دفاتر عتيقة في بورصة البرلمان

 

ما يزال التأريخ وحكاياته، محركاً رئيسياً لحوادث اليوم، وإن بعض الذين لا يريدون أن يغادروا الجدالات البعيدة عن روح دولة المواطنة، يلعبون على وتر الماضي، بروايات اقتبست من راوٍ عن سلفه، ومن ناسخٍ عن سابقه، واختلف فيها بين دار نشرٍ وأخرى، وبين طبعة وطبعة، حتّى صار واقعنا رهينٌ لتلك المجلدات الضخمة.
أثار اعتراض النائب عن حزب الفضيلة “عمار طعمة” الجدل مرّة أخرى، حين “وقف على فم” رئيس السنّ محمد علي زيني، في جلسة البرلمان المفتوحة في أيلول (2018)، حول استخدام الأخير وصف “بغداد الرشيد” وبغداد المأمون” في خطابه، زوبعة باردة، لا تمسّ الواقع “الزّف” الذي يعيشه العراقيون لا من قريبٍ ولا تمن بعيد.
ليسَ للمحسوبين على السنّة أن يزهدوا بما أنجزه الفاطميون في مصر، حتّى وإن لزموا معسكر صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي سياسياً ومذهبياً، في مقاتلتهم للدولة الفاطمية، لا يلغي ذلك من منجزات عمرانية وثقافية أو ما أنتجه الفاطميون من فنون، وليس لبعض المحسوبين على الشيعة ذلك فيما يخصّ ما أنجز في بغداد العباسية أو غيرها.
وبغير هذا فلن نكون موضوعيين تجاه الجماليات في تأريخنا، ولا يفوق جمالٌ على تأسيس المدن، وإشهارها حضارياً بين إمبراطوريات العالم.
فالحقيقة كما يعرفها الغرب قبل أهل مكة أنفسهم، أننا كنا مركز العالم حضارياً بين القرنين التاسع والعاشر(بغداد العباسية)، ثمّ القاهرة الفاطمية (القرن الحادي عشر)، ثم القاهرة المملوكية (بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر) ثمّ قرطبة والأندلس لاحقاً.
كما إن ما قاله النائب عن “الفضيلة” ليس بسابقة، ففي عام (2013)، حين اختيرت بغداد عاصمة للثقافة العربية، اعترض بعضٌ ممن يفكرون بطريقة السيد النائب، وأصدروا بيانات احتجاج على خطابات المسؤولين في وزارة الثقافة التي تضمنتْ بطبيعة الحال، ذات العبارات التي يعتبرها النائب “مستفزة”.
ومع ذلك، فإن الوقوف بحياد أمام جماليات التأريخ، لا يلغي تأريخ السلطة والمعارضة، سوى صدرتْ تلك المعارضة من إمام أو نبيّ أو شاعر او زعيم قبليّ، لأن الإلغاء والمحو، صفة تلازم المتعصبين، لا الموضوعيين والباحثين.
وكم كنا نتمنى أن يمارس النائب دوره الرقابي وأن يكشف ما تم تداوله في الإعلام عن “بورصة” في البرلمان، وصفقات مشبوهة وحوالات مالية من جيب لآخر، لبيع وشراء المناصب.
وفي الختام، ما أجمل مطلع قصيدة الراحل الشيخ مصطفى جمال الدين:
بغداد ما اشتبكتْ عليكِ الأعصرُ
إلا ذوتْ ووريق عمركِ أخضرُ

لا تعليقات

اترك رد