الثورة المعرفية والمستقبل


 

لكي نفهم جيدا مصطلح” الثورة المعرفية ” المعاصرة ، دعونا نستعرض قصة الهاتف “نوكيا” الشهير، وكيف كان مثالا معبرا عن دور المعرفة صعودا أو هبوطا. تأسست شركة “نوكيا” مبكرا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عام (1865)، في دولة فنلندا، وكانت متخصصة في صناعة الورق والإتجار به، ثم تحولت في مسيرتها الطويلة إلى تصنيع المطاط، ثم توليد الطاقة الكهربائية، وصولا إلى إنتاج الأسلاك ومعدات الاتصالات والإلكترونيات، حتى تخصصت في عقد التسعينيات من القرن العشرين في تصنيع الهاتف النقال والذي حمل اسمها، وانتشر في العالم بشكل هائل، حتى أصبحت تستحوذ على 40% من حصة السوق العالمي في العام 2007م، واشتهرت فنلندا الدولة به، ( في مقابل 25% لشركة موتورولا، و14% لشركة إريكسون)، وتوقع محللون تضاعف حجم مبيعاتها في السوق في غضون ثلاثة أو أربعة أعوام، ولكنها تراجعت، حتى باتت في ذيل قائمة الشركات، لأن القائمين عليها لم يواكبوا معرفيا التغييرات الهائلة في موجات التقنيات العالمية، ولم يتوافر لهم الإبداع والتخيل العلمي وتلمّس حاجات المستهلكين وذائقتهم، وهو ما انعكس سلبا في القرارات الخطأ التي اتخذها “ستيفن إيلوب” الرئيس التنفيذي للشركة والذي شغله في أكتوبر 2010م؛ فمع كل يوم قضاه “إيلوب” على رأس الشركة كانت القيمة السوقية للشركة تنخفض بنحو 23 مليون دولار يوميا، ليكون واحداً من أسوأ الرؤساء التنفيذيين في التاريخ، والسبب ببساطة اقتصاره على نظام تشغيل وحيد، دون ابتكار.
إذن المشكلة أساسها معرفة وقدرات على الإبداع، وهذا ما يدفعنا لشراء هاتف نقال لا تتجاوز قيمة تصنيعه من معادن وبلاستيك وزجاج وأسلاك بضعة دولارات، ومع ذلك ندفع فيه مئات الدولارات ونحن راضون، بل ونركض خلف الجديد منه والسبب أنه نشتري معرفة وتقنية وإبداعا، ومعلوم أن السيد ” بيل غيتس” يربح في الثانية الواحدة (226) دولارا، وقيمة شركاته ( مايكروسوفت ) تتجاوز ما تملكه دول الخليج النفطية ومعها اليمن والأردن مجتعمة، كل بضاعته برامج حاسوبية أساسها المعلومة والتخيل والإضافة ، ولنعلم أن أثرياء العالم لم يصبحوا ملاك الأراضي والصناعات الثقيلة كما كان في الماضي، وإنما هم الآن المبتكرون ملاّك المعرفة المبتكرة، ويكفي أن أرباح شركة ” سامسونج” في العام الواحد 327مليار دولار .
ولنا في قصة ” فيس بوك” نموذج للنجاح المتوالي، ففي العام 2003م ، أسس “مارك زوكربيرغ ” فيسبوك بالاشتراك مع كل من ” داستين موسكوفيتز” و ” كريس هيوز” وكلهم تخصصوا في دراسة علوم الحاسب وكانوا رفقاء في سكن جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، وكانت الفكرة بسيطة، واقتصرت عضوية الموقع بدايةً على طلبة جامعة هارفارد، إلا أنها تمددت بعد ذلك لتشمل الكليات الأخرى في مدينة بوسطن وجامعة آيفي ليج وجامعة ستانفورد. ثم اتسعت دائرة الموقع لتشمل أي طالب جامعي، ثم طلبة المدارس الثانوية، ثم انتشرت في العالم، وضمت آلاف المبرمجين المبدعين، ووصلت العضوية لعدة مليارات من سكان العالم، وأصبح “زوكربيرغ” أصغر ملياردير في العالم وعمره 23 سنة فقط، أما قيمة شركة فيس بوك العالمية فتقدر بأكثر من مئتي مليار دولار، ويكفي أن الشركة اشترت تطبيق ” واتس أب” بمبلغ 19 مليار دولار في العام 2014م، وكان عدد مشتركي الواتس أب فقط (500) مليون مشترك، وساعتها سخر بعض المستثمرين من “زوكربيرغ”، نظرا لعظم المبلغ المدفوع، ولكن انظر إلى ما فعله “زوكربيرغ”، مع الواتس أب ، فقد طوّره من مجرد برنامج للرسائل الكتابية، إلى اتصالات صوتية ومرئية وبريد متكامل ، وتجاوز مليار ومئتي مليون مشترك، فانظر كم ستكون قيمته السوقية الآن، علما بأن ثمن المشترك العضو في الواتس أب مئة دولار، وحتى الآن التطبيق مجاني، بلا إعلانات ولا أنشطة ترويجية، فقط هو ثروة هائلة من المعلومات التي تباع لمن يريد معرفة توجهات المستخدمين الفكرية والسياسية والاجتماعية والتجارية .
نحن إذن نعيش عصر الثورة المعلوماتية / المعرفية أو ما يسمى “مجتمع المعرفة” ، والتي هي حالة الإبداع الفكري والعلمي والتقني، المبنية على التقدم المعرفي الهائل، والذي تعكسه ملايين المبتكرات والاختراعات، التي تتضاعف كل يوم، ولكي تتضح الصورة أكثر، فإن حجم العلم والمعارف كان يتضاعف في الزمن القديم كل ألف سنة ، وبدءا من القرن السادس عشر بات يتضاعف كل مئة سنة، ومع القرن التاسع عشر صار يتضاعف كل خمسين عاما، ثم مع النصف الثاني من القرن العشرين، صار يتضاعف كل عشر سنوات. ومع القرن الحادي والعشرين، باتت العلوم والمعارف تتضاعف – انتبه – كل (73) يوما، أي خمس مرات في العام الواحد، ليتسيد مفهوم أن “المعرفة قوة Knowledge is Power “.
لقد كان الاقتصاد التقليدي معتمدا على إنتاج الموارد الطبيعية واستثمارها، في مجالات: الزراعة والصناعة والمناجم و التجارة .. إلخ، ولكن الثورة المعرفية أعطتنا رؤية مختلفة، فالمهم امتلاك المعرفة والقدرة على إنتاجها وتطبيقها، وستكون بعدها مالكا للثروة، ويكفي أن دولا كانت تعاني من شح الموارد الطبيعية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ولكنهما امتلكتا ثروة بشرية ماهرة متقنة ، وطاقات إبداعية متخيلة، فحولتا التراب إلى ذهب، وتربعتا على عرش الاقتصاد العالمي؛ ولتكونا سببا في تحول جذري ليعتمد الاقتصاد العالمي على ما يسفر عنه الإبداع المعرفي في البحوث المدنية والتكنولوجية، في تقديم الجديد من السلع والخدمات وتطوير طرق الإنتاج حيث تقدر المعرفة العلمية والتكنولوجية في بعض الدول بنحو ٨٠ ٪ من اقتصادها. فبات من الضروري ربط مجتمع المعلومات بتطوير نظم التعليم لتتيح فرصا للفرد كي : يتعلم ليعرف، ويتعلم ليعلّم، ويتعلم ليتعايش، ويتعلم ليبدع، ويتعلم لينتج.

لا تعليقات

اترك رد