من يحاسب الإله إذا قتل؟


 
من يحاسب الإله إذا قتل؟
لوحة للفنانة ميسون انسي

رصاصة واحدة تكفي ليسكن غضب الإله وينعم براحة مؤقّتة، ليعود وينظر من عليائه باحثاً عن مناهض لفكرة أو عقيدة أو حتّى فلسفة وجود، فيبيده ويكون عبرة لمن سمحوا لعقلهم أن ينتصر. رصاصة واحدة تشبع نهم فكرة الإله المنزّه المعقّد والمُستعبَد. فالإله المنغلق على نفسه والمحاط بعصابات تكرّس حياتها للدّفاع عنه، إله استعبده شرّه وتراكمت في جوهره عقد أمعنت في تشويه صورته، وولّدت في ذاته عطشاً للعنف والكره. إله لا يحترم القلق المعرفي كائن جاهل لمخلوقاته، بعيد عنهم حدّ الخوف منهم. يجنّد أشباه أنام تستلّ سيفه، وفي لحظة خاطفة تضع حدّاً للحياة ثمّ ما تلبث أن تعيده إلى غمده ملطّخاً بالدّماء. ونسأل عن ذاك الإله المتكبّر الّذي لا يغفو إلّا على أضرحة النّفوس الباحثة عن الحقيقة، فنجده في ركن ما يغسل يديه من دماء الصّديقين.

كيف لإله أن لا يحترم براءة أطفال تزهر بكائر عقولها، وينتفض فكرها محاولاً فهم ما لا يُفهم من تناقضات جمّة تثير القلق في الّذات، وتبعث في الكيان الإنسانيّ تساؤلات لا تعدّ ولا تحصى عن فكرة إله لا يثبت نفسه إلّا بالقتل!
كيف لإله أن يرذل المثقّفين والأدباء والشّعراء الّذين يزرعون الجمال والبهاء في العالم، ويهتمّ لإعلاء شأن من منحوا لأنفسهم حقّ تحقيق العدالة الإلهيّة؟ أتراه إله خائف من الإنسان، يتنافس معه على الحكمة والمعرفة؟ أم تراه حرفاً سقط سهواً في أيدي من لا يقرأون ولا يفهمون؟

رصاصة واحدة تكفي لتهيّج في نفوسنا النّقمة على إله محتجب في صدور مريضة شرّيرة، تستبيح العنف والاضّطهاد والقتل. وتعيد إلى الحاضر مرارة عصور مظلمة تركت في الإنسانيّة جرحاً ما زال ينزف حتّى الآن. رصاصة واحدة تختصر تاريخ المتديّنين الجهّال، المستعبدين لإله وهميّ والمأسورين في سجون مرضه وجنونه. إله فكرة، تجذّرت في عقول تعفّنت من الجهل، وتأصّلت في نفوس ممسوسة قابعة في نتانة الحروف. جثث تتحرّك في هذا العالم تحقّق عدالة الغابات، وتشرّع الحقّ المضلِّل، فتستبيح كرامة الإنسان، وتسلب حياته باسم الإله. أموات همُ كما إلههم، يتصدّون للحياة ولا يقوون إلّا على قتل الجسد.
لكنّ النّقمة لا تجدي نفعاً ولا تعيد إلى الحياة من أشعلت المحبّة قلوبهم فانقلبوا على الإله الميت. والاستنكار والاستهجان لا يحرّكان ساكناً في التّاريخ الإنسانيّ ولا يغيّران مساره. وحدها العقول المستنيرة والنّفوس المشرّعة على المحبّة وإن كانت قلّة قليلة، تقاوم دياميس الظّلام، وتبدّل وجه الأرض وتحارب أيديولوجيّة الإله المجرم. فبصيص نور ينبعث من سراج صغير قادر على اقتحام ظلمة دامسة بل جبّار يقوى على دحرها.

لا تعليقات

اترك رد