهُ دَنْقل بسبع سنوات ، حيثُ كتبَ الشاعرُ المصريّ قصيدتهُ الشهيرة “لا تُصالِحْ” سنة 1976 ، قائلاً فيها في جملةِ ما قاله:
“لا تصالحْ ،
ولو ناشدَتْكَ القبيلة
باسم حزنِ ” الجليلة “
أن تسوقَ الدهاءَ ،
وتُبدي ـ لمن قصدوكَ ـ القبولَ
سيقولون :
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخُذْ ـ الآنَ ـ ما تستطيع :
قليلاً من الحقِّ . .
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرَكَ وحدَكَ ،
لكنه ثأرُ جيلٍ فجيل”.

وإضافة إلى أنّ التراث الشعبي كمصدر والشأن العام السياسي والاجتماعي كموضوع لقصيدة دنقل وعدوان ودحبور فإنّ هذا الثلاثيّ يصوغ إحساسهُ ورؤيتَهُ وكأنّ المأثور الشعبي مفردَاتٍ وأمثلةً وحِكَماً وعباراتٍ جاهزة ، كأنّها تَظهَر لأوَّل مَرَّة في قصيدةِ أيّ واحِدٍ مِن هذا الثلاثيّ أو على لسانه. وبما أنهم جميعاً يًعنون بقصيدةٍ تُلْقى إلى الجمهور مُباشَرَةً فإننا نُلاحِظُ تُقارُباً في تقنيات البناءِ الفنّي للقصيدةِ إلى جانب توَفُّر الوحدة الموضوعيّة والوحدة العضويّة ، كالمُفارَقَة في الصّورة والمفارقة في المفردات المتجاورة ، وما ينجمُ عن ذلكَ مِن مُفارقات في المعنى السياسي ، الذي يُصَعِّدُ حَماسةَ المُتَلَقِّي وانفعالاته مع النصّ الذي يَتَلَقّاه مِن صَوتِ الشاعر وجَسَدِه ، أو حتى مِن الورق ، إلى أن يهتزّ كيانُه بالقفلةِ الصادِمَة في نهاية القصيدة بعدَ أن يكون قد شهدَ ارتجاجات تتراكم مع نهايةِ كُلِّ مَقْطَع.

إلا أنّ ما يُمَيِّزُ الشاعر دحبور عن زميليه المصري والسوري أنّه تَمَكَّنَ مِن خلال موهبته القويّةِ ومهاراته البارعة وثقافته الواسعة وتجربته الحياتيّة الثريّة ، تَمَكَّنَ مِن أن يكون عن حَقّ “راوية المُخَيَّم” وما أدراكَ ما المُخيَّم الفلسطيني ، إنّه خزّان الثورة التي كان دحبور أبرز شُعرائها وَشَرط حقّ العودة الذي مِن أهداف ما سُمّي” ثورات الربيع العربي” وحُرُوبها تدمير هذا الشرط لإلغاء ذلك الحقّ. وهُوَ عدا عن ذلكَ ينفرد باختبار طاقات اللغة العربية الإيقاعيّة إلى أن يستنفدها تقريباً بابتكار أوزانٍ وَبُحُورٍ جديدة ، وهذا لا يعني أنّ الشعريّةَ عندَهُ لا تتحقَّق إلا بالوزن والقافية فلنفي تهمة كهذه عنه تضمنت مجموعاته الشعريّة الأخيرة أكثر من “قصيدة نثر” ، فهو كيميائيّ لُغة وتجريبيّ ومُغامِر كبير ولكن بمعرفة عميقة تهدمُ نظاماً جماليّاً لتبني نظاماً أكثرَ جمالاً ، هذا عدا عن أن مُدَوّنته تؤرِّخُ إبداعيّاً وقائعَ الملحمة الفلسطينيّة تغريبةً وتراجيديا ، تضحياتٍ وإنجازات. وهي بذلك كلّه أرْضٌ بكْرٌ تَعِدُ النقّادَ الحقيقيين ،إن وُجِدُوا الآنَ أو مُسْتَقبلاً ، بكُنُوزٍ تَستحقّ عناء الاستعداد للبحثِ عنها بعدّة من الذائقة المُرْهَفَة والمعرفة الدقيقة بعلوم اللغة ومناهج نقد فنّ الشِّعر وغيره مِن أجناس التعبير والفنون الجميلة .

المقال السابقمصممون كرافيكيون .. إلين لوبتون -1
المقال التالىالأرضُ لي
هادي دانيال *وُلِدَ في قرية كفرية مِن ريفِ اللاذقيّة على الساحل السوري بتاريخ 02/04/1956. *التَحَقَ سنة 1973 بالثورة الفلسطينيّة في بيروت وعَمِلَ في عدد مِن مؤسساتها الإعلاميّة كمجلة "الهدف"(مسؤول القسم الثقافي وسكرتير التحرير حتى سنة1979) و"إذاعة فلسطين"(مدير البرامج الثقافية). ثمّ انتقل مع ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد