الآثار المترتبة على الانتماء

 

يعرف الانتماء لغويا بأنه أن تكون عضوا نافعا ومشاركا فعالا في جهة ما واصطلاحا هو الارتباط الحقيقي والمباشر بين الفرد مع مجموعة أو جهة معينة بمسمى خاص وواضح ذو دلالة مفهومة والتمسك المطلق بها وبما تحمل من أفكار ومبادئ وتبادل الثقة المطلقة معها ويتم المحافظة على هذه العلاقة بكل الوسائل الفكرية والمعنوية والمادية ويدل الانتماء على قوة الصلة أو الآصرة التي تربط الفرد بما ينتمي إليه كالعائلة أو القبيلة أو الوطن أو العمل أو ما شاكل ذلك وهو غير الانتساب الذي يعني إن علاقتك بالجهة التي ترتبط بها ستكون لفترة زمنية محدودة وتنهي علاقتك بها بعد زوال الأسباب الموجبة التي حتمت انتسابك لغاية واضحة كانتساب الطالب إلى مدرسته لغرض الدراسة أو الموظف إلى دائرته لأداء عمل مقابل ثمن أو حتى الجندي إلى وحدته العسكرية التي يمكن أن ينتقل منها وتقع عليه فيها واجبات معينة يؤديها بحدود متفق عليها وللمنتسب حقوق يكتسبها كنتيجة لهذا الانتساب وربما مقابل ثمن معروف ومتفق عليه بين الطرفين وبصورة عامة الانتساب مكتسب من الممكن أن ينتهي بسهولة ولا تترتب عليه أي آثار جانبية.

حسب فهمنا هذا فالانتماء عقيدة لها جذور في الأعماق ولا يوجد أي إنسان لا ينتمي إلى ما يهمه ويعتنقه ويتكامل معه وإلا فسيكون انعزاليا منفردا متوحشا ينقصه الكثير وقد ينتمي الفرد إلى أكثر من جهة فلا يعيبك مثلا أن تنتمي إلى قبيلتك وفي نفس الوقت أنت منتمي إلى وطنك وأيضا منتمي إلى قوميتك وأنت مع ذلك لك دين تنتمي إليه فتشعبت انتماءاتك في أكثر من اتجاه دون تقاطع ولكن تبقى مسالة المفاضلة بينها وأولوية الولاء والأسبقية لأي منها , وفي الأغلب الأعم وتكون العلاقة بينهم تكاملية فالإنسانية انتمائنا جميعا وهي تحتم عليك التحلي بأخلاق معينة تأتي في المقدمة والولاء للوطن يحتم عليك انجاز مهام أخرى تجسد فيها التزامك تجاه قطعة الأرض التي تعيش عليها وتشترك بها مع غيرك من المواطنين فتساهم بما تستطيع في البناء والعمران والتطوير المادي والمعنوي الفكري وحفظ الأمن وغيرها وهكذا تباعا بما لا يتعارض أو يشكل تقاطعا بين متناقضين في آن واحد فلا يمكن أن تكون مسلما ومسيحيا في نفس الوقت بل يتوجب عليك أن تكون منتمي إلى احدهما مع تبادل احترام المعتقد الآخر ولا يمكن أن تكون عراقيا مثلا وتحمل جنسية دولة أخرى كبريطانيا أو غيرها لا حصرا خصوصا إذا ساءت العلاقة بينهما فانتمائك يحتم عليك الانحياز إلى إحدى الدولتين وأكثر من ذلك إذا كان يحمل الفرد المعني جنسيتين لدولتين تقاطعت المصالح بينهما ويتطلب منه تحديد موقف واضح من أسباب الخلاف فتلك هي الطامة الكبرى وسيتغير الانتماء والولاء وحينها يصبح الإنسان بين خيارين لا ثالث لهما وأسهلهما مر لا يطاق وهو الموت بعينه بالنسبة لمن يمتلك إحساس وشعورا بالانتماء إلى الوطن حتى وان كان على تقاطع مع جهة معينة فيه أو حتى مع الحكومة بأكملها ومن هذا المنطلق البسيط يحق لك كمواطن أن تطالب من يملك أكثر من جنسية في موقع المسئولية من تحديد انتمائه فإما أن يكون عراقيا له ما لك من حقوق وعليه ما عليك من واجبات وإما أن يكون مواطن في دولة أخرى فيتبعها ويمتثل لقوانينها وأنظمتها حتى وان كانت على وفاق تام مع العراق خصوصا إذا كان هذا المعني في موقع سيادي وطلبت منه دولته الثانية أن تجنده لصالح أجهزتها الأمنية أو حتى غير الأمنية في داخل العراق وهذا من حقها عليه كأحد رعاياها فماذا سيكون موقفه حينها هل سيوافق ليتجسس على أهله وإخوانه وأبناء جلته ويدير مهامه بعقلية البلد الآخر أو يرفض الانصياع لقوانين ودوائر بلده الجديد.

أما خلاف ذلك فهو أمر طبيعي فكل شخص منا ينتمي إلى عائلة وأوسع منها العشيرة والقبيلة والقومية والمذهب والدين وكل من هذه الانتماءات له خصوصيته ولا يتقاطع الانتماء إلى هذا مع ذلك الانتماء وكلها مبعث فخر واعتزاز وفيها دافع ومحفز قوي للتعاون مع الآخرين في نفس المجموعة لتقوية الأواصر البينية من جهة والمشاركة في الدفاع عن المعتقد والمساهمة في البناء والتطوير لما يحقق الخدمة الجمعية العامة.

إن من ابرز تطبيقات التمسك بالانتماء السيئة ما نجحت أمريكا في زرعه بعد عام 2003 في العراق الحروب الطائفية التي وصلت حد القتل بدم بارد وبشاعة متناهية على الهوية أي إن مجرد الاسم كان دافع لقتل صاحبه والى اللحظة لازالت قائمة عند البعض ومثل ذلك ما حصل في العام الماضي ودعوة الأخوان الكرد للانفصال العام الماضي وفي الحالتين كان واضحا التجاوز على أهمية الانتماء إلى المواطنة العراقية .

لقد تضمن الدستور العراقي النافذ فقرات توجب على من يعمل في الدرجات الخاصة في الدولة أن لا يحتفظ بأي جنسية أجنبية ولكن لم يعمل بها احد فكثير من المسئولين لازالوا إلى هذه الساعة يمتلكون أكثر من جنسية ولا توجد جهة تحاسبهم على هذا الاختراق الواضح للدستور ولا نجد مبررا للاحتفاظ بالجنسية الأجنبية ولا لعدم المحاسبة إلا لغايات معينة في دواخل المعني بها بل ولهم الأفضلية في الحصول على المناصب السيادية بدعم من دولهم كما حصل عند هروب السيد عبد الفلاح السوداني وزير التجارة الأسبق إلى بلده الثاني بريطانيا أو استقرار السيد أيهم السامرائي في بلده الآخر الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك فعل محافظ البصرة السيد ماجد النصراوي عندما شعر بخطر الاعتقال للفساد المالي الفاضح وعاد الى استراليا وغيرهم الكثير على خلفية تهم مماثلة ضمن إطار الفساد المالي والإداري وقد وفرت لهم دولهم الحماية وعدم الملاحقة من قبل السلطات القضائية العراقية وسوف تتكرر هذه الحالة مع غيرهم على اعتبار إن العراق مع شديد الأسف يأتي في مقدمة الدول التي ينتشر فيها الفساد وهدر المال العام.

لذلك فان الانتماء هو هوية المنتمي وعنوانه البارز الذي لا يعلو عليه عالي عند كل ذو لب وحليم .

لا تعليقات

اترك رد