على باب زويلة …

 

يعود إنشاء باب زويلة إلى عصر الدولة الفاطمية حيث أنشأه القائد جوهر الصقلي من الطوب اللبن عند بناء سور القاهرة لحماية عاصمة الخلافة الفاطمية، ثم أعاد بناءه وتعليته أمير الجيوش بدر الجمالى وزير الخلفية الفاطمي المستنصر بالله عام 485هـ/1092م، وهو البوابة الجنوبية للعاصمة ومن أشهر أبواب القاهرة المعزية، وسمى بهذا الإسم نسبة إلى قبيلة من المغاربة أنضم جنودها إلى جيش جوهر الصقلي لفتح مصر فاسترقت بالقاهرة، وذكر المقريزي أن أبواب القاهرة الثلاثة باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة قد بناها ثلاثة إخوة بنائين من الأرمن ولم يذكر أسمائهم، وذكر أن كل أخ منهم بنى باباً.
بنهاية شارع المعز لدين الله الفاطمي من الناحية الجنوبية يقع باب زويلة، وهو عبارة عن هيكل حجري ضخم يصل عمقه إلى 25 متر ويبلغ عرضه 26 متر ويصل إرتفاعه إلى 24 متر عن مستوى سطح الشارع، يتكون من برجين مستديرين، وبين البرجين ممر علوي كان الجنود يرمون الأعداء من خلاله، ولما شرع الملك المؤيد شيخ المحمودى فى بناء مسجده المجاور لباب زويلة عام 818هـ/1405م، أنتهز مهندسه فرصة وجود برجي باب زويلة فهدم أعلاهما وأقام مئذنتي المسجد عليهما.
كما عُرف باب زويلة باسم أخر هو “بوابة المتولي” اختلف المؤرخون في أصله، فالبعض فسر ذلك أنه كان يوجد في مدخله شخصًا جالسًا يقوم بتحصيل الضرائب الخاصة بالدخول إلى القاهرة ويعرف بالمتولي، والبعض الآخر أرجعها إلى الإعتقاد بشيخ صوفي كان يتردد على الباب.
في العصر الفاطمى لم يستخدم باب زويلة لتعليق رؤوس المتمردين لكن في العصر المملوكي استخدم الباب لصلب وتعليق رؤوس المجرمين فوقه ليكونوا عبرة للناس فيخافون ويتعظون، وفي ذلك يقول الشاعر شهاب الدين بن أبي حجلة:
برت زويلة إذا أمسى يقول لنا … باب لها قول صدق غير مكذوب
إذا وعدت حراميا بسفك دما … في الحال علق من وعدي بعرقوب
أشتهر باب زويلة بجملة مواقف تاريخية منها عندما أراد التتار غزو مصر بعد غزوهم بخارى وبغداد وحلب ودمشق، بعد مقتل الخليفة العباسي وارتكاب التتار مجازر وحشية، أرسل هولاكو الرسل للسلطان سيف الدين قطز مطالباً إياه بتسليم القاهرة والإعتراف بسيادة التتار على مصر والشام، فردّ السلطان قطز بقتل الرسل المبعوثين من هولاكو، وتم تعليق رؤوسهم على باب زويلة حتى يشاهدهم العامة، ليكون باب زويلة شاهداً على إعلان الحرب وصد الغزو التتاري والإنتصار في موقعة عين جالوت عام 658هـ/1260م تلك المعركة التي تعد من أعظم معارك التاريخ الإسلامي.
كانت نهاية أخر سلاطين المماليك الأشرف أبو النصر طومان باي على باب زويلة حيث أنتهت إمبراطورية المماليك وأصبحت مصر ولاية عثمانية، فانتقل مركز العالم الإسلامي منها إلى القسطنطينية.
طومان باي كان شابًا وسيمًا اشتراه السلطان قنصوة الغوري وخلفه في حكم مصر بعد أن إزداد الخلاف بين أمراء المماليك، فوقع اختيارهم على طومان باي لما عُرف عنه من الشجاعة والعدل والدهاء، ولم تدم فترة حكمه سوى ثلاثة أشهر حيث هزم في معركة الريدانية أمام العثمانيين بعدما رفض تسليم أمر مصر لسليم الأول.
ليأمر سليم بشنق طومان باي وتعليق جثته على باب زويلة، فقادوه سائراً على قدمه، وخرجت جموع الناس لوداعه، فكان يلقى السلام على الناس الذين يبكون حزنأ على سلطانهم الشجاع، ثم قرأ الفاتحة على نفسه وشُنق طومان باي عام 922هـ/1517م عن عمر يناهز 44 عامًا، بقيت جثته معلقة ثلاثة أيام حتى جافت رائحته، فأنزلوه وصلوا عليه ودفنوه، ظل المصريون يقرأون الفاتحة على روحه بعد إعدامه كلما مروا تحت باب زويلة فقد كان ملكًا حليمًا قليل الأذى كثير الخير زرع حبه في قلوب المصريين.

المقال السابقأبعاد اجتماع قادة 9 جيوش في الكويت
المقال التالىبادينغتون ( 2014 )
الدكتور عمر الشريف عمر محمد عبد العزيز الشريف، كاتب وباحث مصري يمارس البحث التاريخي بصورة حرة. من مواليد مدينة طنطا عام 1989م. حاصل على بكالوريوس الصيدلة الإكلينيكية من جامعة المنيا عام 2011، وله مقالات عدة نُشر بعضها بوكالة عرب نيوز الإخبارية وأهرام الدلتا، كما صدر له كتاب "أعلام منسية من أرض الغر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد